أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 30 أبريل، 2012

هدهد سليمان، عظمٌ في حنجرةِ التعليم


هدهد سليمان، عظمٌ في حنجرةِ التعليم

في نهاية مقالنا الأخير: «يماهون بين الله وفوتوشوب» (1) تساءلنا عن العوائق التي تمنع اكتساب ملَكات الشكّ والتساؤل والنقد والنفي والبرهنة التي تتأسس عليها العقلية العلمية. سنحاول هنا إجلاء أحّد أبرز هذه العوائق: القراءة الحَرفيّة لبعض القصص الدينية الميثولوجية واعتبارها حقائق تاريخية علميّة.
لنأخذ كأنموذجٍ هنا قصة الملك سليمان وملكة سبأ، التي أعاد القرآنُ صياغتها انطلاقاً من التوراة ومن نصوصٍ دينيّة يهودية: قصّةٌ في غاية الجمالِ والروعةِ والإثارة. بديعةٌ جدّاً إذا قُرِئت بشكلٍ مجازيّ، لكنها، كما سنوضّحُ هنا، متعدِّدةُ السلبيّات والأضرار إذا ما قُرِئت كحقيقةٍ تاريخية.
لِنُذكِّر أوّلاً بتفاصيل القصة، ثمّ لِنقرأها بمنهجٍ عِلميٍّ نقديٍّ لا يخلو من بعض الانزياحات الأدبية:

استعرضَ الملِكُ سليمان ذات يوم جنودَه ولم يرَ بينهم هدهدَه الذي غاب عنهُ طويلاً دون خبر!... اشتعلَ غضبَاً، دمدمَ: «لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَو لَأَذبَحَنَّهُ» إذا لم يُبرِّرْ سببَ غيابِه!...
(لا تخلو هذه الكلمات الأربع من الساديّة، والبسيكوباتية!... تُرتِّلُها الأجيال منذ قرون دون تعليق، دون اشمئزاز، بكلِّ خشوعٍ وإعجاب. فيما يلزم أن لا تصلَ لِمسمعِ صبيٍّ دون إدانةٍ صارمة، إذا أردنا خلق أجيالٍ لا تُربّى على قِيَمِ التهديد والاستبدادِ والتعذيب والذبح وتمجيدِ الطاغية والعملِ في حاشيته كهداهد مُخبرِين لا أكثر!...)

عاد الهدهد، أرتجف وهو يرى علامات الغضب في قسمات الملك. مكث غير بعيد ليسردَ له «النبأَ اليقين» الذي يبرّرُ غيابه: رحلةٌ استقصائية قام بها أدّت لاكتشاف مملكة سبأ الباهرة وملِكتها التي «أوتِيت من كلِّ شيءٍ ولها عرشٌ عظيم»، والتي لم ولن توجد يوماً امرأةٌ بِجَمالِها.

أمر الملكُ هدهدَهُ بالتوجّهِ حالاً للملِكة وتسليمِها رسالةَ تهديدٍ وأمرٍ بخضوعها ومملكتها لسلطتِهِ دون نقاش!
(تهديدٌ عدوانيٌّ استعماريٌّ مرعب. لعلّ ثقافتنا علّمتنا الإعجاب به أيضاً بدلاً من إدانتهِ ورفضه. ليس غريباً أنّ من جُبِّلَ على ذلك يُصبحُ قابلاً لأن يُستعمرَ بسهولة، مستعدّاً للانقيادِ والخضوع بسعادة، كما اعتدنا ذلك طويلاً!).
عاد الهدهد من مملكة سبأ بتقريرٍ شهيرٍ مفاده: استشارت الملكة حاشيتَها وأهلَ مملكتِها الميمونة حول موقفهم من تهديد سليمان. كان ردّ الجميع جليّاً: «نحن أولوا بأسٍ شديد»، أقوياء جدّاً، نستطيعُ الدفاع عن مملكتنا بثقةٍ وبسالةٍ ونخوة، لكنّ القرار الأخير بيد جلالتك!...
رفضت الملكة. أمرتْ شعبَها المقدار الشجاع بالخضوعِ للملك، مبرّرةً ذلك (بخنوعٍ وركوعٍ أسطوريّين): «إن الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلِها أذِلّة!»...
(روحٌ استسلاميّةٌ قصوى، ديكتاتوريّة قاهرة! يصعبُ تعليمُ روحِ الذلِّ بأفسدِ من ذلك التبرير!)

ثمّ اختتم الهدهدُ تقريره: (الملكةُ قادمةٌ لتنحنيَ أمام جلالتك، على رأس قافلةٍ تاريخيّةٍ  مدجّجة بأبهى لآلئ الأرض ومرجانها، أشذى عطورها وبخورها، هداياً لك!... ناهيك عن عطرِ العطر: جسدِها الأسطوريِّ الفريدِ ذي العبقِ الزكيِّ الأوحد!...)

هكذا، لم تكتفِ الآنسةُ بلقيس، كما تسمّيها الأساطير، بهذا الدرسِ المتوغّلِ في الانهزامية والجُبن، بل أرادت أن تذهب للملكِ هي نفسها لتُهديهِ جسدَها العطريّ الشهير!...
(درسٌ تاريخيٌّ آخر يخلو من العزّة والكرامة. لم يَصدُم أحداً مع ذلك رغم أننا تعوّدنا أن نلوك كثيراً الحديث عن الكبرياء والشرف!... عذرُ الملكةِ الحبيبةِ بلقيس على هذا الابتذال العاهر هو أنها مجرّدُ شخصيّةٍ أسطورية، ليس لها أي وجودٍ تاريخيٍّ حقيقي!)...

حالما سمع الملك سليمان تقريرَ هدهدِه أراد أن يُبهِر ضيفتَه القادمة: قرّر أن يُحمَلَ لهُ قصرُها جوّاً من مملكة سبأ إلى القدس لِتُفاجأ عند وصولِها بِرؤيةِ عرشِها الشهيرِ أمامها، عند أقدامِ الملك سليمان!...
سأل الملكُ «عفريتين من الجن» سجينين بِجواره: من منكما يستطيع أن يُحضِرَ لي قصرَها من بلاد سبأ أسرع من الآخر؟...

أجاب أحدُ العفريتين من داخل القمقم: أستطيعُ ذلك «قبل أن تقوم من مقامك!»...
لم يناسب ذلك، بالطبع، الملِكَ سليمان الذي كان يتنقّلُ أيّامها ببغل، والذي كانت القدس في عصره قريةً صغيرة لا يوجد بها بعدُ ما سُمّي «هيكل سليمان» الذي تمّ بناؤه عدّة قرون بعد عصر الملك داؤود، كما برهنت الحفريات الإسرائيلية الحديثة (2).
حكَّ سليمان رأسَه، فكّر بضع دقائق، أيقن في نهايتها أن عفريته هذا بطيءٌ جدّاً، من فصيلةِ جِمال أو سلاحف العفاريت، يلزمهُ ردحٌ من الزّمن مقدارهُ  ثانية كاملة لِيأتيَ بالقصر إلى حضرة سليمان العظيم الذي لا يريد إضاعةَ ثانيةٍ كاملة في إنجاز هذه المهمة «التافهة»!...

تمتم: «بوووف! مش ممكن!»... خسر العفريتُ المسكينُ المناقصة!.. باي باي!... لا مفرّ لهُ من القمقم حتّى نهاية الأبديّة!...

صرخ العفريتُ الثاني «الذي عنده عِلمٌ من الكتاب»: أستطيعُ ذلك «قبل أن يرتدَّ إليك طرفُك». (أي بسرعةٍ تقترب من سرعة الضوء!... ضارباً عرض الحائط بقانون آينشتاين الذي برهن أن المادّة التي تسير بسرعة الضوء تتبدّد وتتحوّل إلى طاقة!... آه، آينشتاين المسكين الذي كان عليه في هذه الحالة، ليكون قانونه «صحيحاً»، أن يستثني فيه بالحرف الواحد قصر ملكة سبأ الذي حملهُ العفريت الثاني للملك سليمان!).

قَالَ عِفۡرِيتٌ۬ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۟ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّى عَلَيۡهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ۬. قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُ ۥ عِلۡمٌ۬ مِّنَ ٱلۡكِتَـٰبِ أَنَا۟ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ

قبِلَ الملكُ المتبخترُ عرضَ العفريتِ الثاني الذي فاز بهذه المناقصة التي كسرت ركبة الفيزياء، أو بالأحرى لم يجد الملِكُ الوقتَ الكافي لِقبول العرض أو رفضِه، أو حتّى التفكير به، إذ حصل ما يلي:
خرجَ العفريتُ من القُمقم؛ طار حوالي 3000 كيلومتراً نحو مملكة سبأ؛ أجتثَّ القصرَ من الأرض؛ طار به وبكلِّ من يسكنُهُ 3000 كيلومتراً في الاتجاهِ المعاكس لِيتحوّل القصر حينها بسبب قانون آينشتاين إلى إشعاعات لا غير؛ حفر حُفرةً كبيرةً مساحتها أكبر من كيلومترٍ مربّع؛ شفط الإشعاعات المتناثرة في أرجاء الكون (التي تحوّل إليها القصر جرّاء طيرانِه بهذه السرعة) وكثّفها من جديد، لِيُعِيدَ القصرَ إلى هيئتهِ المادّية الملموسة، بمن كان فيه من البشر، كما كانوا تماماً قبل تحوّلهِم إلى إشعاعات؛ ثبّتَ القصرَ في الحفرة قُربَ أقدام الملِك، وكأنّهُ شُيِّدَ هناك لأوّلِ مرة؛... كلُّ ذلك بأسرعِ من رمشة عين، أي في أقلِّ من كُسرٍ عشريٍّ زهيدٍ من الثانية!...
ذهل الملك وهو يرى قصراً جدرانهُ من اللآلئ المطحونة، وبلاطهُ من الذهب الخالص، تتفجّرُ الروائحُ العطريّةُ المُسكرةُ من كلِّ أرجائهِ على الدوام!...

لنكتفِ بهذا الجزء من هذه الأسطورة الخالدة، دون مواصلة تفاصيل ما حصل بعد ذلك: يأمر الملِكُ بأن يُمرَّدَ مدخلُ القصرِ (قبل وصولِ الملكة) بكريستالٍ صقيلٍ شفّافٍ جدّاً يسيلُ أسفلَهُ جدولُ ماء، لِخدعِ الملكة كي تضطرَّ أن ترفعَ قليلاً من فستانِها خوفاً من أن تتبلّل أطرافه، وتكشفَ هكذا عن مربط الفرس: ساقَيْها البديعَين الذي تردّدت الإشاعات حينها بأنهما ساقا بقرة!... (بلطجيّةُ وتلصُّصيّةُ الملوكِ كريستاليّةٌ جدّاً!)... وما يلي ذلك من حوارٍ شهيرٍ في غاية الجمال، بين سليمان وبلقيس، حال وصول جلالتها لحضرته...

لنتأمل ونتساءل قليلاً: عجيبٌ هذا الملكُ الأسطوريّ الذي كان يتكلّم لغة الطير والنمل والعفاريت والجدران والحجارة، وعجيبٌ زمنُهُ الذي كانت الطيور تقرضُ أثناءه الشِّعر. كانت النملُ تستخدمُ آخر صرخاتِ البلاغة والاستعارات المكنيّة وتَمتلِكُ لذلك هي الأخرى أدمغةً بِحجمِ ونوعيّةِ دماغِ الإنسان، مشحونةً بمناطقِ اللغة. كانت العروشُ تطيرُ فوق رؤوس الناس بسرعةٍ خارقة...
أيمكن لمن يصدّق هذه القصة (لا سيّما إن كان قد درسها في المدرسة) أن يمتلك بعد ذلك عقليّةً علميّة؟ أيمكنهُ أن ينفي مقولةً ما؟ أيمكنهُ أن يرى خللاً في مشروع القطار الذي يربط باريس بنيويورك أسفل المحيط الأطلسي (1) الذي يبدو كخرابيش أطفال بالمقارنة بهذه القصّة؟

لا يمكن للأسف الشديد دراسةُ الفيزياءِ والبيولوجيا في المدرسة بحق، واعتبار مثل هذه القصص حقائق، في نفس الوقت!... لأن علوم الفيزياء والبيولوجيا تتحوّلُ حينها إلى وصيفةٍ للشعوَذة، راقصةٍ شرقيّةٍ في كاباريه الفقهاء، لا أكثر أو أقل: تاريخُ العِلم سلسلةٌ من اللاءات المقدّسة، وليس «نعمٌ» عاهرةٌ في سوقٍ للنخّاسين!...

أليس مفهوم «علم الكتاب» اقتحامٌ دينيٌّ مضرّ في شئون العِلم لأنه يخلط بين العِلم والغيب، بين الفيزياء والميتافيزيقيا؟
أليس من الدلالة بمكان أن كلمة «علماء» تُستخدَم في اللغة العربية للحديث عن الفقهاء من جهة، والعلماء من جهة أخرى، في حين أن هاتين الكلمتين مختلفتان في اللغات الأخرى، تُطلقان على فئتين يفصلهما «برزخٌ لا يبغيان»؟
أليس من الغريبِ العجيبِ أن يتحوّل الملكُ سليمان من ملكٍ فقط في الديانة اليهودية إلى ملكٍ ونبيٍّ في الدِّين الإسلامي؟

باختصار شديد: الإيمانُ بهذه القصّة الغرائبية كحقيقةٍ تاريخيَّة عائقٌ يمنع اكتساب العقلية العملية، استخفافٌ بالتاريخ، بِعلومِ الأحياء، بِعلومِ الفيزياء، بالجغرافيا، بالمنطق، وبكلِّ شيءٍ يحترمُ العقلَ تقريباً... ليس ذلك فحسب، لكن مضمونها شنيعٌ من وجهة نظرٍ أخلاقية: يصعبُ تعليم الذلّ وتمجيد العدوان والعبودية بطريقةٍ أكثر فعالية من هذه القصّة.
ومع ذلك، هي قصّةٌ مثيرةٌ عجائبيةٌ ذات جمالٍ خالد. اسكرتْ وتسكرُ الأجيال على الدوام، شريطة قراءتها كنصٍّ سرديٍّ تخيّليّ عجائبي.
أما إذا لزم اعتبارها حقيقة تاريخية، فعلينا قراءةُ الفاتحة على العقليّة العلميّة لأن اكتسابها يبدأُ فقط عندما نفصلُ بين الواقع والأسطورة، بين العِلمِ والدّين...

المراجع:
(1) يماهون بين الله وفوتوشوب. حبيب عبدالرب سروري. القدس العربي، 19 إبريل 2012.

(2) من كتب التوراة؟، وأسئلة قرآنية مجاورة، كيكا، مارس 2012. 

هناك 3 تعليقات: