أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 26 أبريل، 2012

مقال نبيل سليمان في الدوحة عن تقرير الهدهد



خيال أجمل من حقيقة
نبيل سليمان

زد على ذلك، أنه لا يخفى كيف يتقّنع حبيب عبد الرب سروري بأقنعة شخصياته، بمكر ما بعده مكر، وبالتالي، أنّى لي أن أنافسه هو الآخر على عشق (ل. هـ.)، بل على عشق عاشقة أبي العلاء (هند) أو ابنة أبي العلاء (نور) أو لمياء إياها، أو أي من النساء اللواتي أبدعهن صديقي حبيب في روايته (تقرير الهدهد)؟



مجلة الدوحة، مارس ٢٠١٢


ليس لمثلي إلا أن يتوه ويتيه إذ يغمرني كاتب بمحبته وتقديره، فيصدّر كتاباً له بإهدائه لي، وهذا ما كان منذ حين من (أبي السيميائيات) الباحث المغربي سعيد بنكراد الذي تكرّم فأهداني كتابه (مسالك المعنى). وهذا ما كان أيضاً للتو من الروائي اليمني (والبروفسور في علوم الكومبيوتر) حبيب عبد الرب سروري الذي تكرم فأهداني روايته (تقرير الهدهد).
غير أن التتويه والتيه يغمرانك بحق حين تجد نفسك، باسمك الصريح، شخصية في رواية، وهذا ما كان لي في رواية علم الدين عبد اللطيف (العتبات والسور)، وفي رواية نذير جعفر (أساور الورد). ولئن كانت هذه اللعبة قد ظلت عابرة في الروايتين فقد عكسها في (تقرير الهدهد) ابتداءً من الصفحة (51)، حيث يعلن الراوي: "ها أنذا اليوم، أنا، نبيل بدر سليمان التنوخي الذي لا يجيد كتمان سر، أخون عهدي لأمي، وأفشي السر الذي ظل مكتوماً ألف عام". وهذا هو إذن هو اسمي الثلاثي، مشفوعاً بالنسبة التي تنادي أبا العلاء المعري (التنوخي)، كما تناديني خصلة فضح الأسرار التي أعتز بها، والتي كانت قد جعلت الصديق الراحل (بوعلي ياسين) يسمّيني (الست فضيحة) وهو الاسم الذي جعلته بدوري لشخصية دريد اللورقي في روايتي (دلعون).
والدة نبيل الرواية فرقت بيني وبينه. فوالدته هي نوال التنوخي التي درّست الأدب العربي في جامعة اللاذقية. أما والدتي أمد الله بعمرها ـ فهي لا تفك الحرف. ثم إن نبيل الرواية تيتّم في الرابعة عشرة، مثل أبي العلاء المعري، بينما تيتّمت في الرابعة والأربعين، وهو خمسيني، وأنا أغازل السبعين. لكن الأهم أن لنبيل الرواية صديقته لمياء الأربعينية الباحثة في شُعب البحر الأحمر المرجانية، والتي تقيم معه في باريس منذ دهر، فيا ويلتي، من أين لي بلمياء؟ 
غادرتْ لمياء في فجر 1/1/2010 إلى جهة مجهولة، وتركتْ نبيلها يسرد كيف كشفت أمه له ولادة جدته الثانية والثلاثين (نور)، وهي ابنة أبي العلاء المعري الذي جعلته الرواية عاشقاً لتلميذته هند، وجعلت هنداً تحمل منه، ثم تختفي بسرها في اللاذقية عند خالتها الضليعة بالفلسفة، حيث تشب نور التي تعود إلى والدها أبي العلاء في العشرين، فتعود إليه الحياة التي توقفت به منذ فقد هنداً، على الرغم من أن أبوته تظل السر الذي يجهله، هو ونور
يذكر نبيل الرواية أن والدته شاركت في ندوة بمناسبة مرور ألف عام على ميلاد أبي العلاء. وكان المجمع العلمي العربي بدمشق قد أقام حقاً مهرجاناً في هذه الذكرى، في 25/9/1944، شارك فيه بدوي الجبل بقصيدته التي قال فيها:
أعمى تلفتت العصورُ فما رأتْ / عند الشموس كنوره اللّماح / يا ظالم التفاح في وجناتها / لو ذقتَ بعض شمائل التفاح / إيه حكيمَ الدَهر أيُّ مليحةٍ / ضنتْ عليك بعطرها الفوّاح / لو أنصفتْ لسقتك خمرةَ ريقها / سُكْرَ العقول وفتنةَ الأرواح". 
كما شارك في المهرجان محمد مهدي الجواهري وعمر أبو ريشة من الشعراء، ومن الكتاب قَدم فخري البارودي دراسته (المعري والموسيقى) وقدم جميل صليبا (فكرة الخير في فلسفة أبي العلاء) وفؤاد الشايب (أبو العلاء في الفلسفة المقارنة) وأسعد طلس (القرامطة وأثرهم في أدب المعري). أما المرأة الوحيدة التي شاركت في المهرجان فهي جهان موصلي التي قدمت دراستها (المعري والمرأة). وبالعودة إلى نبيل الرواية، يذكر أن أمه تحاشت في مشاركتها ما كان سيف الرقابة السوري سيمنعه، حين تحدثت عن سجن المعري الثالث (بيته) الذي يقبع اليوم قرب سجنه الرابع (القبر) الذي يقبع داخل سجنه الخامس (المعرة) التي أصبحت قبراً يرتع فيه الفقر والبؤس، يقبع هو الآخر داخل سجن سادس، ليس إلا سورية التي لم تسمّها نوال التنوخي.
لأن العقم ابتلى نبيل الرواية و/أو لمياء، فسوف تنتهي به سلالة المعري البيولوجية، كما ستنتهي به سلالة المعري التاريخية، لأنه لم يأبه بصندوق المخطوطات المحفوظ لدى أمه. وانتهاء سلالة المعري سيكون علامة قدرية على موت الأمل في عودة الحياة للعقل العربي، وإشارة ميتافيزيقية لخروج العرب من التاريخ إلى الأبد، كما نقرأ في الرواية. ومثل العقم يعاني نبيل الرواية من جراحه، وأولها هجرانه لسورية بعد الخدمة العسكرية، حيث صار مثل لمياء (مواطناً عالمياً). وكذلك هو ما يتوالى عليه من الفجائع التي يعدد منها: القتل والتعذيب اليومي في هذا البلد أو ذاك، والحكام المخلدون وغير الشرعيين، جمهوريات التوريث، القمع الدائم..):
في عام 2009 حلت الذكرى المائتين لولادة داروين/ والذكرى المائة والخمسين لصدور كتابه أصل الأنواع، وكان نبيل الرواية يعتزم أن يكتب للذكريين عمّن أرهص بإبداعات داروين قبله بقرون: أبو العلاء المعري. لكن الكتابة أعجزت نبيل الرواية حتى اقترحت عليه لمياء قبل اختفائها أن يكتب رواية، يعيد فيها أبا العلاء إلى الحياة ويجعله يعيش هذا العصر. وبهذا الاقتراح تشتبك مستويات رواية حبيب عبد الرب سروري، وقد كان أولها ذلك التقرير الذي سيكتبه المعري في رحلته المعاكسة لرحلة ابن القارح في (رسالة الغفران) أي العودة إلينا. وهنا تحضر في رواية (تقرير الهدهد) شخصية (ن. س.) ولكن على لسان (ل. هـ.) التي يصادفها نبيل الرواية في مقهى، أثناء بحثه عن لمياء المختفية، والتي اختفى (ن.س.) مثلها. وهكذا بات لي شخصياً ظهور جديد في الرواية، تحدث ل.هـ. عنه ذلك الذي لا يحب اختزال الأسماء، أي نبيل بدر سليمان التنوخي.
في ظهوري الجديد تقول ـ ياللحسرة ـ عاشقتي ل. هـ. إنني أسمي معظم سكان البلاد العربية بالكتيبة الخرساء، وإنني رغم ذلك لست يائساً، بل أعقد الأمل على بعض شباب الأجيال الجديدة ممن اكتشفوا في لغة ـ قولة المعري (لا إمام سوى العقل) لغة العصر ونافذة الخلاص من البعبع المتسلط منذ قرون. ولأني لست إلا ظلّ هذه الشخصية الروائية الجديدة (ن. س.) ـ فهو الأصل، وهو الحقيقي وأنا المُتخيَّل ـ فقد أقبلت مسحوراً على حديث (ل. هـ.) عنه، وإذا به يشاهد الحدث بمئة عين، وبمئة مرآة، يفحص كل صغيرة وكبيرة بميكروسكوب ذري يشرئب في مركز جمجمته، ويهمه الإحصاء كثيراً ـ هذا يهمني حقاً ـ ويلجأ للأنترنت كثيراً أيضاً، كما يفتح فيه مواقع استفتاء للعامة، ويقضي ساعات يومياً، حيثما كان، في التفاعل مع إيميلات جماعية، أو في منتديات خاصة في شبكات التواصل الاجتماعي على إنترنت، مع من يتعرف عليهم في أنحاء العالم، وهذا كله لا ناقة لي فيه ولا جمل. وهنا أذكر أن أصدقائي كانوا يلهجون ببرلمان الشباب، وهو ما سمّى به محمد جمال باروت بيتي في حلب (1972 ـ 1978)، بينما سمّى أصدقاء (ن. س.) تلك المنتديات (سقيفة ن. س.) أو مقهاه، حيث يتحدث الجميع بحرية، بلا رقابة، وبلغة لا علاقة لها باللغة اليومية الخشبية. كما يفجّر (ن. س.) في سقائفه مواضيع وأسئلة مفاجئة، وأفخاخاً، فلا ينجو من هجاء بعضهم لمجرد أنه يمدح العقل، مثله مثل أبي العلاء. ومثل أبي العلاء القادم من السماء 77 إلى دنيانا ليكتب عنها (تقرير الهدهد)، هو أيضاً (ن. س.)، فكلاهما يرسل إلى تلك السماء (إس إم إسّاته). بل إن (ن. س.) يقول لـ (ل. هـ.) إنه كان هو نفسه أبا العلاء في حياة سابقة، فيرتبك نبيل بدر سليمان التنوخي بحديث (ل. هـ.)، لأنه هو نفسه الحفيد الثالث والثلاثون لأبي العلاء. وسيعاجلني الارتباك مضاعفاً حين تختم (ل. هـ.) بما يثير الشبهة في أن (ن. س.) هو نبيل بدر سليمان التنوخي، فياويلتي، من أكون إذن؟
تقول (ل. هـ.) إن (ن. س.) يزور البلاد الأجنبية، ليتابع أهم نشاطات العلم والفكر والفلسفة والفن والأزمات المالية والبيئية والحروب الروحية، وهو ممحون بالأدب والكلمات، ويكتب في الخارج كثيراً، ويحتاج للعوم باستمرار، وللمشِي طويلاً كل يوم، فبدونهما يشعر بالتخثر والاختناق، كما إنه يعرف خرائط شوارع المدن الكبرى بدقة مذهلة من فرط جوبه لها مشياً ساعات وساعات، حيث يدخل فيها في نقاشات وثرثرات حية مع بشر من كل الأطياف الاجتماعية. ولئن كان كل ذلك يجعلني أتمنى أن أكون (ن. س.) حقاً، فإن دافعاً أكبر يجعلني أتمنى أن أكونه، وهو أن (ل. هـ.) عاشقة له. لكن نبيل بدر سليمان التنوخي غطس في عشقها، ونسي حبيبته لمياء، فأنّى لي أن أنافسه عليها، وبخاصة لو أن الشخصيات الروائية تكون حقاً أقرب إلى بعضها منها إلينا، كتّاباً وقراءً. زد على ذلك، أنه لا يخفى كيف يتقّنع حبيب عبد الرب سروري بأقنعة شخصياته، بمكر ما بعده مكر، وبالتالي، أنّى لي أن أنافسه هو الآخر على عشق (ل. هـ.)، بل على عشق عاشقة أبي العلاء (هند) أو ابنة أبي العلاء (نور) أو لمياء إياها، أو أي من النساء اللواتي أبدعهن صديقي حبيب في روايته (تقرير الهدهد)؟
مع هذا، وربما قبله بحكم السنّ، أردد قولة إينشتاين: الخيال أهم من المعرفة. ولأنني أعرف ـ ربما ـ كيف تمحو الشخصية الروائية نسبها الواقعي، أو كيف تعيد صياغته وتتلاعب به، فإنني أستعير من الكاتب التركي باريش مستجابلي أوغلو عنوان روايته (خيال أجمل من حقيقة)، لأعنون به هذه السطور، أي لأقول العبارة الوحيدة التي أحسب أنها تعبر عما بي نحو نبيل بدر سليمان التنوخي، ونحو (ن. س.)، ولعلها العبارة الوحيدة التي يحق لي أن أكتبها عنهما.  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق