أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 25 أبريل، 2012

الديانات، و «فرمتة» الأدمغة!



الديانات، و «فرمتة» الأدمغة!


حبيب عبدالرب سروري

لا يستطيع المرء، وهو يقارن بين قصص الأنبياء في الديانات السماوية الثلاث، إلا أن يلاحظ الدور الكبير الذي أخذه النبي إبراهيم، «كليمُ الله» و «مشيّدُ الكعبة»، في الميثولوجيا الإسلامية بالمقارنة باليهودية والمسيحية.
لعلّ لِذكرِ اسم إبراهيم في القرآن 23 مرة (يليه ذكر موسى 21 مرة، وعيسى 20 مرة) دلالةٌ رمزيّةٌ ما على علوّ مقام سيّدنا إبراهيم في كوكبة دين الإسلام، بالمقارنة بالدّينَين السابقين.
المدهش أن هذا الترتيب يعكس نفسه بشكلٍ لا واعٍ في نِسبِ اختيارات الناس لأسماء أبنائهم!... يكفي إحصاء عدد هذه الأسماء الثلاثة في ملفات إنترنت وقواعدهِ البيانية التي تحوي عددا كبيراً من الأسماء العربية، ليلاحظ المرء تقدّمَ عدد ذِكرِ اسم إبراهيم على عددِ ذِكرِ اسم موسى، الذي يفوق بدوره قليلاً عددَ ذِكرِ عيسى في تلك الملفات!...

الحق أن فعالية الأديان في «فرمتة» الأدمغة، أي في تشكيل خارطتها والسيطرة على نشاطاتها الواعية واللاواعية، مدهشٌ بشكل لا حدّ له. أشكال تلك السيطرة شديدةُ التنوّع. بعضُها، مثلُ ترتيبِ هذه الاسماء الثلاثة كما جاء في هذا المدخل التمهيدي، مثيرٌ قليلاً لكنه لا يعني شيئاً ذا أهميّةٍ ما في حياة الناس...
غير أن أبشعَ النتائج الملموسة لتلك الفرمتة هي ولا شك ممارسةُ العنفِ والنهبِ والقتلِ والإرهابِ باسم الدّين: الحروب «الصليبية»، نهبُ أراضي الفلسطينيين من قبل المستوطنين من «شعب الله المختار»، تفجيرات «الإسلاميين» الإنتحارية في 11 سبتمبر وغيرها من الأعمال الإرهابية اليومية... لاسيّما أن «أسوأ الشرِّ الذي تتمُّ ممارستهُ بشراسةٍ وبكل رضى، يُمارَسُ باسم الدّين!»، كما قال الفيلسوف وعالم الرياضيات بليز باسكال...
المثير هنا أنه لا يوجد إنسانٌ مستعِدٌّ للتضحية بحياته من أجل حقيقة علميّة (أنقذ جاليلو حياته من بطش حكم الكنيسة التي رفضت أطروحاته العلمية المبرهنة عن دوران الأرض حول الشمس، قبل أن يهمس ساخراً: «ولكنها تدور!»)، لكن هناك عدداً لا نهائيّاً ممّن يُقدِّمون حيواتهم في التفجيرات الإنتحارية، دون تردّد، قرابين لأوهام دينيةٍ خالصة في أغلب الأحيان!...

سأضرب في هذا المقال (الذي يهدف لإثارة التساؤلات حول عمقِ ومدى «فرمَتَةِ» الأديان للأدمغة) مثالين مذهلين لهما مدلولان جوهريّان ونتائج مرعبة.
المثال الأول آتٍ من دراسة (1)، تستحقُّ كلَّ تأمّل، قام بها عالم النفس الإسرائيلي جورج تاماران. قدّم هذا الباحث لأكثر من ألف طالبٍ إسرائيلي، أعمارهم بين الثامنة والرابعة عشر سنة، آياتٍ من سِفر يشوع في العهد القديم من الكتاب المقدّس، عن غزو أريحا.
تشرح تلك الآيات كيف دخل يشوع ومعه الإسرائيليون لأريحا وذبحوا رجالها ونساءها، شيوخها وأطفالها، حمِيرها وغنمها وثيرانها، ثمّ أحرقوا المدينة بعد أن نهبوا مالها وذهبَها...
سأل الباحث كل واحدٍ من الأطفال هذا السؤال: «هل تصرّف يشوع والإسرائيليون كما ينبغي؟»!...

لا يهمني هنا التذكيرُ بأن علماء التاريخ والحفريات برهنوا اليوم أن هذه القصة التوراتية لم تحدث في الحقيقة. وليس هنا موضع التساؤلِ عمّا إذا لم تكن هذه القصّة، أو غيرها من القصص التوراتية، قد ألهمت الإسرائيليين، بشكلٍ أو بآخر، في غزو ونهب الفلسطينيين في 1948، وعمّا إذا لم تكن اليوم وراء اتخاذ قرارات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لتوسيع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة.
ما يهمنّي هنا هو أن ردود الأطفال الإسرائليين كانت مثيرة جدّاً: أيّد 66% منهم ذلك الغزو بشكل قاطع!...
راوحَتْ تبريراتُ تأييدهم غالباً بين: «وعد الله بني إسرائيل بتلك الأرض!»، «أمرَ الله يشوع بذلك!»...
تبريرات المستنكرين من الأطفال لما قام به يشوع وجنوده كانت أحياناً غير نقيّة، ولأسبابٍ دينيّةٍ خالصةٍ أيضاً: «أخطأ يشوع لأن العرب نجسون، ومن يدخل أرضاً نجسةً تقع عليه اللعنة!»، أو «أخطأ يشوع لأنه لم يحتفظ بالحيوانات طعاماً للإسرائيليين!»...

الأدهى في دراسة تاماران أنه قدّم نفس الفقرة التوراتية لمجموعةٍ أخرى من الأطفال الإسرائيليين، مستبدلاً اسم يشوع بالجنرال لين، واسم مدينة أريحا بمملكةٍ صينيةٍ قبل ثلاثة ألف سنة، موجِّهاً نفس السؤال: «هل تصرّفَ الجنرال لين وجيشه كما ينبغي؟»!...
كانت ردود الأطفال معاكسةً تماماً هذه المرّة: لم يوافق على هذا الغزو إلا 7% منهم فقط!...
من نافل القول هنا إنه إذا وُجِّهت أسئلةٌ من نفس النوع لأطفالٍ في أوساط إسلامية أو مسيحية، يؤثر عليهم الفكر الديني الظلاميّ، فستكون النتيجة مشابهة أيضاً!...

المثال الثاني الذي أودُّ تقديمه في هذا المقال مقتطفٌ من كتاب الباحث الانثروبولوجي الفرنسي باسكال بوييه (2). يجلي هذا المثال كيف أن «فرمتة» كلِّ دينٍ للدماغ تجعلهُ لا يستوعبُ حكايات ومعتقدات أي دينٍ آخر، وكأننا أمام نظامَين مختلفَين لِ «فرمتة» أقراص (ديسكات) الكمبيوتر:
كان باسكال بوييه، ذات ليلة في مأدبة عشاء في إحدى كليات اكسفورد، يحكي بعض المعتقدات الخاصة لشعب الفانج، بالكمرون، الذي يؤمن كثيرٌ من أفراده بأن السحرة لهم أعضاء بيولوجية إضافية خفيّة تغادرهم لِتطير في الليل، كي تُبيدَ المحاصيل الزراعية لهذا الشخص أو تُسمِّمَ ذاك...
قاطعَهُ رجلُ دِينٍ مسيحيٍّ شهير قائلاً: «يؤكدُ هذا روعة وصعوبة علم الإنثروبولوجيا. إذ يلزمكم كباحثين أن تشرحوا كيف يمكن للناس أن تؤمن بسخافات من هذا النوع!»...

صعق باسكال بوييه، كما قال في كتابه، ولم يجد الفرصة ليسأل رجل الدّين: ماذا سيقول أي فردٍ من شعب الفانج إذا أخبرناه بأن ثمّة من يؤمنون بأن هناك رجلاً وُلِد بلا أب، من أمٍّ عذراء. ذات يوم، نادى هذا الرجل، الذي وُلِد من أمٍّ عذراء وبدون أب، صديقاً له ميّتاً مدفوناً في القبر، اسمه لازار، وأعاد له الحياة! غادر هذا الرجل نفسه، الذي وُلِد بلا أب ومن أمٍّ عذراء، قبرَهُ بعد ثلاثة أيام من موته، وصعد لقمةِ تلٍّ ليطير بجسدهِ من هنالك نحو السماء؟...

من نافل القول هنا أيضاً إن استبدال رجُلِ الفانج ورجُلِ الدِّين المسيحي في أمسية أكسفورد، بإثنين يؤمنان بمعتقداتٍ دينيّةٍ أو غيبيّةٍ أخرى، سيؤدّي لِنتيجةٍ مشابهةٍ تماماً، وكأننا دوماً أمام نَوعين بيولوجيين مُختلفَين لا يتزاوجان.
باختصارٍ شديد: قصصُ المعتقداتِ التي لم ينشأ عليها المتديّنُ، أيّاً كان، منذ طفولته، تبدو دوماً غريبةً جدّاً من وجهة نظره، لِدرجةٍ تجعله يُوجِّهُ هذا السؤالَ المندهشَ المُدهش: كيف يمكن للناس أن تؤمن بسخافات من هذا النوع؟...

المراجع:
1) John Hartung, Skeptic, Vol. 3, No. 4, 1995.
2) Pascal Boyer. Et l’homme créa les dieux. Rober Laffont. 2001.

هناك تعليق واحد:

  1. مقال رائع جداً, ,اعتقد أن قضية الأعتقاد والإيمان تطرح أكثر من علامة استفهام, إلى أية حد يمكن للمؤمن أن يفهم إيمان المخالف له في العقيدة, وهل بالإمكان للمؤمنين أن يلتقوا عند نقطة وسط, وأعتقد أن أوروبا قد تجاوزت هذه المسألة كثيراً, ويعود السبب إلى أن تجارب أوروبا وخبراتها المكتسبة بسبب حروب المأتين عام مهدت إلى مبدأ التسامح الديني وحرية الإعتقاد, لقد تعب الأوروبيين من الحروب الدينينة ووصلوا إلى قناعة بعدم جدوى هذه الحروب وأنه لن يكون هناك منتصر, لذا أقروا في نهاية المطاف مبدأ التسامح الديني وحق الإعتقاد, السؤال إذا كان العقل الأوروبي أهتدى لهذا المبدأ بسبب مئتين عام من الحروب الدينية بين البروتستانت والكاثوليك, نحن العرب لازلنا بحروبنا لم ينتصر أحداً بعد ولنا أربعة عشر قرن لم نبارح منطقة الصراع ولا أهتدينا لمبدأ تسامح يقينا هذه الحروب فمتى نصل إليه؟؟؟

    ردحذف