الأحد، 22 يونيو 2014

منشورات فيسبوكية في شهر المونديال الفضيل





منشورات فيسبوكية في شهر المونديال الفضيل

المنشور الأول:
سأدخل سوق الحديث عن كرة القدم من سرد ذكريات أول ويكند من يوليو ١٩٩٨،
يوم مباراة نهائي كأس العالم بين البرازيل وفرنسا.
بدءاً من الثامنة والخمسين دقيقة صباحاً.
يوم لم (ولن) أر سعادة الناس وإنسانيتهم وأمميتهم بنفس كميّته الطوفانية.
يوم لا يحدث في حياة أي إنسان إلا مرّة واحدة، أو إثنتين بالكثير.
خرجنا (زوجتي، بناتي الصغار، وأنا) في ذلك الصباح الباكر من محطة مترو قوس النصر، في بدء شارع الشانزليزية.
لم نعرف يومها هذا الشارع الذي « أحوس » فيه طويلاً كل أسبوع.
أول منظر فاجأني في ذلك الصباح الباكر (اللي الناس تتناول فيه الفطور في المقاهي) هذا المنظر الذي ندمت أني لم أصوره،
والذي طالما تمنيت أن يكون غلاف كتاب:
برازيلية في الأربعينات، لابسة الفانيلة الصفراء البرازيلية، جالسة لوحدها في كرسي المقهى، على الشارع.
على طاولتها كأسي بيرة كبيرين جدا (من يشرب بيرة في هذه الساعة؟ لا أحد! وكمان كأسين لها وحدها!).
نحاسية البشرة، جذّابة، شعرها قبة مفروشة بشكل جميل ومثير.
كوع يدها على الطاولة، بين الكأسين.
تفكّر بعمق
لعلّها لم تنم.
في رأسها نوايا غريبة.
شبهّتُها بنوايا قبيلي في فجر حرب ١٩٨٦ أو حرب ١٩٩٤ يعرف أنه قبل حلول الليل: يا سيموت، يا غريمه القبيلي الآخر سيموت.
لا حل وسط بين هاتين النهايتين.
أحدهما يعيش يومه الأخير
لم يفارق ذاكرتي منظرها حتى اللحظة
خطوتان بعد ذلك. رأيت عالماً آخر:
كل فرق ومشجعي العالم موجودة، تطوف الشانزليزية والشوارع المجاورة، مشياً أو بالسيارات.
موسيقى، رقص، توزيع هدايا رمزية: فانيلات، أعلام بلدان، أقلام ألوان
في كل كتلة رسّام أو رسّامين ينقش شيئا على خدود المارة
حب، إنسانية خالصة غير مبرمجة، لا تتكرر
كل إنسان يقبّل كل إنسان.
الجميع عاد طفلاً بريئا بشكل لن أستطيع وصفه.
السماء زرقاء، طقس نموذجي طوال اليوم، رغم أن كل توقعات الطقس الجوي كانت معاكسة تماماً.
أثار ذلك استغراب الجميع!
مرقت في رأسي هذه الفكرة الغريبة العابرة:
لو كان هناك إله حقاً، فهو بالتأكيد أعظم لاعبي كرة الاقدم، وأكثر عشاقها هياماً بها!
إنسانية مفاجئة نادرة تطمّ الجميع. سحر في كل مكان
لاحظت ذلك من تأثر زوجتي من المشهد، هي التي تعتبر الأعلام الوطنية رمزاً للقبيلة (وقد اتخذت شكل بلد)، لا تستقيم عند أي نشيد وطني لأي بلد (لنفس الأسباب السابقة)…
لاحظت ذلك لأن وجهها، في الساعة العاشرة صباحا، صار فسيفساء نقوش بأعلام بلدان كثيرة!…
لولا تسونامي البراءة البشرية لما تصالحت مع الأعلام الوطنية وطفوليات البشر الساذجة...
===
استدراك:
هذا ما حدث حتّى العاشرة صباحاً فقط.
عشنا هذا اليوم الخالد حتى وقت متأخر من الليل. سأواصل لاحقاً ذكرياته، « حبّة حبّة »، في منشورات قادمة

=======

المنشور الثاني:

شعر بنوع من البهجة كلما تهاوت أمة فوتبولوستيكية هرمة كبريطانيا اليوم، لصالح مشروع شاب جديد.
أحترم في الحقيقة آلهة كرة القدم كثيرا:
تطرد حامل الكأس منذ الدور الأول، كما حصل لفرنسا في ٢٠٠٢، وأسبانيا قبل يومين.
تطرده لأنه يأتي واثقا من نفسه أكثر من اللازم، بنفس عقلية ومشروع وطاقم ومدرب انتصر قبل ٤ سنوات فقط...

أما إذا وصلها بنفس عقلية ومشروع وطاقم ما قبل ١٤ قرن، فتفضل تركه يخوض مباريات كأس العالم للحروب الدينية الطائفية، ومسابقات أخرى من نفس النوع!...
=======
المنشور الثالث:

كرة القدم طقس أممي، يتساوى فيه الجميع أمام نفس الشعائر والقوانين، لا تمييز فيه بين عرق أو دين أو لون.
يفرغ خلاله الناس شحنات عنفهم يوما بعد يوم، ليتحولوا في يوم الفينال إلى ملائكة.
من هنا يأتي سحر المونديال الذي تسمو فيه البشرية، تمارس خلاله إنسانيتها...
إيران وغانا كانا رائعين أمس.
بعض منشورات فيسبوك كشفت أن العقليات الطائفية عندنا لا يمكنها أن تتطهر قليلا، حتى خلال شهر المونديال الكريم.
أحد من دوخوا برؤوسنا بالدعاء في كل تهاني الأعياد "للأمة الإسلامية" بالنصر والرفاهية، قضى وقته أمس يدعو الله بهزيمة إيران (لأسباب طائفية تثير التقزز)...
لم أندم أمس إلا وأنا أرى كل فريق غانا بدون لاعبين بيض.
سيأتي ذلك يوما، أتمنى. عندما تصير البشرية أكثر كوسموبوليتية، أرقى مما هي عليه اليوم.
لكني صدمت وأنا أقرأ تعليقات البعض حول الفريق الفرنسي قائلة إنه: فريق سود وأجانب.
الفرنسية لغة جميع لاعبيه الأولى، ولدوا في فرنسا، لم يعرفوا غير مدرستها...
لكنهم فقط أبناء الضواحي والشرائح الشعبية المتواضعة: الحوض الذي يخرج منه معظم لاعبي كرة العالم.
وهذا ما يفسر الأصول الأجنبية لكثير منهم...
لمن لا يعرف: فرنسا ليست قبيلة، والانتماء لها ثقافي وليس عرقي.
لكل إنسان في فرنسا أصول أجنبية تقريبا، من الجد الثالث على الأقل.
ذلك ثراء حقيقي اليوم في عصر العولمة وتعدد الثقافات والأعراق.
في عصر يلزم أن يتكلم فيه المرء ثلاث لغات على الأقل، وإلا فهو ينتمي لزمن الإنسان الأول...
رئيس وزراء فرنسا الحالي "أقل فرنسية" (إذا جاز القول) من كل هؤلاء اللاعبين لأنه نال جنسيته الفرنسية وهو في العشرين، والفرنسية لغته الثانية.
رئيس فرنسا السابق من أب مجري هاجر إلى فرنسا...
طبيعي أن يكون فريق كرة قدم بلد كتبت بيان حقوق الانسان (رغم ازدياد شعبية اليمين المتطرف الذي لا يتجرأ، رغم قذارته، إلا الهمهمة سراً بعبارات عنصرية من هذا النوع) بهذا التنوع الذي يلزم أن يفتخر به الجميع.
تسبق به فرنسا الآخرين. بعد كم عقود سيكون فريق ألمانيا وغانا ونيجيريا وطور الباحة بنفس ألوان قوس قزح الفريق الفرنسي.
ذلك مستقبل البشرية، طريق النجاة.
أما سفينة أبطال كأس العالم في الحروب الدينية والطائفية فستكون قد غرقت تماما قبل ذلك بكثير...
باختصار: أتمنى أن يكون شهر المونديال الكريم شهر تطهر يومي للبعض من آفات ثقافة القبيلة...
وخواتم مونديالية مباركة للجميع!


=======
المنشور الرابع:

الضجيج الكوني الكروي سيدخل ابتداء من الغد مرحلته الثانية، الأعتى.
سترتجف القلوب كثيرا مساء الإثنين القادم: الجزائر-ألمانيا، نيجيريا-فرنسا.
كرة القدم (طوطم العصر الحديث) صارت
كل ما تبقى لنا من تاريخ وثني دام آلاف السنين،
الإلهة-الكرة التي تستحوذ كل الأفئدة، 
وتفجر في جوانح المؤمنين بها صلوات ودعوات: جووووووول 
(التي تفوق بكثافتها ومفاجأتها همهمة: آمييييييين الآلية الرتيبة).
لنطمئن: لن يتجرأ مفتٍ بأية ديانة تحريم هذا الطقس، أو حتى القول بإنه مكروه شرعا يلهي عن العبادة.
لن يتجرأ ذلك لأنه أقوى من سطوة الديانات والأعراق وإرادة السلطات الحاكمة،
آخر قلاع إنسانية تتوحد مرة كل ٤ سنين،
تنسى كل خلافاتها الصغيرة،
تخفق في كل بقاع الأرض لنفس المشاعر العميقة، لنفس الطقوس الوثنية البسيطة، لنفس السعادات الصغيرة...
أية إنسانية جديدة في مستقبل بعيد لن تحمل اسمها بجدارة إذا لم تكن بحيوية ومساواة مباريات المونديال، 
بس مش بين فرق وطنية تشكلها حدود جغرافية سخيفة،
لكن بين أنهار تصب في نفس المحيط، 
بين جسور تربط كل التنوع الفكري والثقافي الراقي لأبناء أرخبيل الكوكب الأزرق:
فلسفة العلمانية والحداثة، روائع العشق الصوفي الإسلامي، جوانب راقية من الفكر المسيحي الحديث، الكونفوشيوسية الإنسانية...
طبعا، ما زلنا بعيدين ستة قرون عن ذلك الموعد (الذي أحلم به بشدة، وأخشى أن يكون طوباويا لا غير).
يلزم قبل ذلك أن "يعطّف" عصر الرأسمالية التي (رغم عظمة انجازاتها الحضارية)
حولت الإنسان بجشعها وجنون قوى المال فيها إلى رقم وسلعة، 
انتهكت بسطوة التكنولوجيا حميميته وكشفت عوراته،
دمرت التوازن البيئي للأرض وهددت مستقبل الكوكب...
رحت بعيد!

كل ذا عشان مباريتي مساء الاثنين القادم!

السبت، 21 يونيو 2014

مقال الأستاذة سوسن حسن في الحياة عن: ابنة سوسلوف

                          
                             "أمة الرحمن، ابنة سوسلوف"
                                جان دارك الثورة اليمنية         

                                                                سوسن جميل حسن
 "هناك ما قبل جمعة الكرامة، وهناك ما بعدها"... يوم 18 مارس 2011 جمعة الكرامة في الانتفاضة اليمنية، والتي تعسكرت فيها الثورة بتوجيه سلفي، فصارت تلك الجمعة الدامية لحظة مفصليّة في تاريخ الثورة مثلما يقول "عمران" بطل رواية "ابنة سوسلوف" للكاتب اليمني، صاحب كتاب "لا إمام سوى العقل"، ورواية "تقرير الهدهد" التي خرجت من عباءة رسالة الغفران، حبيب عبد الرب سروري. إلاّ أنه لا زال يبحث عن أجوبة لتساؤلاته التي مافتئ يطرحها في لحظة يأسه على ملاك الموت، بحميمية كاملة يدير حوارات معه، يخاطبه بـ عزيزي خاطف الأرواح، أو هادم المسرات، أو غيرها من الألقاب الظريفة، ليكتشف في آخر الحوارات الحميمة أن ما ينشر الجهاديون من أفكار، وما يقومون به من أفعال تشرخ وجدان خاطف الأرواح وتزيد من أعبائه ومتاعبه لكثرة الموت الذي يعملون من أجله وعليه إنجازه
والربيع العربي بما آل إليه من امتطاء دعاة السلفية الجهادية لانتفاضات الشعوب العربية، منادين بدول الخلافة وحكم الشريعة وتقييد الحياة بقوالب النصوص الجامدة، غير عابئين بالزمن، بل يدعون إلى العيش خارج الزمن في عصر الثورة العلمية وإنجازاتها العظيمة مع تعطيل كامل للعقل، هو الشاغل الرئيس لهذا النص.
يروي "عمران" حكايته منذ أن كان شاباً في عدن، وأوفد إلى فرنسا لإكمال دراسته في منتصف السبعينات من القرن الماضي، عندما خُيّر بين ألمانيا وفرنسا، اختار فرنسا لأنه يريد أن يشهد غروب الرأسمالية، يتعرف على زميلة فرنسية من أب يمني وأم فرنسية، يكتشف معها الجمال والحياة والعالم، تغير قناعته حول الاشتراكية وتجادله بزيف الثورة من المنظور السوفييتي التي كان قد تشربها كمسلمات أثناء حياته في عدن السبعينات، وتغيّر هذه الحوارات قاموسه السياسي: " أخذ «اليسار» محل «البروليتاريا»، «الديمقراطية» محلّ «المركزية الديمقراطية»، «التحوّلات الاجتماعية العميقة» بدلاً من «الانتفاضة»...  يحلمان معاً، في هذا العصر الذي تسيطر عليه قوى رأس المال وتديره وفق قوانين اقتصاد السوق، بعالم «الإنسان الأعلى»، إنسان نيتشه، في «جمهورية أرخبيل الكوكب الأزرق»، لكن نجاة قتلت في تفجير محطة ميترو سانت ميشيل في قلب الحيّ اللاتيني بباريس يوم 25يوليو 1995، في تلك الحقبة التي كانت باريس ترتجف خلالها هلعاً من تفجيرات السلفيين الإرهابيين، في معمعان «السنوات الجزائرية السوداء»!
وفي أول زيارة له إلى اليمن بعد حرب 1986 الأهلية بين الأطراف السياسية المتنازعة في رأس قيادة اليمن الديمقراطي، رفقة نجاة، يشعر بأن «اليمن الديمقراطي» قد وقع في هاويةٍ بلا قاع، وأن "هاويته" قد هربت من «اليمن الديمقراطي» إلى "اليمن الرجعي"، إثر انتقال الصراع بين الزعامات السياسية التي انشطر فيها الجيش والحزب الحاكم على أساس مناطقي قبلي، إلى بيت "سوسلوف" بين أم هاوية وأبيها، بعد أن كانت مهملة قبل ذلك من قبلهما. و"هاوية" هي فاتن ابنة أحد الرفاق العائدين من الاتحاد السوفييتي والذي تسلم منصباً حكومياً قيادياً، ولّقب بـ "سوسلوف" نسبةً إلى ميخائيل سوسلوف، مسؤول الدائرة الأيديولوجية في الحزب الشيوعي السوفييتي حينها، بقيت سره المكنون بعد أن أطلق عليها اسم هاوية
بعد توحد اليمنين يزور عمران صنعاء لأول مرة عام 1996، لتفاجئه مدينة أخرى، وتفاجئه أخته التي تعب عليها زماناً ليشربها الروح الثورية ورباها تربية مدنية تتحول إلى منقبة، ويتعرف إلى ضيفتها المنقبة أيضاً "أمة الرحمن"، التي لم تكن غير هاويته التي دغدغت أحلامه ولجم نفسه عنها في عدن السبعينات الريانة بأفكار الماركسية اللينينة وأدبياتها. في تلك الفترة كانت أمة الرحمن تقود مظاهرة نسائية منقبة مناهضة لقوانين تنصف حقوق المرأة، وتدافع عن قانون الزواج من أربع بحسب الشرع. هذه الداعية، والناشطة لاحقاً في ربيع اليمن الثوري، كانت زوجة الإمام عمر الذي يعاقر الخمر ويسكر كل يوم حد الثمالة، ابن الداعية السلفية الإمام محمد الهمداني، رأس السلفيين اليمنيين والأب الروحي للجيل الأول من قادة منظمة القاعدة؛ وكانت على علاقة فاحشة مع الإمام الهمداني، حماها أو والد زوجها. يعيش عمران وأمة الرحمن علاقة جنسية شرسة وعدمية، مثلما كانت نقاشاتهما حول الفكر الذي تدعو إليه وتقود الجماهير تحت رايته، عدمية أيضاً، إذ لا مجال للتشكيك في المسلمات والبديهيات بالنسبة إليها، ولا مجال لحوار الفكر والعقل. لقاءات يومية كلما جاء إلى صنعاء توافيه في شقته وتمضي ساعات من الجنس أطلق عليها الراوي "بروفات الفردوس" بينما هي سمتها "تجارب عشق" لكنها بقيت على علاقة مع حبيبها الشيخ الهمداني
أما عند وصوله صنعاء في 11 مارس 2011 فإن روحه ترقص أخيراً لرؤية الجماهير الثائرة بأحلامها البسيطة متوقعاً أن يعيش بشكل مباشر "لحظة غروبَ الطغيان وشروقَ عالمٍ عربيٍّ جديدٍ يدخل العصر"!. لكن صنعاء المنقسمة بين ساحة التحرير وساحة التغيير، بين قوة النظام وعسكرييه وبلاطجته، وقوة الثورة والمعتصمين، سوف تمشي إلى مصير دموي، يعايش عمران الحراك في صنعاء مذهولاً وهو يرى هذا المد الذي أجج مشاعره في البداية يتحول إلى "حربٍ مسلّحةٍ على غرار ما يجري في ليبيا "سيكسر كوعها ويجعل القبائل وحدها، ومن والاها من العسكر، تقطف ثمارها". وذلك بعد نداء من الإمام الهمداني لأجل عسكرة الثورة، بثته قناة الجزيرة في لقاء معه من مقره في المملكة التي هرب إليها، يدعو فيه «المسلمين المخلصين في الجيش والأمن» إلى التمرّد على الحاكم والالتحاق بساحة التغيير لحمايتها من عسكر الأسرة الحاكمة!
والأدهى: "في طليعة هذه الثورة، قائدتها ورمزها بشكلٍ أو بآخر: امرأة، مثل جان دارك الفرنسية" وكانت جذوة هذه الثورة التي تبحث وسائل الإعلام العربية، لاسيّما الخليجية والسعوديّة، عن تصويرها واللقاء بها، وتحلم قناصات النظام بتوجيه رصاصةٍ طائشةٍ نحو جمجمتها. إنها "أمة الرحمن" هاوية.
بعد جمعة الكرامة يعود عمران إلى باريس، وبعد استعراض وتوقف عند محطات الربيع العربي الأخرى، تونس، مصر ليبيا، سورية، المصابة باللعنة نفسها، يحاول العيش بلا طموحات كبيرة، العيش بتفاصيل الحياة الصغيرة، كأن يعمل "ذواقة" كأداة تسويقية للمطاعم، لكنه يعود إليه بعض من أمل بلقاء صديقته الصينية، حيث يرى أن هناك احتمالات أخرى لتجارب الشعوب. "التفوّق الاقتصاديّ الصينيّ سيهيمن قريباً على العالم، بفضل اتّكائه على الذكاء المطلق والصمت"
في هذا النص السيري، تتداخل السيرة الذاتية للراوي مع سيرة المكان، تاريخ عدن على وجه التحديد برسم بانورامي يمتد على مدى أكثر من خمسين عاماً: "لعلّي رسمت لك، بفضل ذلك، السياق السياسي والزمكاني الذي نشأتْ فيه"، ليطرح التجارب فوق طاولة النقد الذاتي، ويستدعي الماضي مواجهاً للحاضر الذي يبحث بين حناياه عن زوايا العتمة لينيرها. بأسلوب رشيق ولغة جذابة وبسيطة تتخللها بعض المفردات المحلية، مع الاستعارات الرياضية والاستشهادات العلمية، تنهض شخصيات الرواية، وخاصة بطلتها "أمة الرحمن" التي يرسمها سروري بارعاً في نبش بواطنها والغوص في عمق التركيبة النفسية لشخصية مترعة حد الامتلاء بالفكر السلفي الظلامي الرافض للآخر وللعقل، بسرد مشهدي عالّ لتلك اللقاءات مدعوماً بحوارات تنسجم مع الإيقاع الموسيقي لها، بين طرف مناصر للعقل وآخر معادٍ له، كذلك "عدن" التي تنهض كشخصية أساسية في العمل يتابع الراوي تاريخها وتجاربها منذ استقلالها إلى بدايات الثورة عام 2011، بينما كانت قد سبقت اليمن كلها في ثورتها عام 2009، أمة الرحمن أو هاوية التي تتماهى سيرتها وحياتها مع عدن، عدن السبعينات اليسارية المدنية الواعدة، التي سقطت في أيدي القبليين والظلاميين فاغتصبت واستبيحت وانغلقت على الحداثة مثل "هاوية ابنة سوسلوف" الذي تحول إلى سلفي هو الآخر. "نُهب الجنوب عن بكرة أبيه، طُردت من أعمالها صفوة الكوادر السياسية والعسكرية والمدنيّة الجنوبية، أُلغي التعليم المختلط مباشرةً ووزِّع الطلاب إلى مدارس ذكور وإناث منفصلة، مُحيت كل آثار المدنيّة، عُمِّم الحجاب وانتشر النقاب، وقُضي على هويّة عدن المدنيّة تماماً". هاوية التي عاش معها حباً عضوياً لم تقبل كل عروضه وترغيبه لها في الخروج خارج اليمن، والانفتاح على عالم آخر، بقيت مرتبطة ارتباطاً عضوياً أيضاً بحبيبها السلفي الهمداني، هي عدن المنغلقة مثلها والمسلوبة من قبل الطغاة الجدد.
وباستخدامه تقنية النصوص أو "البوستات" على حائط الفيسبوك وخلطه بين المتخيل والواقعي، يدير الحوارات بين مناصري العقل وبين هذه الجماعات الجهادية، المتمكنة حتى من الأنترنت وصاحبة المواقع العديدة المؤثرة والفاعلة، يهرب النص من تهمة التنظير والتواريخ الجامدة، ويؤدي الغاية المرجوة منه











السبت، 14 يونيو 2014

دعني أظن أني وجدت في "ابنة سوسلوف" حلّ المعادلة



kikah.com 

حبيب سروري:
دعني أظن أني وجدت في "ابنة سوسلوف" حلّ المعادلة
حاوره أحمد العرامي


أول مرة التقيت بحبيب أواخر العام المنصرم، 2013، في مدينة القاهرة، لقد كلفنا ذلك اختراق حظر التجول الذي فرضته السلطات المصرية. يمكن أن تسمي ما قمنا به جنوناً، باللهجة العدنية - وهي تليق بحبيب كثيراً- "روفلية". سينطقها حبيب ونحن في مقهى بالدقي، فأشم رائحة عدن في صوته، لكنه حين يرد على الهاتف متكلما الفرنسية، ستظهر شخصية الروائي والبروفسور ذي الثقافة الفرنسية، لتتناسب مع شعره الأبيض الذي أتخيله يظلل صاحبه بينما يكتب بروح الشاب، لينجز مشروعاً روائياً يضيء عبره مناطق مظلمة في الوعي السردي، مشرعاً أبواب الرواية على عوالم شتى وثيمات متواشجة ما بين الاجتماعي والسياسي والمعرفي والفلسفي.
لحبيب منجزه السردي اللافت، والذي ما زال يكبر بين الحين والآخر، بينما أؤمن أنه ما زال بحاجة لأن يكون محل نقاش مستفاض، وقراءة واسعة. تناسب تنوعه، وتصغي إليه وهو يستغرق في تفاصيل الأمكنة والأزمنة والشخصيات والمعارف، حتى لكأنه يكتب عن تفاصيله كتابة المتخصص، وليس هذا الحوار الذي أنجزناه عبر الإنترنت، سوى لفتة إلى بعض المناطق الصامتة لمحاولة استنطاقها، وهو ما سيجيب عنه حبيب بإيجاز، دون أن ينسى أن يضحكني وهو يقول ": حتّى أنت عزيزي أحمد تراقب بشكلٍ تلصّصي..!!، فأضحك وأتساءل لماذا لم يقلها بلهجته العدنية حتى أشم رائحة عدن مجدداً؟!

أحمد العرامي

أحمد: هل ترى أن الرواية اليمنية ما زالت مهمومة بالوظيفة الاجتماعية، أو بتعبير آخر مشغولةً بالأنساق الثقافية مثل نقد التابو، حين تسيطر عليها ثيمات مثل (الجنس، الدين، السياسة)، وهل ظاهرة مثل هذه هي امتداد لواقع ثقافي اجتماعي، يفرض واقعيةً ما على الرواية؟ أم أنها مجرد إشكالية في المعالجة الروائية، خصوصاً حين ينشغل السرد بملابسات النسق الثقافي أكثر من الفضاءات الفنية؟
حبيب: لا أستطيع أن أعطي أحكام نقدية شاملة على تجربة الرواية اليمنية الحديثة، لأني بكل بساطة لم أقرأ كل ما كتب منها.
لكنها تشقّ طريقها، كما ألاحظ. ثمّة مواهب عديدة ومحاولات متنامية للخوض في كل التيمات التي ذكرتها، وغيرها، تُكتب دون إهمال الفضاء الفني ومتطلباته.
الواقع اليمني سيرياليٌّ فعلاً، مملوء بالمواد الخام الأدبية النادرة، وهذا حظ استثنائي يمتلكه الروائي اليمني.
بالنسبة لي، الأديب اليمني عموماً مسكون بالمواهب الواعدة، وأتوقع للراوية اليمنية ازدهارا ونجاحا متصاعدين…
أحمد: هل ترى أن وجودك خارج اليمن أثر على حضورك في المشهد الثقافي اليمني، وكيف ترى حضورك في بلدان الوطن العربي مقارنة باليمن؟
حبيب: بالتأكيد وجودي خارج اليمن أثر على تجربتي الحياتية عموماً. أكسبها أبعاد جديدة لم يكن لي امتلاكها لولا ذلك. لا أستطيع حاليّاً تقييم حضوري الروائي العربي ولا أحاول قياس ذلك.
لي اليوم هموم أخرى: أن أكتب كل ما أريد، وأنوِّع ما أكتبه. وتضطرم في رأسي حاليّاً مشاريع كثيرة لا أجد الوقت لكتابتها.

يهمنّي أيضاً أن تُقرأ أعمالي ليس اليوم فقط ولكن في السنوات القادمة أيضاً.
لذلك ستجد أن بعض أعمالي صرخات هدفها التفاعل المباشر مع الحياة المعاصرة، موجهة بأسلوب فني سهل، مثل « طائر الخراب ».
لكن لبعضها موعد أبعد وأطول وأعمق مثل « تقرير الهدهد » التي وجدتُ صعوبة بنشرها أو بقبول البرامج التلفزيونية (التي وجّهت لي دعوات) الحديث عنها، لأسباب كثيرة منها أن أحد شخوصها الرئيسة  الأعلى جدّاً ») إله « علماني » يعيش في السماء ٧٧، سماء الأفكار. يشبه، في رأيي، إله أبي العلاء المعري (بطل الرواية) كما يبدو من موسوعته الشعرية: "اللزوميات".
صحيح: تتطلب "تقرير الهدهد" من القارئ ثقافة أوسع قليلاً من ثقافة قارئ « طائر الخراب »، لكن لها ربما موعداً حيويّآً قادماً مع القارئ العربي،  أتمنى!

أحمد: تدور أحداث رواياتك في اليمن، وأبطالها يمنيون، حتى لو كانوا يحيون خارجه، هل له علاقة بالهم الثقافي والانتماء؟ أم أن الأمر يتعلق بتشكل ذهنية الروائي وهويته، بحيث يمكنه أن يستقي حياة رواياته وشخصياته من مجتمعه الذي تشكل فيه وليس من خارجه؟ وإذا صح هذا فكيف تؤثر إقامة الروائي خارج بلده، هل فعلاً يصبح معزولاً عن السياق الروائي الذي من الممكن أن يشكل مادته الروائية أساسا؟ وهل يمكن أن نفسر المادة التاريخية تصبح في هذا الحالة بديلاً؟؟


غلاف الرواية

حبيب: لست ممحوناً بهموم اليمن فقط: بعض رواياتي مثل « عرق الآلهة » و « تقرير الهدهد » تدور كلّاً خارج اليمن. البعض الآخر عميق الانتماء لليمن. وبعضها بدون مركز جغرافي، مثل « أروى » التي  تدور في ألف مكان ومكان.
 أحاول عموماً أن أظلّ عميق الانتماء لليمن، وابن « الكوكب الأزرق » في نفس الوقت. أي: مواطن عالمي من اليمن.
في رأيي: ليست هناك وصفة محددة سلفاً للإطار الجغرافي الذي يستقي منه الروائي شخوصه وعوالمه. احتياجات الرواية واختيارات الراوي ومقدراته هي ما تقرِّر اتجاهات حركة قلمه.

ثلث روايتي الجديدة التي ستظهر في منتصف يونيو، بعد أسبوع من الآن: « ابنة سوسلوف »، يدور في عدن السبعينات؛ ثلثها في صنعاء اليوم لا سيما "ساحة التغيير"؛ وثلثها في مواقع جغرافية أخرى مثل فرنسا، اسكتلندا، الصين!
إقامة الراوئي في الخارج مدد لا مثيل له يسمح له بتنويع مسارحه الروائية بسهولة. أما السرد الروائي للمادة التاريخية فهو اختيار مستقل، لا يرتبط بمكان إقامة الروائي في رأيي.

أحمد: كيف يمكن لاستحضار أبي العلاء أن يكون مختلفاً عن كل استحضار لشخصيات الذاكرة الثقافية العربية الإنسانية؟

حبيب: استحضار أبي العلاء بالنسبة لي كنزٌ لا حدّ لثرائه. السبب: تقدُّم رؤية فلسفة وشعر أبي العلاء على عصره في معظم المجالات تقريبا، والإهمال الكلي الذي يعانيه من ابناء لغته، بسبب هيمنة السلفية والظلامية على واقعهم الثقافي، وانعدام الحريّة فيه.
ما يزيد رمزيّة تراجيدية ذلك أن التمثال الوحيد لهذا الرجل (الذي لو عاش في الغرب لارتفعت تماثيله في كل مكان) تمّ حزّ رقبته في عقر داره!
بالطبع، لم أكتف بسرد حياة أبي العلاء كسيرة. شحنتُ التخييلَ الروائي في كل شرايين الرواية، ومن أوّل فقرة. بدأ كل شيئ من « هند » طالبته الاستثنائية وأم « فلذة كبده » الفريدة جدّاً: نور. ثمّ الراوي، حفيد أبي العلاء الرابع والثلاثين وآخر سلالته!

أحمد: في رواياتك التي تدور أحداثها في اليمن لا بد ان تكون الأنثى البطلة من الشمال (الملكة المغدورة - ابتهال) (دملان - سوسن).. (وإلهام طائر الخراب) (وأروى في روية اروى) بينما يكون البطل العاشق لهن من مدينة عدن ..ولا بد ان يكون هناك شخص يمثل الجحيم لكل انثى وهو بالضرورة من الشمال .. هل وقع حبيب عبد الرب في مصيدة القالب الواحد الذي يفرضه اللاوعي على الكاتب أثناء الكتابة؟.

حبيب: لعلك عزيزي تعمّدت اقتراف الخطأ بسؤالك هذا، كيما استغله لتكرار ما أقوله في مقالاتي دوما: الانتماء للمدينة ثقافي وليس عرقي.
شخصيّا، كما يعرف الجميع، لا أمقت شيئاً مثلما ما أمقت مرضى التشبث بالانتماءات الجغرافية. ولا أدخل بصراعات عنيفة إلا مع العنصريين أيّاً كانوا...

راجعتُ رواياتي بعد قراءة سؤالك لأجد أن البطلات موزعات على عدن وصنعاء بدون أي تمييز. ثمة فعلاً بنات صنعاء وتعز وجبلة من شمال اليمن. لكن ابتهال عدنية مثلاً، لم تعرف الشمال قبل هروب عائلتها إليها. وبطلة "ابنة سوسلوف"، نجاة، عدنية حتّى مخ العظم، وإن عاشت بعد العشرين في صنعاء في ظروف غامضة، وصارت أكثر صنعانيّة من أيّة صنعانية!...
كذلك حال الشخوص الذين "يمثلون الجحيم"، حسب تعبيرك: حشوان في "الملكة المغدورة" من جنوب اليمن، وأب إلهام: "طائر الخراب" من شمال اليمن…
دعني أستخدم مزاج سؤالك لأقول: حتّى أنت عزيزي أحمد تراقب بشكلٍ تلصّصي شخوص الروايات انطلاقا من موقع ولادتهم!
ثمّ دعني أقول لك سرّاً إذن: في روايتي القادمة، ابنة سوسلوف، شخصيّتان رائعتان جدّاً من مدينتك ذمار: الخضر الذماري، وسلمى الذمارية!

أحمد: تعتبر أنت من الروائيين العرب القلائل الذين يهتمون بدمج العلم بالسرد، فنجد في كل رواياتك تتكرر بعض القضايا العلمية كالبيج بونج ونظرية التطور، عصبونات الدماغ والهومو سابيانس وتجعل من شخصياتك مثقفة للغاية تسمع االموسيقى وتعرف جيدا الروايات. ورغم أنك استشهدت في مقال سابق لك بالرواية الممزوجة بالعلم بروائيين فرنسيين إلا أن الرواية العالمية واقصد هنا من تنال الجوائز التي تخص الرواية كالبوكر والجونكور وحتى نوبل.. هي روايات تتناول هم الانسان البسيط قبل أن تتناول نخبة النخبة التي تفهم هذه الجزئيات العلمية.. ألا ترى ان القارئ العام في كل مكان في العالم يسعى وراء رواية بها شيء يشبهه من ناحية الهم اليومي ولا يشبه الطبقة النخبوية المثقفة.

حبيب: الغياب الكلي تقريبا للعلم وهمومه (في إطار روائي فني بحت) عن الرواية العربية ظاهرة غير صحيّة. حضوره في الرواية ليس مبدأ إلزامياً في أعمالي بالطبع. ولن يكون له أيّ وجود مثلاً في روايتي القادمة: ابنة سوسلوف.

آخر ما أفكّر به عزيزي هو كتابة رواية تنسجم بالضرورة مع رغبات وهموم الجوائز الأدبية. عندما كتبتُ « عرق الآلهة » (موضوعها الرئيس: كيف ظهرت الأديان ولماذا بقت إلي اليوم!)، أو « تقرير الهدهد » (ببطلها « الأعلى جدّاً » وانزياحاتها "غير الصحيحة" فقهيّاً) كنت أعرف أني لن أكون مرغوباً من الأغلبية الساحقة حاليّاً.
لا أقلِّل هنا من أهمية الجوائز، هي مفيدة جدّاً بالطبع. لكنها ليست همّي الأوّل.

صحيح ما قلته: بطل ثلاثيتي الروائية "دملان" (أوّل رواياتي بالعربية) انهزاميٌّ محروم فاشل مثل المواطن العربي عموماً، واليمني خصوصا. ربما لذلك شكّلت ثلاثية "دملان"، مع روايتَي جمال الغيطاني ونصر الله، الروايات الثلاث للقائمة القصيرة في جائزة الشيخ زايد قبل سنوات.

لكني لا أريد الوقوع في مطبات تكرر إعادة انتاج فقرنا وأزماتنا الثقافية لأكتب رواياتي من منظور ما تريده مشاريع الجوائز الأدبية، لا غير. أريد أن أكون طائراً خارج السرب من ناحية، وقريبا بشكل لا نهائيّ الحميمية من حاجات الناس في نفس الوقت.
معادلة صعبة سأنتهي ربما بتعلّم السيطرة على كل مؤشراتها...

دعني أظن أني وجدت في روايتي الجديدة: "ابنة سوسلوف" (التي أنسكبت على الورق بشكلٍ لم يحدث في تجربتي من قبل)، حلّ المعادلة!