أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 26 أبريل، 2012

مقال نبيل سليمان في "بلدنا" عن تقرير الهدهد



أبو العلاء والكتيبة الخرساء
نبيل سليمان 

يجبل حبيب عبد الرب سروري روايته الاستثنائية، فيتأكد من جديد، ورواية بعد رواية، أنه كاتب استثنائي، وإن يكن قد ابتلاني بما لن يستقيم لي بعده أمر، حين جعلني شخصية روائية: ياللهول!    

في صحيفة بلدنا:
http://www.baladnaonline.net/ar/index.php?option=com_wrapper&Itemid=54


ليس أبو العلاء المعري في رواية (تقرير الهدهد) لليمني البروفسور في علوم الكومبيوتر (حبيب عبد الرب سروري) إلا مفجر الديناميت في أرض اللاعقل والأكاذيب الكبرى، وليس إلا عاشق البحث في أصل الحياة، والتأمل في الدهر، والاحتفال بالعقل وحده. إنه مجنون القوافي والإيقاعات الجديدة، صياد الكلمات ونحّاتها. إنه زرقاء يمامة الفكر، وامبراطور قاموس لغة الضاد الذي قيل عنه: ما نطقت العرب بكلمة لا يعرفها أبو العلاء. وهو صاحب الديوان الانسكلوبيدي الخالد (لزوم ما لا يلزم) فشعر المعري لدنيّ خالص، وهو شعر رهيف كَسَيْر الذرّ على ظهر الكثيب. أما (رسالة الغفران) فهي نص سردي عبقري، ما من كتاب عربي حتى اليوم بثراء وتجدد كلماته، حسب نتائج بعض برمجيات الحاسوب اللغوية التي أرجح أن حبيب عبد الرب سروري قام بها قبل أن يسندها لواحد من رواة روايته.  
تسجّل الرواية مما يشتم به الشاتمون أبا العلاء، كابن الجوزي الذي نعته بخليفة إبليس، وابن القيم الذي نعته بكلب معرة النعمان وأعمى البصر والبصيرة. لكن الرواية تواصل في شطرها الأخير تقديم أبي العلاء على لسان إحدى شخصياتها، وهو (ن.س.) الذي لا يعد رفض أبي العلاء للدين الرسمي إلحاداً، بل رفضاً لينابيع التخلف المتأبد في الواقع العربي الإسلامي. كما يعد (ن.س.) أبا العلاء مؤمناً بالله، يعبده عبادة إنسان حر، وشمسه واحدة هي العقل، يحيطها، خارج مداها الفيزيائي، فضاء ميثولوجي يمكن ملؤه أو عدم ملئه بالإيمان الشخصي الحر. فالإنسان، حسب (ن.س.)، لا يحتاج للعقل فقط، بل للحلم والأسطورة، للفنتازيا والميثولوجيا، للضمير الرادع الذي حث أبو العلاء على تنقيته من الحقد والأنانية
على هذا النحو تقدم رواية (تقرير الهدهد) أبا العلاء المعري. وفيها تلتقون بنبيل بدر سليمان التنوخي اللاذقي، وبـ (ن.س.)، وهما الشخصيتان الروائيتان اللتان أحلّني صديقي حبيب عبد الرب سروري بهما في روايته، ملاعباً نسبي، إذ وصل به إلى أبي العلاء، يا للهول!
لكن الأهم هو الصورة الروائية التي جاءت بها الرواية للعرب والمسلمين اليوم، كما رآهم أبو العلاء في رحلته التي تتخيلها الرواية من السماء 77 إلى دنيانا. فنحن في هذه الصورة تستفحل فينا الغيبوبة الحضارية، وتتكثف الظلمات، منذ قرون، ومعظمنا يعتقدون أنهم الأوفى لـ (الأعلى جداً)، وباسمه نتحدث دوماً، فندعي أنه اختارنا موطناً للإيمان والحكمة، وجعل الآخرين موطناً للانحراف والرذيلة، بينما نحن الأكثر تمرغاً في حياة حالكة، ديدنها الخضوع والقمع والنفاق والرياء والعبودية. ونحن الأكثر تلميعاً للجلاد والطاغية، والأكثر قبوعاً كسلحفاة عرجاء. نحن خارج باب العلم والحضارة الحديثة التي يتقدم الآخرون في رحابها بسرعة النور
على غير ما تأمر به الأصول، كيلا يطغى طول الشاهد من الرواية أو الشعر أو سواهما، سوف أنقل فيما يلي نقلاً مطولاً وحرفياً تقريباً من رواية (تقرير الهدهد)، إذ ما عدت أصلح لأكثر من ذلك، ما دمت قد صرت واحداً من شخصياتها. وهكذا أبداً بظهور بلاد العرب في هذه الرواية كمتحف للكوابيس، وكبقاع للمشلولين، حيث يصيح من يبيعون العبودية باسم (الأجلّ جداً) بالمواطن حين يبدأ باستنكار الظلم: اصبرْـ دولة الظلم ساعة ودولة الحق حتى قيام الساعة. وفي بلاد العرب تعتبر الأنثى حطب جهنم، وتنسحق الشعوب أمام حكامها المستبدين الذين يعيثون فساداً فيها. إنها البلاد التي انتصر فيها من تسميه الرواية (السرطان الرجيم)، حيث يتشابه في الجوهر عصرها اليوم مع عصر أبي العلاء، حين بدأ يستفحل الفكر السلفي، وتكاثرت الانقسامات، وضعفت الدولة، وتفاقم الفقر والفساد. وتتضاعف هذه القتامة، ويتضاعف هذا الهتك للأستار الصفيقة، على يد (ن.س.) وهو المهووس برؤية ما يسميه ميسم الكتيبة الخرساء المطبوع في عصبونات الأدمغة. ويحدد (ن.س.) نسبة الكتيبة الخرساء ممن تجاوزا سنّ الشباب منا بـ 96%، لكنها تتراجع في الأجيال الشابة التي اندمجت بعوالم الأنترنت، وانفتحت على ثقافة التكنولوجيا الحديثة ولغة العصر. أما معظم من يتبقى (3% تقريباً) فيشتريهم الحاكم بفساده، أو يجعلهم يشاركون مباشرة، وبدرجة أو أخرى، في الغنيمة، وهم غالباً من المثقفين أو النافذين الذين يتأرجحون بين التطبيل للحاكم أو السكوت عن جرائمه. أما البقية المتبقية (1%) فهم من المتمردين الرافضين والمعارضين الصادقين الذين لا يستطيع الحاكم إطفاء شوكتهم.
يشرح (ن.س.) أن الكتيبة الخرساء هي بشر البلاد العربية الذين حولتهم ثقافة الاستهلاك والانسحاق إلى عبيد سعداء بعبوديتهم في الأسرة والمدرسة، وأمام الطاغية وأجهزته، ومنها جهاز خبير في إلهاء العبيد وتتويههم وجلدهم الذاتي، يسانده جهاز فقهي متمرس بالسيطرة على أرواحهم، وتهديد من يخرج عن السرب بالكفر والهرطقة. إنها منظومة متكاملة، لها أيقونات مؤثرة فاعلة. ومثل خراف الجنة، يبتسم الجنود الخرس للحاكم الجلاد، ويرددون أمامه كالقردة هتافاتهم. وفي الانتخابات تصوّت له الكتيبة الخرساء بحب، وتشاركه تلذذه وسعادته باضطهادها وقمعها وتمريغها بالوحل، وتقول له مثلما تقول حوريات العين على لسان صاحب (رسالة الغفران) بابتسامة  خروفية وديعة: إني أُمنى بذبحك لي.
يردد (ن.س.) كثيراً أن الكتيبة الخرساء بعد ألف عام من أبي العلاء صارت أخرس من أي وقت مضى، فقد نجح الكهنة نجاحاً تاريخياً لا نظير له في تحصين أدمغتها ضد رفض القمع والاستبداد، ضد التفكير والديمقراطية، ضد الحرية. كما نجح الكهنة في أن يقتلعوا من الكتيبة الخرساء بصيص روح الرفض والتحرر، وهي الغائرة، مع ذلك، في نفس كل كائن بشري، منذ الأزل، والتي تؤدي إلى سقوط الظالم والمستبد في أي مجتمع كان، في آخر المطاف، لا محالة. أما الكهنة أولاء فيبدون كأنهم علماء في مختبرات علوم جبينة، نجحوا بتوليد بقر اقتلعت منها جينات القرون. وهكذا صارت الكتيبة الخرساء نوعاً جديداً من البقر، صارت بقراً بلا قرون، كتيبة بلا قرون. كما صارت صناعة العبودية غير مهمة، فالمهم هو صناعة إرادة العبودية، إذ تعلّم علماء الطغيان كيف يتجهون، مثل الفيروسات، إلى مراكز عصبونات أدمغة كتيبة الرعاع الخرس، ليس للسيطرة على هذه العصبونات، بل كي تريد الكتيبة الخرساء، هي نفسها، العبودية، وتقاتل من أجل ذلك. ومن أجل ذلك تبث آلة الطغيان في عصبونات الدماغ مباشرة، وبمهارة لا توصف، تاريخاً ملفقاً، كما تضخ هذه الآلة جرعات فعالة من الصور المشوهة عن العالم الخارجي، وتقحم أسس ثقافة عشق العبودية في كل الرموز الحياتية المرئية وغير المرئية، وكل ذلك وسط أمية وتعتيم وقهر وتخويف وإهانة ومذلات وضعف في التنمية وبؤس وتجويع، وعشق للطغاة، لأن المثل يقول (القط يحب خانقه)، والمثل، لابد، صادق.
حتى اللغة العربية لا تنجو من مبضع هذه الرواية، إذ تشخّص أن لغة الضاد غائبة عن العلم والمعرفة، وأنها عملاق من قش، لا تمتلك بعدُ، بناءً تحتياً رقمياً يسمح لها بدخول عصر الرقمنة، مثل بقية لغات العالم، وليس لها قارئ صوتي للأحرف، ولا مدونة أو معاجم إيثومولوجية، عكس كل اللغات الحية. وهكذا، ومن حكاية الهدهد والملك سليمان القرآنية، إلى الحكاية نفسها في صياغتها اليمنية، إلى تقرير الهدهد الذي يكتبه أبو العلاء عنا، إذ يعود إلينا، إلى تقرير الهدهد كما يكتبه (ن.س.) لكأنه أبو العلاء، من كل ذلك، ومن غمر من الفلسفة والعلم، يجبل حبيب عبد الرب سروري روايته الاستثنائية، فيتأكد من جديد، ورواية بعد رواية، أنه كاتب استثنائي، وإن يكن قد ابتلاني بما لن يستقيم لي بعده أمر، حين جعلني شخصية روائية: ياللهول!    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق