الخميس، 19 أبريل 2012

يُماهون بين الله وفوتوشوب!


يُماهون بين الله وفوتوشوب!
حبيب عبدالرب سروري 
لِغيابِ العقليّةِ العلميّة في مجتمعاتنا العربيّة تجليّاتٌ لا حصر لها. لِتوضيحِ نماذج من هذه التجليّات، يكفي على سبيل المثال (لمن يجيدُ استخدام برمجيّة فوتوشوب لإخراج الصور الرقميّة على الكمبيوتر) فَبْرَكةُ صورةِ رجُل بِرأسين، أو إلصاقُ صورتَي شخصين ظهراً بظهر، كما لو كانا ملتَصِقَين فيزيولوجيّاً، وتصميمُ رئتين مشتركتين لهما معاً تبدوان مكشوفتين في الصورة... 
يكفي بعد ذلك وضعُ هذه الصورة على صفحة فيسبوك مفتوحة مع خبرٍ على غرار: «يعيشان هكذا بقدرة الله ملتَصِقَين جسديّاً، بنفس الرئتين، منذ 48 عاماً!». 
بدلاً من أن تسخر تعليقاتُ القراء من هذه الترّاهات المثيرة؛ أو أن تتساءل على الأقل، بِحِيرةٍ مبارَكة، كيف يمكن أن يكون ذلك ممكناً؛ أو أن تقول، وذلك أضعف الإيمان، إنها تنتظرُ تأكيداً وتفسيراً لهذه «الظاهرة» من جهةٍ علميّةٍ رسميّةٍ متخصِّصة؛ سينهمرُ على صفحة الفيسبوك «500 لايك في خمسة دقائق»، ويتوالى رتلٌ من تعليقات دينيّة لعلّ أقلّها خشوعاً: «إن الله على كل شيء قدير»، «سبحان الخالق!»...
يُماهون هكذا بغباءِ إيمانهم وفرطِ حماقتهم بين الله وفوتوشوب!
مثالٌ آخر: يكفي عند الحديث عن قطار اليوروستار (الذي يربط باريس بِلندن، ويمرُّ تحت بحر المانش) نقلُ الخبر التالي: هناك مشروعٌ عملاقٌ جديد سيبدأ قريباً لربط باريس بِنيويورك يمرُّ تحت المحيط الأطلسي!...
ستنهال حينها سريعاً من أكثر من مثقف خطبُ ندمٍ صادقةٍ صائبة على واقع بلداننا العربية التي تخلو بعضها، مثل اليمن، من أيةِ سكّةِ حديد فوق الأرض (وإن ردّد رئيسُها المخلوعُ طويلاً: «فاتكم القطار!» التي لعلّها تعني في الأساس: «فاتكم الحمار!»، لاسيّما بعد تنَحّيه)، تليها خطبُ إعجابٍ هائل بالمستوى العلميّ والتكنولوجيّ في الغرب الذي صعد إلى القمر، فكيف سيصعبُ عليه عبور الأطلسي بالقطار!... 
تتوالى مثل تلك الخطب في الوقت الذي يلزم التساؤل بشكلٍ هادئٍ رصين: إذا كان حفرُ نفقٍ تحت شارع يحتاج إلى عدّة أشهر فكم قروناً سيحتاج حفرُ نفق طوله عدّة آلاف من الكيلومترات تحت محيطٍ أطلسيٍّ شديدِ العمق؟ هذا إذا كان  هذا المشروع مجديّاً أو معقولاً على الأقل، وإذا لم يكنِ الخبرُ عنهُ مجرّد مزحةٍ من العيار الثقيل!...

يمكن، في واقعنا العربي، معايشةُ أو إخراج عددٍ لا نهائي من مثل هذه الأمثلة المُسلِيّة، والمحزنةِ أيضاً لأنها تكشفُ عورات عقولِنا العربيّة التي يخدِّرُها سماعُ الخرافات، بل تحتاج غالباً لسماعها كما يحتاج المدمنُ للمخدرات.
من الملحوظ لمن يتنقّل زجزاجيّاً بين ثقافتين غربيّة وعربيّة أنه يستحيل أن يُعلِّق طالبٌ صغيرٌ، درسَ وتربّى في مدرسة الغرب، على هاذين الخبرَين بنفسِ طريقتنا الإيمانيّة الساذجة. لماذا؟
السبب: ترعرعتْ في دماغِه بفضلِ المدرسة، وبشكلٍ مبكّر، ثقافةُ الشكِّ والنقد والرفض، ثقافةُ العقل المبنيّة على التساؤل والتحليل المستقل عن أية مُسلّمةٍ غيبيّةٍ يلزم الإيمان بها مسبقاً، ثقافةُ ال «لا» العبقريّة التي يلزم توجيهُها آليّاً، وبشكلٍ مسبق، قبل التحقّق من صحة الخبر، والتأكد من وجود برهان علميٍّ له... فيما ثقافتُنا عكسُ ذلك تماماً: ثقافة ال «نعم» البليدة التي اعتدنا أن نُشهِّد ونُكبّر بها آليّاً دون تمحيصٍ أو برهان!... 
الفرق بين الثقافتين شاسعٌ جدّاً: يكفي في ثقافة ال «نعم» أن يمتلكَ المرءُ عقليّة الخروف ويزدرِدَ دون عسرِ هضم رتلاً من المسلّمات الغيبيّةِ والمُحالةِ الجاهزة، ويؤمنَ بها دون نقاش، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته! لا يُكلِّفه ذلك أي مجهودٍ أو وقت!... بيد أن ثقافة ال «لا» أصعبُ بكثير: يلزمُ فيها تبريرُ رفضِ كلِّ مقولة، دراسةُ كيف وُجِدت ولماذا، والبحثُ عن بديلٍ لها، والصمودُ أمام القوى الظلامية التي لا تقبل عدم الإيمان بمسلماتها، وتلجأُ حينها غالباً للتكفير والعنف...
في مدرسة الغرب (حيث لا يتدخّلُ الدِّينُ والغيبُ بشئون التعليم لا من قريبٍ أو بعيد) يعودُ الطالب إلى البيت كلّ يوم بعد أن يكون قد تعلّم كيف يكون فضوليّاً جدّاً، شكّاكاً جدّا، وكيف يستخفُّ بأي تفسيرٍ أو إجابة تأتيه من خارج المختبرات العلمية، وعلى صحنٍ جاهز! أي بعد أن يكون قد تعلّمَ كيف يرفضُ ألفَ مسلّمة، وكيف يقول ألفَ لا... 
في حين لا يعود الطالب كلّ يوم من مدرستنا العربية (التي لا فصل فيها بين الدّين والعلم) إلا بعد أن يكون قد استلم ألفَ تفسيرٍ لا علميٍّ عن الكون والحياة تصله بقبضةِ يد من ألفِ مشعوذٍ وفقيه، وقد عزّز من «خروفيّته» وإيمانه وقناعاته البدائية أكثر من البارحة، وأضاف ألفَ حبّةِ «نَعَمٍ» جديدة لمسبحةِ نَعَمَاته الثقافية اللامتناهية!... نموذجُه في ذلك من قال عنه الفرزدق مادحاً:
ما قال لا قطُّ إلا في تشهُّدِهِ لولا التشهّدُ كانت «لاؤهُ» «نَعَمُ»

لعلّ غيابَ عقليّةِ النقد والنفي والرفض في ثقافتنا يُفسّر إلى حدٍّ كبير لماذا كنّا في قمّة الحضارة في العصور الوسطى، عندما كان العِلم بدائيّاً لا يجيد ابتكار أكثر من البوصلة الصينية والاسطرلاب الإغريقي (الذي طوّرهُ العربُ ابتداءً من القرن الثامن) والسيف اليماني. أما في عصرِ العِلم الحديث الذي بدأ في القرن السابع عشر، عصر السفن الفضائية والكمبيوتر وإنترنت وسكانير الدماغ والطاقة الذريّة، فلسنا أكثر من مشاهدٍ مستهلكٍ، يلهث في المؤخرة مشلول الدماغ مكسورَ الركبة... 
الأسوأ: نكتفي أكثر من اللازم بمدح ما قدّمناه للعِلم في تلك العصور الوسطى، رغم أن كلّ ما ساهمنا به طوال ذلك الزمن لا يستحقُّ الذّكر بالمقارنة بما يُنتِجهُ اليوم أصغر مختبرٍ غربيٍّ في أسابيع قليلة!...

ماذا حدث إذن أثناء تلك الثورة العلميّة الحديثة التي فصلتْ بين عهدين: عهدِ العلوم البدائية الذي كنّا خلاله في الطليعة، وعهدِ العلوم الحديثة الذي لم نستطع فيه أن نغادر القاع؟
حدث تغيّرٌ نوعِيٌّ جذريٌّ في طرائق صناعة المعارف: كانت المعارفُ قبْل العِلم الحديث تجريبيّةً مباشرة، تنسجمُ مع التوقّعات الحدسيّة للإنسان، لا تتطلبُ أكثر من مواهب الرصد والتمعّن والتنظير المباشر: كان يكفي للعِلمِ حينها تحديدُ علاقات زوايا وأضلاع الأشكال الهندسية التقليديّة ومساحات وحجوم الأجسام النافعة البسيطة، ومراقبةُ حركة الكواكب والنجوم ورصدها بوسائل في غاية التواضع، والتمعّنُ في أعراض الأمراض وعلاجها بِطُرقٍ بدائيّةٍ تجريبيّة...
أي كانت معارف أوّلية انتجتْها ثقافةُ ال «نعم» للحدس والطبيعة المرئيّة والواقع الملموس.
في عصر العِلم الحديث انقلب الأمر رأساً على عقب: أرست الثورة العلميّة ثقافة ال «لا». لأن التوقّعات الحدسيّة للإنسان ومسلّماته الغيبيّة، كما صاغها تاريخهُ التطوريّ، تخالفُ غالباً الحقيقةَ العلميّة، ويلزم لذلك دحضُها واستبدالُها بمعارف أخرى تسمحُ للحضارة الإنسانيةِ التقدُّمَ إلى الأمام!...
فكلُّ الاكتشافات العِلميّة الحديثة، من اكتشافات جاليلو الذي برهن، قبل 4 قرون، خطأ المعتقدات الفلكية السائدة ذات الأساس الدينيّ، حتّى اكتشافات العِلم الحديث لِلَحظة نشوء الكون إثر الانفجار الكبير (البيج بونج) قبل 13.7 مليار عام وتمدّدهِ الدائم مذّاك (مخالفاً كلَّ توقّعاتنا الحدسيّة عن ستاتيكية الكون، والخطابَ الغيبي حول خلقهِ في ستة أيّام)، وحتّى نتائج الفيزياء الكونتية، المربكةِ المذهلةِ بشكلٍ كليٍّ مدهش، مثل مبدأ هايزنبرج الذي ينصُّ على استحالة معرفة سرعة الجسيمات الذريّة وتحديدِ موقعِها في نفس الوقت؛ مروراً بنظرية داروين التي برهنت على نشوء الكائن الحيّ بطريقة تخرج تماماً عن كلِّ تصوراتنا البدائية أو الغيبية (مثل حكاية آدم وحواء والحيّة والتفاحة)، ونظرية آينشتاين عن نسبية الزمن التي خالفت فيزياء نيوتن وأعادت صياغتها: مقياسُ الزمن الذي يفصل حدَثين ليس ثابتاً ولكنه يرتبط بسرعة من يقيسه. (أو ما يحلو غالباً شرحه مجازاً: إن كنت تطير خارج الأرض بسرعةٍ تقترب من سرعة الضوء، لمدة عام من عمرك، فستعود إلى الأرض وقد شاخ أهلها وعاشوا عمراً أكبر بكثير من تلك السنة التي قضّيتَها بعيداً عنهم)... كل هذه الاكتشافات الجوهرية التي تأسّس عليها العِلمُ الحديث تُخالفُ كليّةً التوقعات الذهنية البديهية للإنسان والثوابت الغيبيّة التقليدية الأساسية، وتتطلب للوصول إليها عقولاً «لائيّةً» صارمة تمتلك روحاً نقديّةً خلّاقةً من طراز استثنائيٍّ شرسٍ صابرٍ عنود، يسمحُ لها بالتمرّد على تأثير وسلطة التوقّعات الحدسيّة والمسلمات الغيبية!...
السؤال الجذريّ الآن هو: ما هي العوائق التي تمنعُ انتقالَنا من ثقافة ال «نعم»، ثقافة العبودية والتقوقع والظلمات، إلى ثقافة ال «لا»، ثقافة الحريّة والتقدّم والعقلية العلميّة الحديثة؟
تحتاجُ الإجابة على هذا السؤال الجوهريّ جدّاً إلى مقال آخر.


الأحد، 5 فبراير 2012

بيان إدانة عريضة فتوى التكفير




بيان إدانة عريضة فتوى التكفير

الموقعون على عريضة التكفير السيئة (اقرأ صورة عريضة الفتوى أعلاه) هم، مثل نظام علي عبد الله صالح، سبب تخلفنا وآلامنا


يتدخل بعضهم بالطب فيقتل الأبرياء بعلاجه للإيدز. يتدخلون بالأدب فيكفرون بفتاويهم خيرة أدبائنا كالعظيمة بشرى المقطري، بغية اغتيالهم


تدخّلهم بالسياسة كان أوّلا لحماية الطاغية صالح وتحويل اليمن، لاسيما جنوبه بعد حرب 1994 المقيتة، غنيمة له وعصابته


هم أيضاً من برر حروب صعدة الستة الكارثية. ثم هاهم يتدخّلون الآن لوأد جنين الدولة المدنية واغتيال أقدس حرّياتنا: حريّة التعبير

لنطالب جميعا عبر هذا البيان الجماعي بإيقاف هذه الحملة الظلامية على حرية التعبير وعلى مشروع الدولة المدينة، وبمنع الموقّعين على جريمة هذه الفتوى الشنيعة من مواصلة مشروعهم الذي يهدد اليمن بكوارث جديدة. فهؤلاء هم التعبير النظري الساطع عن إرهاب "تنظيم القاعدة" في اليمن

الموقعون على بيان إدانة عريضة التكفير (أساتذة جامعات، أدباء ومثقفون وإعلاميون يمنيون، ثوار في ساحات الحرية والتغيير، ناشطون على الفيسبوك، أساتذة ومثقفون عرب) هم

حبيب عبدالرب سروري
علي محمد زيد
زكريا الكمالي
جمال جبران
راشد محمد السامعي
عبدالعزيز هائل سعيد دغيش
سامي عطا
سميرة الخطيب
علي الديلمي
احمد الصياد
ماجد المذحجي
عبدالرقيب الزريقي
زكي شمسان
ساره رشاد الياسين
أروى احمد غرامة
صباح الإرياني
منصور هائل
عبدالله محمد سروري
ريم صبري سعيد
سعاد عبدالحق مجمد سالم يافعي
لطف الكبسي
وقاص سروري
فادي أحمد نوفل
محمد يماني
عباس طارش
عزيز الصلوي
خلدون عبدالباري قاسم
اروى احمد الخطابي
علاء الدين حسين البردوني
عبدالله عبدالوهاب ناجي
عادل السباعي
عبدالله حمود الفقيه
جلال غانم
عبدالله شمسان
نهلة قاسم
خلود محمد
هاني الجنيد
حمود الدهبلي
علي كيبات
أحمد العرمي
فواد عامر
محمد المجفلي
عبدالرحمن السماوي
عبدالله سعيد
نادرة عبدالقدوس
ماجي طالب
غيداء سلام
عصام واصل
عبدالله الأصبحي
ياسر طه ياسين
عبدالله كمال
منصور السروري
نشوان العثماني
عبدالحميد صيام، أستاذ جامعي
فلسطيني وكاتب في القدس العربي
أم ناصر جبل
عبدالرزاق ناصر
بوجمعة أشفري، شاعر وناقد فني مغربي
ايناس علي
أسامه المقطري
عبدالرحمن عبدالخالق
محمد نائف شبوطي
 أحمد علي عبداللاه
 إلهام مانع
سلوى العالم
عبدالرزاق ناصر الأغبري
محمد حيدر
عبدالعزيز مرفق
أنور العنسي
وائل حزام
عرفات مدابش
وليد القدسي
إيناس يحيى الإرياني
بشير زندال
ياسر الحوري
زكريا الصادق
سامي الكاف
علي المقري
عبدالإله الارياني
فؤاد الصلاحي
مصطفى العبسي
فتحي أبو النصر
آسيا عبدالفتاح إسماعيل
زياد عمر لرضي
خليل السراجي
محمد الخامري
موسى النمراني
محمد برادة، أستاذ جامعي ناقد وروائي مغربي

عبداللطيف الإدريسي، أستاذ جامعي وأديب مغربي
منصورة عزالدين، كاتبة وروائية مصرية
أروى عبده عثمان
عبدالرحمن أحمد عبده

عمر سعيد لرضي
عزالدين الأصبحي
كاظم جهاد، شاعر وجامعيّ عراقيّ مقيم بباريس
أمل الباشا
عبدالباري طاهر
أحمد سيف حاشد
مراد ظافر
جمال شحيد، ناقد سوري 
عبدالعزيز عباس
عبدالله الشرعبي
سارة جمال
سامية الحداد
جميلة علي رجاء
جبار ياسين، أديب عراقي
 
.......
.......
.......
استدراك: يكفي، لمن يحب إضافة توقيعه، التعبير عن رغبته بذلك أسفل هذه الصفحة، أو على هذا الموقع في فيسبوك:
http://www.facebook.com/note.php?saved&&note_id=368768989803447&id=203673946312953
أو بإرسال ايميل بذلك

خالص التحيات
حبيب عبدالرب سروري




الاثنين، 31 أكتوبر 2011

بلاغة صالح


بلاغة صالح
حبيب عبدالرب سروري

التأمل في لغة الطغاة العرب موضوعٌ عميقٌ شيّق، ومؤلمٌ في نفس الوقت، ليس فقط لأنه يكشف عورات هؤلاء الطغاة وخارطاتهم النفسية، بل لأنه يسمح لنا بمعرفة ذواتنا في جوانبها الأكثر قصوراً وضعفاً واستسلاما.
إذا كان اللاوعي الإنساني لغة، كما يقول لاكان، فهو لغة لانهائية الغموض والتعقيد. بين هذه اللغة التحتية ولغة الخطاب اليومي المباشر الفوقية جسرٌ من الآليات والقواعد التي تُترجِمُ لغةَ اللاوعي بطريقةٍ أو بأخرى.

تحليلُ الخطابات الاستطرادية المباشرة للطغاة العرب (لاسيما بعد أن أجبروا على المداومة الإعلامية والإسفاف المباشر أمام الجماهير العربية بفعل ربيع ثوراتها، مما جعلهم يرددون عبارات مرتبكةٍ خائفةٍ مدهشة مثل: «زنجة زنجة!»، «فاتكم القطار!»، «فهمتكم!» اثارت سخرية المواطن العربي من المحيط إلى الخليج) أمرٌ يهمُّ كثيراً علماء اللغة والنفس والإجتماع والانثروبولوجيا. خاصة بعد أن تراكمت مادةٌ غنيّةٌ تسمح بفكِّ شفرات تركيب أولئك الطغاة وسلوكياتهم الخفيّة، شريطة الكشف عن آليات وقواعدِ نحوِ لغة لاوعيهم المغلّفة ومنطقهِا العام، وما تريد توصيله للناس في كل خطاب، وطرائقها في التأثير على سلوكهم ومواقفهم. وشريطة تحليل مضمون خطاب هؤلاء الطغاة وشكله على حدٍّ سواء...

ليس صعباً فكُّ شفرات خطاب الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، لأن له قاعدة خطابية رئيسة ثابتة منذ 33 عاماً، يجيد أداءها بهدوءٍ ودون خجل: الدجل الكليّ الخالص وقول العكس الكامل لما يريده أو لما ينوي أن يحدث فعلاً!...
عبارتان، قبل توليه السلطة بقليل، وبعد خروجه منها بيومين إن كان قد خرج منها فعلاً، تشرحان ذلك بكل جلاء:
 «أتمنى أن أحكم اليمن أسبوعاً واحداً فقط»، ردّد صالح (كما نقل عنه بعض من عرفوه قبل أكثر من 33 عاماً) عقب دوره الشهير في قتل الرئيس إبراهيم الحمدي، صاحب مشروع التحديث، في 1977...
أسبوع الزاهد عن السلطة تحوّل إلى أكثر من 33 عاماً من تشبُّثٍ جنونيٍّ بها لم ينتهِ بعدُ حتى كتابة هذه السطور...
وبعدما اضطر للتوقيع على مبادرة مجلس التعاون الخليجي بيومين فقط (بعد تهرّبٍ يوميّ ومماطلة فاقت مماطلة عادل إمام في مسرحية: «الزعيم») قال في اجتماع لحزبه الحاكم هذه العبارة (بعد أن نظفتُها من الأخطاء اللغوية): «كان من المفترض أن توقع هذه الاتفاقية في وقت مبكر ولكن للأسف الشديد كانت هناك مماطلة من قبل بعض الأطراف، حيث كان من المفترض عليهم توقيعها في وقت مبكر لنخرج من الأزمة المستفحلة في الوطن والتي ألحقت ضررا فادحا في مجال التنمية، في المجال الاجتماعي والثقافي والسياسي، وفي شتي المجالات.»...
لم يكن يمزح!... يصعب أن يقول الإنسان كذباً خالصاً أكثر وقاحة!...

غير أن ما يميّز لغة أكذوبات صالح بعد اندلاع ربيع الثورة اليمنية (التي أجبرته على الحديث شبه اليومي في خطابات مباشرة، متوترة أحياناً، كان خلالها أشبه بنصف سكران) أنه صار لا يبذل جهداً في أن يصدِّقه الآخرون كما كان حال خطاباته القديمة.
في الحقيقة، كانت أكذوبات صالح قبل هذه الثورة مخرَجةً بدهاء، أشبه بشفرات لا يلاحظها إلا القليلون ولا يبدو كذبها جليّاً للعامة في الغالب. أجاد على سبيل المثال التطبيق الحرفيّ لمبدأ «اقتل الخصم وأمش في جنازته» الذي مارسه دوماً بمكرٍ ومهارةٍ مسرحيّة فائقة عند تخلصه من أبرز خصومه السياسيين...
كان يكفي أن يسبّ الفساد ونهب الأراضي في خطابٍ ما ليلاحظ بعضُ المراقبين ازديادَ حملات نهب الأراضي اليمنية من قبل ذويه وعصابته بعد الخطاب مباشرة، وكأنّ هناك شفرة وكلمة سرٍّ تمهيدية بينه وبينهم: اعملوا دوماً عكس ما أقول!...
كان يكفي، كمثَلٍ آخر، أن يدّوي في خطاباته منذ 2006: «سنولّد الكهرباء بالطاقة النوويّة» ليظلّ كثيرٌ من الساذجين يصدّقون هذا الوعد، رغم تواتر انقطاع الكهرباء في اليمن أكثر فأكثر من عامٍ لعام. وعندما عاقب الناس بقطع الكهرباء بعد اندلاع ثورتهم، اضطرهم إلى الاستضاءة بالشمع، أو بـ«الشمع النووي»، كما أطلق ظرفاء الثورة للتذكير بذلك الوعد.
كان يكفي أن يَعِد في خطاباته منذ 2006 ببناء سكةٍ حديدية في اليمن لِيصدّقَهُ البعض، وليحلموا ليل نهار بأوّل قطارٍ يعبر اليمن، قبل أن يسمعوه يردّد أمامهم دون خجل عبارته الشهيرة: «فاتكم القطار! فاتكم القطار!...»

أما موضوع بلاغةِ خطاب صالح وأسلوبه اللغوي فهو حديثٌ ذو شجون، يجعل أكثر من مثقفٍ يمني يبكي خجلاً ومرارة من مدى جهل رئيسهِ لأدنى قواعد اللغة وأبسط معاني الكلمات.
يصعب في الحقيقة أن يوجد رئيسٌ كصالح تعكس بلاغتُهُ كراهيتَهُ المفرطة للثقافة والتعليم. لعله الرئيس العربي الوحيد الذي لم يحرص على تعليم أولاده (جميعم عسكريون بلا مؤهلات يسيطرون بشراسة على أهم قيادت الدفاع والأمن في اليمن)، ولم يكلف نفسه حتّى منحهم شهادات علمية ملفّقة أسوةً ببعض أبناء الطغاة العرب، من فرط احتقاره للتعليم كما يبدو.
يكفي الإصغاء له لإدراك مدى المصيبة. إذ هو الرئيس الوحيد الذي لا يعرف الفرق بين مدلولي كلمتي «لم» و«لن»: يستخدم دوماً «لن»، التي تنفي الفعل المضارع في المستقبل، بدلاً من «لم» التي تنفيه في الماضي!...
ألا يُكثِّفُ ذلك، بشكلٍ رمزيٍّ شديدِ التعبيرية، كيف وحّدَ صالح الماضي والمستقبل اليمني، أي كيف جمّد الزمن اليمني، ماضيه ومستقبله، في حاضرٍ متخلف دام 33 عاماً، أسماه مع ذلك في حملته الانتخابية في 2006: «اليمن الجديد»؟...

ثمّة حادثةٌ شهيرة يرددها اليمنيون كثيراً تُلخِّصُ علاقة صالح الشهيرة بثنائية «لم» و«لن» أفضل تلخيص:
سألت مذيعةٌ عربيّةٌ صالح، أثناء مفاوضاته السريّة مع المملكة السعودية حول حدودها مع اليمن، في ثمانينات القرن المنصرم:
- سمعنا أنكم ذهبتم سرّاً للسعودية لمناقشة الإختلافات حول الحدود؟
- لا، لن أذهب!، ردّ صالح...
- لم أم لن يا فخامة الرئيس؟، سألته المذيعة...
- لم ولن (في نفس الوقت)!، ردّ صالح بابتسامةٍ وبريقٍ في العينين، وكأنه أفعمها بشطارته...

يُجلي ردُّه الأخير هذا، بتركيز شديد، طريقته في الحديث الذي يمارسه بنفس «البلطجة» التي يمارس بها سياساته: لا توقفه أية فرامل أثناء الحديث. لا يخطر بباله أن هناك مدلولات قاموسية وقواعد نحوية بدائية يلزم احترامها عند الكلام... يعتقد أنه يكفي دوماً ممارسة نفس الشطارة حتى في اللغة، أي نفس السطو والفضاضة والمزاحمة والعشوائية والاستغباء في كل الاتجاهات!...
من يصغي لصالح وهو يلقي خطاباته يلاحظ مثلاً أنه لا «يُسكِّن لِيسلم» أثناء الحديث، شأن الكثيرين من ناطقي العربية. ينصب غالباً، واثقاً من نفسه. ينصب، ينصب... ينصب الكلمات، في كل الاتجاهات، من تعوّد على النصب والنهب اليومي!... أما الحديث عن احترامه لقواعد تشكيل «جمع المذكر السالم» وغيرها من أوليات نحوِ اللغة العربية فذلك ترفٌ شديدٌ في حالة فخامة الرئيس اليمني الذي لا يجهلها فقط، ولكنه يجهل أنه يجهلها، وذلك أسوأ المصائب، كما يقول الحديث الشريف!...

لادراك مدى الفضيحة (التي يتحمل مسئوليتها الكثير من المثقفين والسياسيين ممن مارسوا حمل المباخر ومسح الأحذية لمخلوقٍ كهذا) يكفي ملاحظة أن صالح، أو «الرئيس المثقف» كما اسماه ذات يوم رئيس تحرير صحيفة ثقافية يمنيّة، نال أكثر من «دكتوراة فخريّة» من جامعة يمنية!... لا أعرف كيف يمكن أن تكون جامعات كهذه دوراً لها علاقةٌ ما بنشر العلم والمعرفة!...

الأسوأ ربما: يُعتبَرُ صالح شاعراً يمنيّاً رسميّاً كبيراً له «معلّقات شعرية» تمّ تلحينها وأداؤها كسيمفونيات في الأعياد الوطنية، لم (أو «لن»، كما يقول الشاعر) يتلكأ أدباء ونقاد يمنيّون معروفون عن مدحها، وعقد الندوات الفكرية حول قائلها، «الشاعر المشير الرئيس الأب»، كما يسمّونه. شعارهم في ذلك ما قاله أحد شعراء الصعاليك وهو يمدح نفسه:
ولله درّ فتىً عارفاً          يجاري الزمان على فطرته
يواسي الفقير باحسانه       ويرقص للقرد في دولته

بين رقصهم في دولة القرد، على إيقاع رقص القرد «على رؤؤس الثعابين» (حسب الاستعارة الحِميَرِيَّة القديمة، التي استخدمها صالح، بفضل مستشاريه، لوصف ما يعني حكم اليمن خلال عدة عقود) ماتت اليمن «بصندوق وضّاحٍ بلا ثمنٍ، ولم يمت في حشاها العشقُ والطربُ»، كما قال شاعر اليمن العظيم عبدالله البردوني الذي لا ينتمي لسلالة من يجيدون مراقصة رئيسٍ لا يعرف التمييز بين «لم» و«لن»...

الأربعاء، 26 أكتوبر 2011

في مديحِ الفصلِ بين الشوربة والروث


في مديحِ الفصلِ بين الشوربة والروث
حبيب عبدالرب سروري

يُطلَقُ اسم «المُخضّريّة» في اليمن على كل خليطٍ عشوائيٍّ متنافرٍ وغير طبيعي. مصدرُ ذلك حكايةٌ يمنيّةٌ متداولةٌ قديمة يُروى فيها أن أحد بائعي سوقٍ شعبيٍّ كان يقوم ببيع «البرعي» (شوربة يتناولها الناس وهم واقفون أثناء مرورهم بالسوق)... ذات يوم، بينما هو يُعدُّ شوربته، مرّت دابّةٌ ألقت بشذراتٍ من روثها في القدر، على غفلةٍ من البائع.
ما إن رأى البائعُ الروثَ في شوربته حتى سارع بتحريكها وخلطها، بعد أن تأكد أن أحداً لم يلاحظ أو يرمق ما حدث... حالما تذوّقَ الزبناء الشوربة أبدوا إستياءهم من مذاقها ولونها الغريب الأخضر. أجابهم البائع: «هذه مُخضّريّة!... كُلوا، هنيئاً مريئاً وأحمدوا الله!».

إذا كانت هناك كلمةٌ واحدةٌ تُلخِّصُ اليوم بُنيةَ حياة بلاد العرب فهي: مُخضّرية. لأن كلّ مجالات حياتنا السياسية والدينية والمالية والعلمية تختلط معاً في «مُخضّرية» قوميّةٍ من المحيط إلى الخليج.
لعلّ هذا الخلط هو جذر تخلف بلداننا العربية اليوم. لأن تاريخ تطوّرِ الحضارة الإنسانية ليس أكثر من تاريخ الفصل بين مختلف مفاهيمها وسلطاتها: إذ لم تتقدّم الثقافات والعلوم إلا على ايقاع الفصل بين الحدث التاريخي والأسطورة، بين التاريخ العلمي والتاريخ الديني، بين المبرهن واللامبرهن، بين الفضاء الشخصي والفضاء العام... يُقضّي العِلمُ وقتَه يفصلُ الظواهر والمجالات والافتراضات ويعزلُها لِدراستها وحلِّها بُطرقٍ متخصِّصةٍ ملائمة... لم تتقدّم الحضارة الحدثية إلا بفضل الفصل بين السلطات السياسية والدينية والعلمية والمالية...

لنأخذ العلاقة بين السلطتين العلميّة والمالية كَمَثل: الفصلُ بين الإدارة العلمية والإدارة المالية في الجامعات (شأن بقية الدوائر الحكومية في بعض الدول المتطوّرة) مفتاحُ شفافيتِها في تلك الدوّل وحصانتِها من الفساد. بِفضل ذلك الفصل لا تخضع الإدارة المالية في الجامعة لِسلطة رئيس الجامعة. هي سلطةٌ موازيةٌ لِسلطته ومستقلّةٌ عنها، تخضعُ لِ «محكمة الحسابات» أو وزارة المالية أو غيرها في جهاز الدولة المالي.
عندما يتقدم رئيسُ الجامعة أو رئيسُ قسم أو أستاذٌ مسئولٌ عن مشروعٍ علمي بطلب صرف ماليٍّ لإنجازِ مهمةٍ أو شراءِ جهاز، يصل ذلك الطلب للإدارة المالية التى تضبط، باستقلاليةٍ كاملةٍ عن رئيس الجامعة أو المسئول العلمي، مدى انسجامه مع اللوائح المالية. ترفضُ بعدها أو تقبل الطلب محدِّدةً المبلغ المطلوب لِذلك.
بالمقابل، لا يحق للإدارة المالية صرف أي مبلغٍ لوحدها. يقتصر دورُها على تقديم كشوفات ماليّةٍ تفصيليةٍ وشفّافةٍ جدّاً للاجتماعات الدورية لمجالس الأقسام والمختبرات والمجلس الإداري للجامعة، وعلى رقابة انسجام الصرفيات مع اللوائح والقوانين لا غير.
يضمن هذا الفصل بين السلطات الإدارية العلمية والمالية، في الدول المتطورة، الشفافيةَ وعدمَ الفساد. في حين أن المزج بين هذه السلطات في إدارات المؤسسات العربية عموماً يُعطي لرئيس الإدارة سلطاتٍ مطلقة، ويُحوِّلُ المؤسسة غالباً إلى إقطاعيّةٍ صغيرة تسير بآلية عملٍ كمداء تفتحُ أبواباً متّصلةً خفيّةً لتحقيق المصالح الشخصية الصغيرة وتفشّي الفساد...

المزج بين الدين والسياسة في حياتنا العربية هو الآخر «مُخضّريةٌ» لا تضاهيها مُخضّرية.
في محاضرةٍ في مؤتمر دينيٍّ مصري قال محمد بديع، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين (صحيفة الأهرام، 19 مايو 2011): «انتهى زمن لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. فالإسلام دين ودولة وحضارة وثقافة ورياضة» وكأنّ الدِّين والسياسة لم يكونا ممزوجين حتّى مخ العظم في مصرِ ما قبل ثورة 25 يناير، وفي كل واقعنا العربي اليوم.
يضمنُ هذا المزج بين الدين والسياسة ديمومةَ الأنظمة الاستبدادية العربية ويحافظُ على تخلفنا بنجاحٍ منقطعِ النظير. إذ ليس لذلك المزج حدود: يكفي مثلاً سماعُ نائبِ رئيس لجنة حماية الوطن والمواطن في سوريا، الشيخ أحمد شيخو، يقول «إن الملائكة تُسبِّحُ لِبشار الأسد»...
يكفي أيضاً، لِمعرفة كيف يُستخدمُ الدِّين كأداة قذرة بيد نظام طاغية اليمن، سماعُ بيان اجتماع علماء اليمن وهو يفتي، في نهاية سبتمبر الماضي، بتحريم المظاهرات، وبأن الخروج على ولي الأمر علي عبدالله صالح «بغي»، وبأن قتل البلاطجة للمواطنين اليمنيين «جهادٌ في سبيل الله»...
مخاطرُ تحوّلِ العلاقة بين الدولة والدين إلى طبقٍ من المُخضريّة لا تقتصر على دورِ علماء نظام صالح بل تشملُ عدداً من علماء الدين الذين يقفون اليوم مع الثورة في اليمن: يكفي إدراك أن أحد خطباء ساحة التغيير في صنعاء هو من أفتى بتحليل زواج الفتيات الأطفال مُشرِّعاً بذلك «البيدوفيلية» وانتهاك المحارم. وأن سلفيّاً شهيراً، توغّل في تخوم الشعوذة عند «اختراعه» دواءً دينيّاً لعلاج مرض الإيدز يروحُ ضحيّتَهُ أبرياءٌ من المرضى يتوافدون إليه من أطراف الأرض، يدعو اليوم لبناء «الدولة الدينية» بعد انتصار ثورة اليمن.

العلمانية لا تعني في الجوهر أكثر من فصل السلطات السياسية والدينية والعلمية والمالية لا غير. هي ليست أقلُّ رشداً وحكمةً من فصل الشوربة عن الروث. هي باختصار شديد: مضادٌّ حيويٌّ فعّال ضد وباء الدولة-المُخضّريّة.
لذلك هي مبدأٌ إنسانيٌّ راقٍ يتبوأ نفس مقام المبادئ السامية كالحريّة والديمقراطية والمساواة. هي ليست أيديولوجية أو نظاماً سياسيّاً جديداً: بإمكان المرء أن يكون يساريّاً أو يمينياً، رأسمالياً أو شيوعياً، بإمكانه أن يمتلك أيةَ رؤيةٍ أو ايديولوجيةٍ سياسية، ويكون علمانيّاً في نفس الوقت... هي ليست دِيناً أو عداءً لِدين: بإمكان الإنسان أن يكون متديّناً أو لا متديّناً أو ملحداً، ويكون علمانيّاً في نفس الوقت.
يكفي التأمل بعبارة رجب طيّب أردوغان، رئيس وزراء تركيا ورئيس حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي وصل ديموقراطيّاً للسلطة في تركيا العلمانية: «أنا مسلم وأحكم دولة علمانية!»...
ليس غريباً أن تثير هذه العبارة سخطَ السلفيين والطغاة العرب لأنها تنسف ببساطة كلّ أكذوباتهم الفاحشة (1) التي نجحت في تشويه مدلول العلمانية وفي اتهامها بالعداء للدّين، وأمعنَتْ في تضليل المواطن العربي وتخويفه من هذا المفهوم الحضاريّ شديد الجوهرية.
وليس غريباً أيضاً أن يُلوِّحَ اليوم كثيرٌ من المثقفين العرب بعدائهم الشرس الذي لا يقبل النقاش لمفهوم العلمانية، ليس فقط تحت استفحال تأثير تلك التضليلات السلفية، لكن أيضاً بسبب نفاق حكام الدول الغربية العلمانية (2)... أو ربما أحيانا لأن الاختيارَ الفكريَّ الحرّ لهولاء المعادين للعلمانية ومزاجهم الذوقيّ الشخصيّ هو الانتماءُ لما يمكن تسميته مجازاً: نادي «عشاق المُخضّريّة».

هوامش:
(1)      العلمانية وتضليلات السلفيين الأربع. حبيب سروري. القدس العربي، 7 سبتمبر 2011.

(2)      ما الفرق بين الدولة العلمانية والدولة المدنية؟. حبيب سروري. القدس العربي، 30 سبتمبر 2011: