الأربعاء، 26 أكتوبر، 2011

في مديحِ الفصلِ بين الشوربة والروث


في مديحِ الفصلِ بين الشوربة والروث
حبيب عبدالرب سروري

يُطلَقُ اسم «المُخضّريّة» في اليمن على كل خليطٍ عشوائيٍّ متنافرٍ وغير طبيعي. مصدرُ ذلك حكايةٌ يمنيّةٌ متداولةٌ قديمة يُروى فيها أن أحد بائعي سوقٍ شعبيٍّ كان يقوم ببيع «البرعي» (شوربة يتناولها الناس وهم واقفون أثناء مرورهم بالسوق)... ذات يوم، بينما هو يُعدُّ شوربته، مرّت دابّةٌ ألقت بشذراتٍ من روثها في القدر، على غفلةٍ من البائع.
ما إن رأى البائعُ الروثَ في شوربته حتى سارع بتحريكها وخلطها، بعد أن تأكد أن أحداً لم يلاحظ أو يرمق ما حدث... حالما تذوّقَ الزبناء الشوربة أبدوا إستياءهم من مذاقها ولونها الغريب الأخضر. أجابهم البائع: «هذه مُخضّريّة!... كُلوا، هنيئاً مريئاً وأحمدوا الله!».

إذا كانت هناك كلمةٌ واحدةٌ تُلخِّصُ اليوم بُنيةَ حياة بلاد العرب فهي: مُخضّرية. لأن كلّ مجالات حياتنا السياسية والدينية والمالية والعلمية تختلط معاً في «مُخضّرية» قوميّةٍ من المحيط إلى الخليج.
لعلّ هذا الخلط هو جذر تخلف بلداننا العربية اليوم. لأن تاريخ تطوّرِ الحضارة الإنسانية ليس أكثر من تاريخ الفصل بين مختلف مفاهيمها وسلطاتها: إذ لم تتقدّم الثقافات والعلوم إلا على ايقاع الفصل بين الحدث التاريخي والأسطورة، بين التاريخ العلمي والتاريخ الديني، بين المبرهن واللامبرهن، بين الفضاء الشخصي والفضاء العام... يُقضّي العِلمُ وقتَه يفصلُ الظواهر والمجالات والافتراضات ويعزلُها لِدراستها وحلِّها بُطرقٍ متخصِّصةٍ ملائمة... لم تتقدّم الحضارة الحدثية إلا بفضل الفصل بين السلطات السياسية والدينية والعلمية والمالية...

لنأخذ العلاقة بين السلطتين العلميّة والمالية كَمَثل: الفصلُ بين الإدارة العلمية والإدارة المالية في الجامعات (شأن بقية الدوائر الحكومية في بعض الدول المتطوّرة) مفتاحُ شفافيتِها في تلك الدوّل وحصانتِها من الفساد. بِفضل ذلك الفصل لا تخضع الإدارة المالية في الجامعة لِسلطة رئيس الجامعة. هي سلطةٌ موازيةٌ لِسلطته ومستقلّةٌ عنها، تخضعُ لِ «محكمة الحسابات» أو وزارة المالية أو غيرها في جهاز الدولة المالي.
عندما يتقدم رئيسُ الجامعة أو رئيسُ قسم أو أستاذٌ مسئولٌ عن مشروعٍ علمي بطلب صرف ماليٍّ لإنجازِ مهمةٍ أو شراءِ جهاز، يصل ذلك الطلب للإدارة المالية التى تضبط، باستقلاليةٍ كاملةٍ عن رئيس الجامعة أو المسئول العلمي، مدى انسجامه مع اللوائح المالية. ترفضُ بعدها أو تقبل الطلب محدِّدةً المبلغ المطلوب لِذلك.
بالمقابل، لا يحق للإدارة المالية صرف أي مبلغٍ لوحدها. يقتصر دورُها على تقديم كشوفات ماليّةٍ تفصيليةٍ وشفّافةٍ جدّاً للاجتماعات الدورية لمجالس الأقسام والمختبرات والمجلس الإداري للجامعة، وعلى رقابة انسجام الصرفيات مع اللوائح والقوانين لا غير.
يضمن هذا الفصل بين السلطات الإدارية العلمية والمالية، في الدول المتطورة، الشفافيةَ وعدمَ الفساد. في حين أن المزج بين هذه السلطات في إدارات المؤسسات العربية عموماً يُعطي لرئيس الإدارة سلطاتٍ مطلقة، ويُحوِّلُ المؤسسة غالباً إلى إقطاعيّةٍ صغيرة تسير بآلية عملٍ كمداء تفتحُ أبواباً متّصلةً خفيّةً لتحقيق المصالح الشخصية الصغيرة وتفشّي الفساد...

المزج بين الدين والسياسة في حياتنا العربية هو الآخر «مُخضّريةٌ» لا تضاهيها مُخضّرية.
في محاضرةٍ في مؤتمر دينيٍّ مصري قال محمد بديع، المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين (صحيفة الأهرام، 19 مايو 2011): «انتهى زمن لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة. فالإسلام دين ودولة وحضارة وثقافة ورياضة» وكأنّ الدِّين والسياسة لم يكونا ممزوجين حتّى مخ العظم في مصرِ ما قبل ثورة 25 يناير، وفي كل واقعنا العربي اليوم.
يضمنُ هذا المزج بين الدين والسياسة ديمومةَ الأنظمة الاستبدادية العربية ويحافظُ على تخلفنا بنجاحٍ منقطعِ النظير. إذ ليس لذلك المزج حدود: يكفي مثلاً سماعُ نائبِ رئيس لجنة حماية الوطن والمواطن في سوريا، الشيخ أحمد شيخو، يقول «إن الملائكة تُسبِّحُ لِبشار الأسد»...
يكفي أيضاً، لِمعرفة كيف يُستخدمُ الدِّين كأداة قذرة بيد نظام طاغية اليمن، سماعُ بيان اجتماع علماء اليمن وهو يفتي، في نهاية سبتمبر الماضي، بتحريم المظاهرات، وبأن الخروج على ولي الأمر علي عبدالله صالح «بغي»، وبأن قتل البلاطجة للمواطنين اليمنيين «جهادٌ في سبيل الله»...
مخاطرُ تحوّلِ العلاقة بين الدولة والدين إلى طبقٍ من المُخضريّة لا تقتصر على دورِ علماء نظام صالح بل تشملُ عدداً من علماء الدين الذين يقفون اليوم مع الثورة في اليمن: يكفي إدراك أن أحد خطباء ساحة التغيير في صنعاء هو من أفتى بتحليل زواج الفتيات الأطفال مُشرِّعاً بذلك «البيدوفيلية» وانتهاك المحارم. وأن سلفيّاً شهيراً، توغّل في تخوم الشعوذة عند «اختراعه» دواءً دينيّاً لعلاج مرض الإيدز يروحُ ضحيّتَهُ أبرياءٌ من المرضى يتوافدون إليه من أطراف الأرض، يدعو اليوم لبناء «الدولة الدينية» بعد انتصار ثورة اليمن.

العلمانية لا تعني في الجوهر أكثر من فصل السلطات السياسية والدينية والعلمية والمالية لا غير. هي ليست أقلُّ رشداً وحكمةً من فصل الشوربة عن الروث. هي باختصار شديد: مضادٌّ حيويٌّ فعّال ضد وباء الدولة-المُخضّريّة.
لذلك هي مبدأٌ إنسانيٌّ راقٍ يتبوأ نفس مقام المبادئ السامية كالحريّة والديمقراطية والمساواة. هي ليست أيديولوجية أو نظاماً سياسيّاً جديداً: بإمكان المرء أن يكون يساريّاً أو يمينياً، رأسمالياً أو شيوعياً، بإمكانه أن يمتلك أيةَ رؤيةٍ أو ايديولوجيةٍ سياسية، ويكون علمانيّاً في نفس الوقت... هي ليست دِيناً أو عداءً لِدين: بإمكان الإنسان أن يكون متديّناً أو لا متديّناً أو ملحداً، ويكون علمانيّاً في نفس الوقت.
يكفي التأمل بعبارة رجب طيّب أردوغان، رئيس وزراء تركيا ورئيس حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي وصل ديموقراطيّاً للسلطة في تركيا العلمانية: «أنا مسلم وأحكم دولة علمانية!»...
ليس غريباً أن تثير هذه العبارة سخطَ السلفيين والطغاة العرب لأنها تنسف ببساطة كلّ أكذوباتهم الفاحشة (1) التي نجحت في تشويه مدلول العلمانية وفي اتهامها بالعداء للدّين، وأمعنَتْ في تضليل المواطن العربي وتخويفه من هذا المفهوم الحضاريّ شديد الجوهرية.
وليس غريباً أيضاً أن يُلوِّحَ اليوم كثيرٌ من المثقفين العرب بعدائهم الشرس الذي لا يقبل النقاش لمفهوم العلمانية، ليس فقط تحت استفحال تأثير تلك التضليلات السلفية، لكن أيضاً بسبب نفاق حكام الدول الغربية العلمانية (2)... أو ربما أحيانا لأن الاختيارَ الفكريَّ الحرّ لهولاء المعادين للعلمانية ومزاجهم الذوقيّ الشخصيّ هو الانتماءُ لما يمكن تسميته مجازاً: نادي «عشاق المُخضّريّة».

هوامش:
(1)      العلمانية وتضليلات السلفيين الأربع. حبيب سروري. القدس العربي، 7 سبتمبر 2011.

(2)      ما الفرق بين الدولة العلمانية والدولة المدنية؟. حبيب سروري. القدس العربي، 30 سبتمبر 2011:



هناك تعليق واحد:

  1. نعم أتفق معك جملة وتفصيلاً بأن الدولةالعلمانية لا تعني في الجوهرأكثرمن فصل السلطات السياسيةوالدينيةوالعلمية والماليةلاغير.ولكني أحب أن أضيف أنهاتكرم الدين وتنزهةعن الأخطاءالبشرية,وبالتالي فصله عن الدولةيجعله منزهاً عن كل صراع سياسي الذي هو صراع الخير والشر,صراع عندماينتصرالشربأسمه فإنه يسيءللدين وبالتالي فإن الدين عندالفصل يصبح خياراًمجتمعياًلاخياراًسياسياً وعليه يتلوث الدين بلوثة السياسة,تحياتي

    ردحذف