الأربعاء، 7 سبتمبر، 2011

العلمانية، وتضليلات السلفيّين الأربع


العلمانية، وتضليلات السلفيّين الأربع

حبيب عبدالرب سروري

نجح سلفيّوا الشعوبِ العربية بشكلٍ باهر بتقديم مفهومٍ تضليليٍّ للدولة العلمانية يثير رعبَ الكثيرين ورفضَهم، في حين يجدر أن تكون هذه الدولة اليوم "أقدسَ" وأنبلَ أهداف شعوبنا، لاسيما بعد تفجُّرِ ثوراتها الحديثة من أجل الحرية والكرامة، والخروج من عصور الخنوع والتخلف...

يلزم أوّلاً تقديم تعريفٍ للدولة العلمانية: هي دولةٌ تفصل بين السلطات السياسية، المالية، العلمية، التشريعية، والدينية. تُخضِعُها جميعاً للقانون المدنيّ الذي يحدِّدُ أدوارها وميثاق علاقاتها.
لهذا التعريف نتائجُ كثيرة أبرزها إتاحةُ الدولةِ العلمانية حريةَ البحث العلمي والتعبير دون تدخل سلطةٍ سياسيّة أو دينية، وكذلك حريّةَ الرأي والإيمان أو عدم الإيمان بعقيدةٍ أو دِين...
كلُّ شعوبِ العالَم المتقدمة تحيا اليوم في دولٍ علمانية. يشملُ ذلك عدداً هاماً من الدول، من أمريكا غرباً حتى اليابان شرقاً، مرورا بكلِّ أوربا، من فرنسا حتى تركيا، وإن كانت العلمانيةُ التركيةُ تميل في الجوهر لِفرضِ خضوعِ السلطةِ الدينيةِ للسياسيّة، أكثر مما هي فصلٌ حقيقيٌّ بينهما.

يمكن تلخيص التضليلات السلفيّة لمفهوم العلمانية بأربعة:
التضليل الأول: ينعت السلفيون الدولة العلمانية بالدولة الملحدة. في ذلك بهتانٌ خالص لأن الدولة العلمانية لا تمنع ممارسة الدِّين، بل تحترمه بشكل عميق، كما تحترم عدم الإيمان به بشكل مماثل. الدول التي كبّلتْ الأديان وضيَّقت خناق العبادات، مثل الإتحاد السوفيتي في عهد ستالين أو فرنسا غداة ثورتها قبل أكثر من قرنين، لم تكن دولاً علمانية.
لا يوجد ما يمنع تطوّر الدين في المجتمع العلماني أو حتّى وصول حزبٍ دينيٍّ إلى السلطة (كما هو حال الحزب الإسلامي الحاكم في تركيا اليوم) إذا ما التزم بقانون الدولة العلمانية وميثاقها الضمني الذي يفصل بين السلطات.

التضليل الثاني: يُصرُّ السلفيون على المزج بين العِلم والدِّين. يتحدّثون في هذا الإطار عن مفاهيم لا علاقة لها بالعِلم، كالإعجاز العلمي في القرآن مثلاً.
في ذلك تضليلٌ جذريٌّ لأن مفهوم الدِّين والعِلم لا يربطهما رابط: الأول مبنيٌّ على اليقين والإيمان المطلق بنظريّةٍ دينيّةٍ قاطعة، هائلةِ الحجم كثيرةِ التفاصيل عادةً، تبدأ مثلاً بِخلق السماوات والأرض في سبعة أيام، ثم خلق آدم من نفخةٍ في صلصال، وخروج حواء من كتفه، قبل طردهما من الجنة بعد قصة التفاحةِ الشهيرة... والثاني مبنيٌّ على البرهان والسببيّة والتجربة، يتجاوزُ نفسَه يوماً بعد يوم. يمكن ممارسته من أيٍّ كان، ملحدٍ أم متديّن، شريطة أن يستخدم أثناء ذلك العقلية العلمية التي لا تحتاج لأية فرضيةٍ أو نظريةٍ دينيّةٍ أو ميتافيزيقيّة...
منهجا العِلم والدِّين في تفسير ظواهر الكون والحياة لا علاقة بينهما إطلاقاً. لا يحتاج رَجل الدِّين، على سبيل المثال، لمختبرات علمية وأبحاث عميقة لدراسة كيف نشأت ظاهرة اللغة، لأن النظرية الدينية تقول له بكل سهولة إن آدم كان يتكلم (اللغة العربية، كما يقول فقهاء المسلمين) قبل هبوطه للأرض... فيما يحتاج رَجلُ العِلم لمختبرات وأبحاث طويلة معقّدة يشتركُ فيها علماء البيولوجيا والحفريات واللغات وسيكولوجيا اللغة وغيرهم، من أجل اجلاء أسباب ظهور ملَكة اللغة لدى الإنسان وتطورها بشكلٍ يختلف جذريّاً عن بقية الحيوانات... يلجأون بُغية ذلك إلى متابعةِ تطور مختلف ظروف حياة أسلاف هومو سابيانس (الإنسان الحديث) في شجرة الأنواع البيولوجية خلال ملايين السنين، وتحليلِ التركيب الفيزيولوجي لهم، مستفيدين من الاكتشافات العلميّة الحديثة...
لا يعني ذلك بالطبع أن الإلحاد يشكِّلُ غايةً ما للعِلم، أو أن العِلم يقود إلى الالحاد بالضرورة. إذا كان العِلم يدحضُ بالفعل بعض المسلمات التوراتية، كبناء الكون في ستة أيام أو سبعة، فاكتشافاته تفتح دوماً أبواباً للتساؤلات والفرضيات التي يخوض فيها الفلاسفة وعلماء الدِّين كلٌّ بطريقته، كتلك المتعلقة بماهية الصدفة في نظرية النشوء والارتقاء ودورها مثلاً...

التضليل الثالث: يقول السلفيّون إن الدولة المسلِمة أثبتتْ أنها دولة العِلم لأنها أنجبت جابر بن حيان وابن الهيثم وغيرهم من علماء المسلمين في العصر العباسي، ولذلك لا تحتاج إلى العلمانية.
في ذلك الطرح جهلٌ عميقٌ بطبيعة العِلم الحديث من ناحية، وحجّةٌ واهية تثيرُ الاستغراب أيضاً.
لا شك أن الدولة الإسلامية كانت في العصور الوسطى في أوجِ الحضارة الإنسانية. أثرَتْ خلالها كوكبةٌ من علماء المسلمين وفلاسفتهم وأدبائهم جُلّ الثقافة والمعارف الكونيّة أيما إثراء... لكن تكرار الحديث اليوم عن ذلك مثيرٌ للهزل إلى حدٍّ ما، لاسيّما بعد قرونٍ لم تستطع الدولة الإسلامية فيها مواكبة العصر، بل أضحت تتقهقر في مؤخرته، وفي هذا الزمن بالذات الذي بات أصغرُ مختبرٍ علميٍّ غربيٍّ يبتكِر كل يوم كميّةً من المعارف تتجاوز كل ما انتجته القرون الوسطى...
في تكرار قول ذلك جهلٌ بتاريخ العِلم أيضاً، لأن الاكتشافات العلميّة الكبرى بالذات لم تتفجّر في الغرب العلماني إلا عند بدءِ تحرّرِ العِلمِ فيه (والفكر عموماً) من سلطة الدِّين، بشكلٍ تمّ تثبيتُهُ قانونيّاً في فرنسا على سبيل المثال، في 1905، بقانونٍ شهيرٍ فصل الدّين عن الدولة، بعد أكثر من عقدين من فصله عن المدرسة التي نُزِعت من جدرانِها كلُّ الإيقونات الدينية، ومن مناهجها كلُّ الموادِ والمسلمات الدينية...
فمنذُ أن لم يعُد للدِّين الحقُّ بالتدخل بقضايا وشؤون الفكر، بدءً بمواضيع دراساته وانتهاءً بِكتُبهِ ومنشوراته ومحاضراته، انفتحت أمام الحضارة الإنسانية كلُّ الأبواب، لتتوالى سلسلةٌ من ثوراتٍ علمية وقطائع ابستمولوجية مع العلوم القديمة ومسلّماتها الدينية قادت للحداثة المعاصرة...

التضليل الرابع: يقول السلفيون إن العلمانية ظاهرةٌ غربيّةٌ بحتة، لا مرجعية لها في بلاد العرب، ويلزم عدم استيرادها، بل يجب مقاومتها.
لا ترتبط العلمانية في الحقيقة بحضارةٍ معيّنة: تضمُّ في الواقع، فيما تضمّ، مجتمعات شرقية مسلِمة كتركيا، أو بوذيّة كاليابان. إنها حاجةٌ جوهريّةٌ إنسانيةٌ عالميّةٌ كليّة، في لحظةٍ مُعيّنة من تطورِ الإنسانِ الحديث، مثلها مثل النضال ضد العبودية والاستعمار. نشأت جذورُ العلمانيّة تاريخيّاً في معمعان صراعٍ طويل خاضه مفكروا التنوير، أدّى بعد قرونٍ من الكفاح إلى تأثيثِ فضاءٍ حرٍّ يستطيع الإنسان الحديث أن يمارس فيه حياته المدنيّة وحريّاته دون قيود.
لعل مرجعيتها في بلاد العرب أعمق جذراً من أية حضارةٍ أخرى: مَن، في أتون القرون الوسطى، شيّدَ المداميك الأولى للعقلانية واستقلال الفكر عن الخطاب الديني التقليدي، أفضل مِن كوكبةٍ من فلاسفة، تبدأ بالمعتزلة وتنتهي بابن رشد، صاحب «تهافت التهافت» وشرح ارسطو؟... مداميكٌ ترجمَتْها وتفاعلَتْ معها وتأثرَتْ بها وطوّرتْها بشكلٍ هائل حضارةُ الغرب قبيل عصور التنوير، أكثر من الحضارة العربية نفسها التي حُوربت وانحسرتْ فيها تلك الأفكار، ليسودَ فيها الانحطاط والظلامية حتى اليوم!...
من أبلغُ وأروع ممن فصل، في بداية القرن الحادي عشر، بين العِلمِ والدِّين أيما فصل، عندما قال:
إثنان أهل الأرض ذو عقلٍ بلا      دِينٍ، وآخرُ ديِّنٌ لا عقل له  
فيلسوفُ الشعراءِ وشاعرُ الفلاسفة، أبي العلاء المعري؟
ثم لا يوجد في الحقيقة تضليلٌ أتفهُ من تضليلِ مفهوم «نقاء الحضارات» (عدا مفهومُ «صراع الحضارات»!): لا تتطور في الواقع حضارةٌ ما دون أن تستوعب إنجازات الحضارات الأخرى أوّلاً وتتمثلها وتتجاوزها. ذلك ما برهنت عليه حضارةُ لغة العرب ابتداءً من القرن الثامن عندما ترجمت تراث الإغريق والشرق واحتضنته قبل أن تصل لِمجدِها. كذلك فعلت الحضارةُ الأوربية في منتصف الألفية السابقة مع تراث الحضارة العربية. وكذلك فعلت اليابان أيضاً في القرون الأخيرة...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق