الخميس، 13 مارس 2014

من لم يقرأ بعدُ «فن الحرب»؟

من لم يقرأ بعدُ «فن الحرب»؟
حبيب سروري

«يكمنُ فن الحرب في هزيمة العدو دون مواجهة، دون أدنى خسارة، دون قطرة دم!»... «قبل خوض المعركة يلزم أن يكون النصر قد تحقَّق تماماً!»... 
لعل هذه العبارات تُلخِّص جوهر كتاب الإستراتيجي الصيني الشهير سان تزو: «فن الحرب». السبيل إليها: «الذكاء المطلق»!... 
لغةٌ لم تعتد عليها حضارتنا العربية، ولا الحضارة الغربية أيضاً...

ظهر هذا الكتاب في الصين قبل حوالي 2500 سنة، في عصر «المملكات المتصارعة» الذي اتَّسم بحروبٍ دائمة بين حوالي عشر مملكات صينية متجاورة، وبخسائر بشرية ومادية جسيمة، وبتغيُّراتٍ متعاقبة في عددِ وحدودِ تلك المملكات
إذا كانت الفلسفة العسكرية لحضارة الإغريق (التي ازدهرت في نفس تلك الفترة) تمزج، كما هو حال الاستراتيجية العسكرية الغربية اليوم، بين أهمية استخدام الذكاء والحيلة في الحرب (الذي كان رمزه العبقري المجيد: عولس، صاحب فكرة حصان طروادة)، وبين المواجهة الجبهوية الدامية واستخدام القوة (الذي كان رمزه البطل الأسطوري الجبار: أشيل)، فإن الإستراتيجية الصينية، إنطلاقاً من فلسفة كتاب «فن الحرب»، أرقى بكثير: 
تتكئ في الأساس على الذكاء المطلق، لا غير. على الحرب السريَّة غير المرئية. على الانتصار النقي. أي: تُلغي مفهوم البطولة والغطرسة والفخر، بكل بساطة. تُقيل أشيل لِصالح عولس، إذا جاز القول!...

يصعب تفسير ظاهرة الإعجاب بكتاب سان تزو والوله به في العقود الأخيرة، لا سيما في هذه الأيام الذي نجده في رفوف أفضل مبيعات الكتب في مكتبات فرنسا.
يُدْرَسُ في الكليات العسكرية بالتأكيد، والتجارية والاقتصادية أيضاً، في أقسام «الذكاء الاقتصادي والتحليل الاستراتيجي»، فن المفاوضات، التسويق، تطوير الشبكات الاجتماعية... ليس غريباً أن يقول وزير الاقتصاد أو رب العمل هذا أو ذاك: «فن الحرب» كتابي الأثير، كتاب مخدعي!...
يتوالى ذِكرُهُ في الروايات الأدبية التي تستعير منه قصصاً رمزيةً هنا وهناك. على سبيل المثال فقط: رواية «الفن الفرنسي للحرب» لأستاذ البيولوجيا اليكسيس جيني التي نالت جائزة جونكور ٢٠١١، وبعض كتب الفرنسي فيليب سوليرس (صاحب مقالة: «لماذا أنا صيني؟»، في كتابه «فرار»، جاليمار، ٢٠١٢) الذي اعتبرَ نفسَهُ دائماً «صينيَّاً»، بكل بساطة... 
دون الحديث عن الأفلامِ وأغاني «الراب» وشعبيَّةِ مواقع الاستشهادات بعبارات سان تزو على «تويتر»، وبعض اللوحات الجدارية العشوائية (Tag، وَسْم) في المدن الغربية...
أيكمنُ سبب ذلك التشبُّث بكتاب «فن الحرب» في الأزمة الاقتصادية الحالية؟ أم في التفوق الاقتصادي الصيني الذي يعتقد الكثيرون (بما فيهم كاتب هذا المقال) أنه سيهيمنُ على العالَم في هذا القرن، بفضل اتكائه على الأفكار الاستراتيجية الصينية، لاسيما كتاب سان تزو، وعلى فلسفة الحضارة الصينية الرائدة؟...

قبل إجلاء أفكار الفلسفة الصينية التي تُبرِّر فحوى هذا الاعتقاد، يلزم الإشارة إلى أن للحضارات الأخرى مراجعها أيضاً في الذكاء السياسي والاستراتجيات العسكرية.
في الغرب هناك صاحب كتاب «الأمير»: المفكر الإيطالي ماكيافل الذي وُلِد في أواخر القرن الخامس عشر
تلاه مرجعٌ جوهريٌّ أكثر حداثة: «عن الحرب» لكارل فون كلوسفيتز، الذي ظهر في 1832.
للعرَب أيضاً مراجعُهم في كتب الذكاء والحيل والاستراتيجيات. لعل أهمَّها وأبدعها: «رقائق الحُلَل في دقائق الحِيَل»، لكاتبٍ مجهول كتبه قرناً قبل ماكيافل. اكتشف الباحث رونيه خوام نصف فصول هذا الكتاب فقط، في مخطوطةٍ مودوعةٍ في المكتبة الوطنية في باريس، وترجمَهُ للفرنسية في 1976، قبل أن يظهر بالعربية في «دار الساقي» لاحقاً.
ثم هناك الشخصية المثيرة: لورانس العرب، صاحب كتاب «أعمدة الحكمة السبعة» (١٩٢٢) الذي استقى منه الجنرال الفيتنامي جياب خططه في الانتصار على الفرنسيين في معركة دين بيان فو الشهيرة. الكتابُ الذي قدَّم نظريَّة حرب العصابات كسلسلةٍ بطيئةٍ طويلةٍ مخاتلة من عمليات شبحيَّة مفاجئة تُجنِّن بالعدو، وتجبره على أن «يأكل الحساء بالسكين» على حد تعبير لورانس العرب.

رغم أهميَّة هذه الكتب جميعاً، يظلُّ لـِ «فن الحرب» موقعه الأثير، الأرقى بكثير، والأشد تأثيراً حتى اليوم. ربما لأنه مؤسَّسٌ على فكرة «الذكاء المطلق» وعلى فلسفة وتجارب الحضارة الصينية العريقة وصراعاتها الطويلة، أو لأن مفهوم الحرب فيه شديدُ العمق والأناقة، يمكن أن يتَّسع إلى ما هو أكبر من الحرب العسكرية بكثير لِيشمل كل مناحي الحياة العسكرية والسياسية والاقتصادية، والخاصة أيضاً.
فالحياة في الفلسفة الصينية حربٌ لا تتوقّف: السلام وهمٌ يصدِّقهُ الأغبياء! العلاقة الغرامية حربٌ دائمة أيضاً. «جهاد النفس» كذلك تماماً. كتابة الرواية حربٌ باستراتيجيات شطرنجيّة متنوّعة، كما يراها الروائي الروسي فلاديمير ماكانين...

قبل استعراضِ بعض أهم معالم السياسة الصينية المعاصرة في ضوء أفكار كتاب  «فن الحرب» يلزم التذكير بمبدأين جوهريين في الفكر الاستراتيجي الصيني وكشف بصماتهما في الكتاب:
١) الاستلهام من نموذج الطبيعة:
في رؤية سان تزو: يلزم أن تتناغم الحرب مع نموذج الطبيعة. استعارةُ الماء هامَّةٌ هنا، تتكرَّرُ في أماكن كثيرة من الكتاب. يقول سان تزو:
«يسيل الماء على إيقاع تضاريس الأرض. كذلك، بالانسجام مع تغيُّرات وضع العدو يُكسَبُ النصر. ليس للماءِ شكلٌ ثابت. كذلك، ليس للعمليات وصفاتٌ جامدة. من يستطيع الانتصار بفضل تكيُّفاته مع مختلف التغيرات يستحق أن يُسمَّى: محارباً إلهياً». 
يقول استراتيجيٌّ صينيٌّ آخر عاش في القرن الثاني قبل الميلاد، هواي نان تسو: «كنْ كالشبح الذي لا يترك أثراً، كنْ كالماء الذي لا يجرحهُ أحد».

يُصغي الماءُ للمناخ والتضاريس، يلتفُّ عليهم أو يتوحد معهم في ذات اللحظة. «يهرب من المرتفعات ويملأ الحفر»، كما يقول سان تزو. مثله، يلزم أن تسيطر الاستراتيجيةُ على كل الأوضاع والاتجاهات، أن تضمن الانتشار الناعم العميق المباشر، بدلاً من اللجوء إلى استعراضات التبجُّح والقوة.
لعل سعيَ الصين اليوم لإملاءِ كل شرايين الاقتصاد العالمي والسيطرةِ المتدرجة الهادئة عليه يعكسُ هذا الاختيار الاستراتيجي، الذي تقع في القطب المعاكس له الاستراتيجيةُ الأمريكية التي تميل للغطرسة واستعراض القوة، كما حصل في العراق مثلاً
تفصلُ هاتين الاستراتيجيتين ولا شك بضعةُ آلاف السنين من الحكمة والتجارب.

٢) نموذج اليين واليونج
«تتلخَّص الاستراتيجيةُ بقوّتين: مرئيةٌ وغير مرئية. بينهما تداخلات متنوعة لا حصر لها، لا تستطيع الروح البشرية سبر أغوارها تماماً»، يقول سان تزو.
لكلِّ شيء وجهان في الفكر الصيني، يُرمَز لهما بـ «اليين واليونج»: الظل والضوء، الذكر والأنثى، المرئي وغير المرئي...
يسكن اليين في اليونج والعكس صحيح. كلاهما وجهٌ لِنفس الكينونة المركّبة. يحاول كل منهما أن يستحوذ على الآخر ويهيمن عليه!...
تعارض هذه الفلسفة بشدّة السعي لطمس وإنهاء أحد الوجهين تماماً. توصي بدل ذلك بتطويعِه وتكييفه لِخدمة الوجه الآخر. لذلك لا يحث «فن الحرب» على التفكير بإبادة العدو أو تدميره والنيل منه، بل ينصُّ على أن فن الانتصار يكمن في السيطرة على العدو دون خسائر، في مغنطسته وتحويله إلى موردٍ يخدمك ويتعاونُ معك!... ما لم فإن طاقة اليأس وحقد العدو ورغبته العنيفة بالانتقام قد تقود إلى النيل منك وانتصاره لاحقاً
جليٌّ أن ذلك يختلف تماماً عمّا مارسته وتمارسه السياسة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية اللتان لم تتوقفا عن استعراضات القوة المجنونة والضرب الإجرامي العنيف المتواتر لسحق عدوِّهم ومحق بنيتهِ الاقتصادية، مما يؤدي دوماً بالضرورة إلى ازدهار التطرُّف وروح الانتقام...

منهجية التفاعل بين اليين واليونج فنٌّ صينيٌّ عريق. أتذكَّر هذه العبارة التي أذهلتني لِطالبٍ صينيٍّ سعدتُ بالإشراف على أطروحة دكتوراه قبل عامين:
«عندما طلب الأمريكان منا في نهاية النصف الأخير من القرن الماضي التغيير الجذري لِنظامنا الاقتصادي والسياسي معاً، قلنا لهم: لا! الاقتصادُ: يونج، والسياسةُ: يين. تغييرهما معاً يؤدي إلى السقوط والانهيار، كما برهنت الأحداث بعد ذلك في الإتحاد السوفيتي الذي حاول تغييرهما معاً. يمكن أن يُطوِّع أحدُهما الآخر، لا غير. لذلك غيَّرنا الاقتصاد أوَّلاً فقط ليصير أكثر رأسماليةً من الاقتصاد الغربي، وحافظنا على السياسة وقواعد حياتنا اليومية، كما هي!...»

لعل أكثر ما نرفز الغرب وأثارَ حفيظتهُ فعلاً هي هذه الفلسفة التي لا يستطيع الغربُ القبضَ عليها أو إدراك كنهها: عندما أطلق الصينيون شعار «اقتصاد السوق الإشتراكي» الذي  أسَّس للصين اقتصاداً رأسمالياً يسثمرُ العولَمة ليغزو العالم، وأبقى في نفس الوقت النظام السياسي الشيوعي بكل بلاغته التقليدية، لاسيما صور ماو تسي تونج التي تعلو «المدينة الممنوعة» في قلب بكين، رأى الغرب (الذي اعتاد على الثنائيات المتضادة، وليس على الثنائيات المتوحّدة) في ذلك قمة الكيد والنفاق، «لعبٌ سيء»!...

طبيعيٌّ أن لا يستوعب الغرب ذلك: الفلسفةُ الصينية تجاوزته في هذا المجال بقرون. منهجُها ما قاله سان تزو:
«من يجيد فن فتح وغلق صمّامات الروح يصبح مثل التاو (أي: القوة الاصلية، الرُّحم الذي يتشكَّل فيه اليين واليونج، في الفلسفة الصينية): لا نهائي الصغر لا يتغلغله أحد، ولا نهائي الكبر لا يحتويه أحد».

وطبيعيٌّ جداً أن لا نستوعبه نحن أيضاً، عرَبُ اليوم الذين صار منهجهم في خوض الحروب يتلخّص بالحكمة اليمانية الغبيّة جداً: «الهنجمة» (أي: التهديد والوعيد الحامي الوطيس) نصف القتال!...


عربُ اليوم الذين نمثِّلُ العكسَ النموذجي لِصين اليوم التي تغزو العالم بالصمت والذكاء المطلق، فيما نملأهُ ضجيجاً وغيبيات وحروبَ أهليّة وهزائمَ وهرولةً إلى الجحيم!...

الجمعة، 28 فبراير 2014

الحياة مِلكٌ للنساء، أي مِلكٌ للموت!

الحياة مِلكٌ للنساء، أي مِلكٌ للموت!
حبيب سروري

جليٌّ أن القرن الثامن عشر (قرن الأنوار) نقلَ الإنسانية على الصعيد الأخلاقي إلى عالَمٍ متقدِّمٍ جديد: انبثقتْ منه أولى تشريعات تحريمِ العبودية والعنصرية، ومنحِ المرأة حقوقاً جوهريّة تسمح بمساواتها بالرجل.

اعتُبِرتِ المرأة غالباً، حتّى عصر الأنوار، ماكينةَ إنجابٍ ورعايةٍ للأطفال، ناقصةَ عقل. حقوقُها في الإرث ضئيلة. وإن توظّفتْ فهي تحتلُّ موقع رجُل... ناهيك عن كونها أم المكائد والغوايات، ومرتكبة خطايا الوجود الجذرية!...
لعلّ آراء أرسطو تكثِّف ذلك: "الرجل إنسانٌ كاملٌ خُلِق بيد الإله، والمرأة منتوجٌ اشتقاقيٌّ منه، وعاءٌ لخصوبته المنويّة. يسيطر الرجلُ على المجتمع لأنه يمتلك ذكاءً أعلى من المرأة".

جليٌّ اليوم في ضوء علوم الطبيعة الإنسانية أن تلك الاعتبارات خاطئةٌ تماماً: ذكاءُ المرأة يساوي ذكاء الرجل، والتمييز بين دماغيهما بالعين المجرّدة يكاد يكون سابع المستحيلات: إذا كانت كميّة عصبونات المرأة أقل نسبيّاً من الرجل، فموادها الرمادية الدماغية أكثر نسبياًلهما نفس الجينات، اللهم إلا بعضاً منها في الكروموزوم Y، كتلك المرتبطة بالخصيتين... 
لا يمنع ذلك وجود حساسيات وملَكات لأحدهما هنا وهناك تفوق الآخر: يميل الرجل، على سبيل المثال، أكثر من المرأة للغزوات الجنسية، فيما ترتبط المرأة بعلاقة أكثر عمقاً وحميمية بالأطفال...
لكنهما وجهان لنوعٍ بيولوجيٍّ واحد: الإنسان. لا وجه أهمّ من الآخر. مساواتهما لا تعني تطابقهما المطْلق، ولكن حقَّهما في معاملةٍ تناصفيّةٍ متكافئة.

المثير هنا أن العبودية، وهيمنة الرجل على المرأة، نشآ معاً في نفس الفترة التاريخية: العصر الحجري الحديث، وتكوّن المجتمعات الحضرية الأولى
لعل منبع ذلك هو تقسيم العمل الذي أحال المرأة إلى شؤون البيت والإنجاب ورعاية الأطفال، والرجل إلى شؤون الحرب والسيطرة على السلاح والأرض.
كان مقدار غنى الفرد حينها يُقاس بمقدار عدد زوجاته وعبيده. فيما لم تكن هناك هيمنةٌ ذكورية على الإناث في العصور السابقة، لاسيما عصور عملهما المشترك في الصيد وقطف الثمار، وحياتهما البدائية ضمن فصائل "الرئيسيات" الإنسانية...

والمثير أيضاً أن بدء تجريم العبودية وهيمنة الرجل على المرأة، وتحريمهما معاً، كان ابن نفس الفترة التاريخية: قرن الأنوار.
بدأ المنع القانوني للعبودية في أوربا في نهاية قرن الأنوار، عقب الثورة الفرنسية التي أقرّ برلمانها "ميثاق حقوق الإنسان والمواطنة". وتعمّمت الإدانة والتحريم أخيراً بالوثيقة العالمية لحقوق الإنسان للأمم المتحدة في ١٩٤٨ التي تلزم المنع على كل دول العالم، بما فيها المجتمعات الإسلامية (التي لم يحرِّم الشرع فيها العبودية مثلما حرّم أكل الخنزير مثلا، وإن حثّ على عتق رقبة الرقيق. لكنّها للأسف اكتفت في القرون اللاحقة بذلك الحثِّ فقط، ولم تواصل تطوُّرَها وتقدُّمَها الأخلاقي، لدرجة أنه لم يبرز حاكمٌ أو مفكّرٌ أو فقيهٌ إسلاميٌّ واحد أمرَ بتشريع تحريم العبودية، قبل أن يتحوَّل تحريمها إنجازاً حضاريّاً غربيّاً عُمِّمَ على الحضارة الإنسانية!).

وبشكلٍ موازٍ لميثاق حقوق الإنسان والمواطنة، وبعد عامين منه، قدّمتِ الكاتبة الرائدة أولامب دو جوج لبرلمان الثورة الفرنسية مشروع "ميثاق حقوق المرأة والمواطنة" الذي ينصّ على مساواتها الكاملة بالرجل
رُفِض المشروع، لكن النضال الطويل لتحقيق تلك المساواة (الأصعب بالضرورة من إلغاء العبودية بكثير) كان قد انطلق!...

لعبت الحركات النسائية في السياسة والأدب والفكر دوراً جوهرياً في تسليط الضوء على الظلم الذي تعانية المرأة، وضرورة تحويل تحريرها من حلمٍ إلى حقيقة.
ثمّة أسماء كبيرة لعبت في هذا المجال دوراً دوليّاً هامّاً في القرن العشرين كسيمون دو بوفوار وإيزابيل بادنتير، وعربياً مثل نوال السعداوي التي ركّزت على ضرورة شنِّ حربٍ على العادات والتقاليد العتيقة التي تنتهك محارم المرأة مثل ختانها، وعلى أن تبدأ انتفاضة المرأة في العالم العربي بالأمِّ وبطريقة تربيتها وتعاملها مع الطفل...

الوضع الراهن لتحرر المرأة قطع شوطاً لا بأس به في الغرب، لاسيّما بعد الستينات من القرن المنصرم: تترأس المرأة الدول، تقود وزارات الدفاع، ولبعضهن كماري كوري جائزتا نوبل معاً، في الفيزياء وفي الكيمياء!... وإن لم يتحقق بعد على أرض الواقع تقسيمُ المناصب القيادية والإدارية العليا بالتساوي بين الرجل والمرأة، وكذلك بعضُ الحقوق الأخرى كالمساواة المطلقة في أجور العمل
الأسوأ: تُفضِّلُ بعض الأحزاب السياسية الغربية مثلاً أن تدفع للدولة غرامات جرّاء عدم التزامها بالتقسيم العادل للمناصب القيادية العليا بين الرجل والمرأة، على أن تطبِّقَ اللوائح والالتزامات التي تنصُّ على ذلك!

لعلّ أرقى ما وصل إليه تحرير المرأة عربيا هو وضع تونس، مفجّرة شرارة الربيع العربي:
دستورها الجديد الذي يضمن المساواةَ الكاملة بين المرأة والرجل (بما فيه حقوق الإرث)، وحريةَ الضمير (أي: حرية أن تؤمن بدين، لا تؤمن، أو أن تغيّر دينك)، والذي لا يستند إلا على القانون المدني فقط (دون اعتماد الشريعة كمصدر) يفتح الباب لدولةٍ مدنيّةٍ حديثة تلعب فيها المرأة دوراً طليعيّاً راقياً...

فتح الربيع العربي في الحقيقة آفاقاً جديدة لحركات تحرير المرأة. هاهي اليوم أكثر حضوراً من أي وقتٍ مضى، تناضل في كل الجبهات، من الساحات وحتّى شبكات التواصل الاجتماعي. تنال الجوائز الدولية تكريماً لِدورها الطليعي (كما هو حال اليمنيات المناضلات: توكل كرمان، أروى عبده عثمان، بشرى المقطري)...
في جدول أعمالها مهامٌ عديدةٌ متراكمةٌ منذ قرون، من إلغاءِ عاداتٍ بدائية متخلِّفة خطيرة كالختان وزواج الصغيرات، وحتّى المساواة الكاملة بينها والرجل.

ليس ثمّة من مؤشرٍ يُعبِّر عن خلجات الوجود الإنساني أفضل من الأدب. تنعكس فيه ظلال وأضواء الحياة والطبيعة الإنسانية، لاسيّما واقع حياة المرأة الذي ظلَّ على الدوام شغفاً كبيراً وتيمةً رئيسةً في قلب السرد الأدبي الإنساني.
من تعكسُ أكثرَ من جولييت، في مسرحية شكسبير الشهيرة، تمرد امرأةٍ في عصر النهضة على زوجٍ اختارتهُ عائلتها لها بشكل مسبق؟
كذلك ألماسَه في مسرحية سعد الله ونوس "طقوس الإشارات والتحوّلات" (التي مثّلتها "الكوميديا الفرنسية" هذا العام، من إخراج الكويتي سليمان البسام) تعكسُ تمرّدَ امرأةٍ على مجتمعٍ عربيٍّ منافق، كحال مجتمع دمشق في القرن ١٩، الذي خيّم عليه الفساد والنفاق ومكايد السلطة:
يرتب المفتي، في المسرحية، شرَكاً يقع فيه عدوّهُ اللدود نقيب الأشراف الذي يتمّ القبض عليه متلبِّساً بالزنى مع المومس وردة، من قبل قائد الدرك الذي يقودهما إلى السجن في وضعٍ مهين
فضيحةٌ تهزُّ المدينة. لـ "درئها" و لـ "تنظيف" سمعة النقيب والطبقة الحاكمة، يتوجّه المفتي إلى زوجة النقيب، ألماسه، يطلب منها الذهاب إلى السجن محل وردة، ليبدو أن ما حصل للنقيب فخّاً حبكهُ قائد الدرك لامتهان النقيب، لا غير!...
توافق شريطة أن تنال الطلاق بعد ذلك، وتقرِّر مصيرها لوحدها. تتحوّل حينئذٍ بقرارها الشخصيِّ المتمردِ إلى مومس!...
تفضح حينها نفاق المجتمع وتسقط أقنعته واحداً تلو الآخر: يتحوّل المفتي عاشقاً مجنوناً يلهث وراءها، النقيب إلى متصوّف، وتنكشف أكذوبات عريقةٌ كبرى كثيرة...

لعلّ الإلياذة وألف ليلة وليلة يقعان في رأس أمهات الأدب الإنساني الخالد الذي يُكثِّف الملامح الجوهرية العميقة للطبيعة الإنسانية منذ الأزل، والذي تلعب فيه المرأة دوراً فريداً.
يشكّلان معاً وجهين لتيمةٍ أدبيّةٍ خالدة، تُكثِّفها عبارة فيليب سوليرس العميقة: "الحياة مِلكٌ للنساء، أي مِلكٌ للموت". أي: الحياة والموت وجهان لعملة واحدة تموسقها المرأة. حول هذه التيمة تمحورت كلّ روايتي الأخيرة: أروى (دار الساقي).

المرأة صانعة الموت: هي حوريّة البحر التي تغوي البحارة قبل أن تطيح بهم. يكفي أن تدخل امرأةٌ في سيرورة حياة رجُلين، كدخول هيلين في حياتي باريس ومينايلاس، لتتفجّر الصراعات والحروب، كحرب طروادة التي سردتها الإلياذة، والتي كان ينبوع بدايتها تراجيدياتٌ إغريقية سبقتها بزمن:
كلّف زيوس، في إحداهنّ، باريس باختيار إحدى آلهاتٍ ثلاث تنازعنَ على "تفاحة الفتنة" التي رمتها الآلهة إيريس إلى حفلٍ للآلهة في الأولمب لم تُدعَ له، كاتبةً عليها: " لأجمل الآلهات!". 
فازت بالتفاحة أفروديتُ التي كانت قد وعدت باريس سرّاً أنها ستفتح له، إذا اختارها، بابَ قلب هيلين، زوجه مينايلاس!...

المرأة صانعةُ الحياة: ذلك حال شهرزاد وهي توجِّهُ كمايسترو أوركيسترا القدَر، كابحةً همجيةَ شهريار بالكلمة، بالسرد، بالمعرفة، بالإبداع، بالذكاء....
ذلك حالها، أكثر من أي وقتٍ آخر، عندما تدرك ديمة (شهرزادُ رواية "ألف ليلة في ليلة" للروائية السوريّة سوسن حسن) ذاتها بالحب، فتقاوم كل أشكال التعسف في مجتمع تستبدّ به سلاطين متعددة، وتنادي شهريارها: "ستكون امتدادي وأنا امتدادك"، معتنقةً الحبَّ عقيدةً لصنع الحياة.

لعلّ هذا الدور: صانعة الحبّ والحياة، هو ما يحلو أن تستلهمه المرأة العربية المعاصرة من شهرزاداتها الخالدات، وهي تصيغُ قدَرها كرواية، هي وحدها مؤلفتها العبقرية!...