الجمعة، 31 يناير، 2014

المكتبة المثلى اليوم: أحلام مُلِحّة تنتظر مكتبة قطر ٢٠١٥

المكتبة المثلى اليوم:
أحلام مُلِحّة تنتظر مكتبة قطر ٢٠١٥

حبيب سروري

الثقافة مرتكز حضارت الأمم المتطورة وضمان حمايتها وديمومتها. والمكتبات القومية الكبرى، ذات التأثير التنويري الفعال القادر على نشر المعارف الحديثة وتعليم صناعتها محليا، رافدٌ جوهريٌّ لثقافات تلك الحضارات المزدهرة.

للمكتبات القومية الحديثة المثلى في الزمن الرقمي الجديد بنية هرمية من ثلاثة مستويات.
طابقها القاعدي: المكتبة الورقية التقليدية المدججة بأحدث التقنيات، من حواسيب وبرمجيات متخصصة وروبوتات متحركة، تخزن وتؤرشف وترتب الكتب والوثائق، تعرضها موتورات البحث على الشاشة عند أدنى طلب من القارئ، وتهرع روبوتاتها للبحث عنها في الرفوف وحملِها للقارئ مباشرة.
طابقها الثاني: المكتبة الرقمية الحديثة التي تنسخ نصوص الطابق الأول على الحاسوب وشبكة إنترنت (كصورٍ من ناحية، وكنصوصٍ رقمية من ناحية أخرى)، وتضيف لها بنكاً هائلاً من النصوص الأخرى متعددة الوسائط (صور، فيديو، أفلام...) تربطها جميعا، بشكلٍ عضوي، بواسطة البروتوكولات الحاسوبية الحديثة، بالمكتبات الكونية بطريقةٍ تسمح بمعالجتها جميعا واستفسارها أتوماتيكيا من قبل الحواسيب مباشرة!
طابقها الثالث: مجموع التقنيات والوسائل الحديثة التي تسمح لهذه النصوص باستحواذ اهتمام المجتمع وتوعيته وتنويره وجعله مجتمعاً يصنع المعرفة. دون هذه النتيجة الاستراتيجية (أي: صناعة المعرفة محليّاً) تكون المكتبة أشبه بديكور جميل لا يسمن أو يغني من جهل!...

الطابق الأول لا يختلف جوهريا عن المكتبة التقليدية، منذ الإسكندرية قبل الميلاد حتّى مكتبات النصف الأول من القرن العشرين مروراً بمكتبة فلورانسا في عصر النهضة الأوربية، اللهم إلا:
١) بدخول الحاسوب كوسيلة لرصد الكتب وتنظيم توزيعها عبر قاعدة بيانات وموتورات بحث تسمح للقارئ بمعرفة كل مواد المكتبة وقراءة ومشاهدة صور عدد هائل منها على الحاسوب.
٢) وبدخول الروبوتات الآلية (كما هو الحال اليوم في بعض مدن الغرب، كشيكاغو) التي تضع الكتب في رفوفها وتذهب لِحملها مباشرة للقارئ في صالة القراءة.
يتم ذلك باستخدام تكنولوجيا RFID، أي: "التشخيص بترددات الموجات الإذاعية"، التي تنبعث من شريحة رقيقة تلتصق بالرف أو الكتاب، ويمكن للروبوت التفاعل معها والكتابة فيها عن بعد.

مكتبة قطَر المزمع فتحها في عام ٢٠١٥ مهيئةٌ لتكون مدجّجةً بأحدث هذه التقنيات، في تحفة معمارية مهيبة.

سأسلّط الضوء في هذا المقال على الطابقين المتوسط والأعلى اللذين يتم الانتقال بفضلهما من الطابق الأرضي (الذي لا يختلف عن مكتبة "العصر الحجري" في الجوهر!) إلى مكتبة العصر الحديث والمستقبل.

 يلزم لذلك أوّلاً تعريف النص الرقمي متعدد الوسائط: هو النص المكتوب على الكمبيوتر (كتب، محاضرات، مقالات، براءات اختراع، مدوّنات، تقارير خبراء، حوارات ونقاشات في الشبكات الاجتماعيةأكان نصّاً مطبوعاً، مسموعاً، أم مرئيّاً). لهُ خصائص مدهشة تجعل منه أرقى ما أبدعه الإنسان من فجر التاريخ: هو "هوائي" التواجد (يمكن أن يتناثر على "حواسيب سُحبيّة" متباعدة، وأن نصل له من أجهزة الكترونية مختلفة، من أي مكان). يمكن ربطه بأي نص رقمي آخر في أي مكان في العالم عبر "روابط النصوص الفائقة"، hypertext. لا وزن له: يمكن وضع كل مكتبة قطَر في بضعة مفاتيح U.S.B خفيفة كقطعة نقدية دون أن يتغيّر وزن المفاتيح. يمكن تغيير كلماتٍ أو فقراتٍ منه دون إعادة طباعته كلّاً من جديد، كالنص الورقي!…
يستطيع الحاسوب أن يتعامل مع النص الرقمي المكتوب: ينطقه، يفهرس كلماته لموتورات الأبحاث (وليس فصوله فقط!)، يترجمه (دون أن يعرف مدلوله!).

من المهم جدّاً هنا التمييز بين النص المطبوع على الحاسوب من ناحية، وصورة سكانير لِنصٍّ مطبوع على ورق من ناحية ثانية: الثاني مجرد "شخاطيط" في أعين الحاسوب (يراه مثل قطة تشاهد صفحة من "رسالة الغفران") لا يستطيع معالجته أو فهرسته بالطبع.

لذلك تمتلك كل لغة مهمّة (عدا العربية حتّى الآن!) "متعرف ضوئي على الأحرف" (OCR) يحول صورة السكانير إلى نص رقمي.
ولذلك تمتلك المكتبات الكبرى روبوتات تشتغل ليل نهار لرقمنة الكتب المطبوعة: تفتح هذه الروبوتات الكتاب صفحةً صفحة بشكل آلي، تُصوِّر كل صفحة لتُقرأ في الحاسوب كصورة، ثم (وهنا المرحلة النوعية البالغة الأهمية): تُحوِّل الصفحة إلى نصٍّ رقمي بعد التعرف الآلي على كل حرفٍ من أحرفه وطبعه من جديد.
منذ العقد الماضي، إثر مشروع غوغل العملاق لبناء مكتبته الرقمية الكونية (أذكِّرُ هنا: لم تكن شركة غوغل في البدء غير مكتبة رقمية في ستانفورد)، توالت المشاريع الأممية العملاقة في الدول المتطوّرة، وتم رقمنة ملايين الكتب، بكل اللغات، بهذه الطريقة.
يمكن رؤية فيديوهات تصوِّر الريبوتات وهي ترقمن الكتب في بعض المواقع الالكترونية للمكتبات الدولية كموقع المكتبة الرقمية جاليكا (التابعة للمكتبة القومية الفرنسية).

يكفي مثلاً فتح كتاب "الكوميديا الإلهية" لدانتي من موقع هذه المكتبة، كصورة أو كنص رقمي. في الحالة الأخيرة سنجد هامشاً يقول: "يمكن أن توجد هنا أخطاء لأنه تم تكوين هذا النص بالمتعرف الضوئي للأحرف (OCR) بِنسبة تعرُّفٍ تساوي ٩٩٫٩٦٪".
يتوازى هذا التعرف على صور النصوص مع مشاريع بعيدة الأمد: التعرّف الآلي على المخطوطات اليدوية، لاسيما مخطوطات التراث، ورقمنتها. كمثل: للمكتبات القومية الدولية الأوربية مشاريع أبحاث كثيرة تهدف لِرقمنة مخطوطاتها العتيقة، الموجودة في المتاحف والمكتبات القديمة.

لا أعرف شخصيّاً كتاباً عربيّاً ورقيّاً واحداً تم تكوينه بمتعرف ضوئي على الأحرف، لأن نسبة التعرف في المتعرِّفات الضوئية باللغة العربية ما زال ضعيفاً يقارب الستين بالمائة، أي غير صالحٍ للاستعمال.
لعلّ أهم تحديات مكتبة قطر: حل هذه المشكلة القومية الرئيسة المتخثِّرة. أي: رقمنة كل الكتب العربية الورقية المطبوعة بآلات الكتابة القديمة (دون الاكتفاء بتحويلها إلى صور سكانير كما يحصل حالياً في مكتباتنا العربية الأخرى، والتي ليس لها أية أهميّة من وجهة نظرٍ رقمية) وإدخال اللغة العربية هكذا في عصر الرقمنة مثل سائر اللغات الكبرى التي رقمنت ملايين الكتب حتّى الآن، وبدأت عصر الخوض الآلي في دلالات النصوص!...

للمعالجة الآلية لدلالات النصوص، يلزم الحديث أوّلاً عن مفهوم "أنتولوجيا المعرفة": هي نمذجة حاسوبية للمفاهيم المعرفية وعلاقاتها وخصائصها، في أي مجال أو موضوع، بِبُنيةٍ تُعطيها معنى دقيقاً يمكن أن يتعامل معه الحاسوب، وبِلغةٍ معيارية تستخدمها جميع الأنظمة: RDF وأخواتها.
هدفها الجبار: استيعاب الحاسوب لمحتوى الأنتولوجيا، لفهم النصوص بواسطتها ومعالجتها آليّاً!
مثال: أنتولوجيا معارف موسوعة ويكيبيديا الرقمية، دِيبيبيديا، التي ترتبط عضويّاً بعدد هائل من المواقع المعرفية على إنترنت. يستخدم الحاسوبُ دِيبيبيديا كبوابة لمعالجة المعارف الويكيبيدية آليّاً. تنمو هذه المعارف الموسوعية الرقمية يوميّاً وبكل اللغات، بشكل يجعل الموسوعات الورقية التقليدية تبدو كائنات من زمنٍ غابر.

بدأت المكتبات القومية في السنين الأخيرة (وأشارت لِذلك بعضُها بشكلٍ واعد، في مواقعها الالكترونية قبيل أسابيع فقط) مرحلة بناء أنتولوجيا كُتبِها ووثائقها لربطها العضوي ببقية مواد مكاتب العالم، وللسماح لقارئ المستقبل بتوجيه أسئلةٍ للحاسوب حول مدلول نصوص الكتب (نعم، حول مدلولها!)، وليس فقط حول وجود هذا الكتاب أو ذاك، أو الاستفسار حول موضوعه ونوعه وكاتبه.
لعلّ ذلك يقع أيضاً في مقدمة مهام مكتبة قطَر (بعد مهمة الرقمنة) لأن النص الرقمي اليوم كنزُ البشرية، ذهبُها الأسود. الهدف من صناعته وأرشفته: استخلاص المعارف والمعلومات منه بشكل آلي من قبل الحاسوب نفسه، لأن من يسيطر عليهما سيسيطر على المستقبل!…

المكتبات القومية (في هذا العقد من القرن) تعمل في وسطٍ بشري صار النشاط الثقافي الرقمي فيه أوسع بكثير من النشاط الثقافي الورقي، لاسيما لدى الشباب والصغار. قلّ التردّدُ فيه على المدوّنات والمواقع الشخصية الالكترونية، كما كان الحال قبل سنوات، لصالح الولهِ الكثيف بشبكات التواصل الاجتماعي، لاسيما فيسبوك، يوتوب، والمنتديات والوسائط التفاعلية الأخرى.
تتعوشب في ربوع هذا الوسط كميّاتٌ هائلة متصاعدة من المواد الرقمية المتنوعة التي تتكاثرُ بشكلٍ أسّيٍّ كل سنتين، تستحوذ وقت الإنسان وتجذبه لِخضمّ  اغراءتها وتلاطماتها في كلِّ الاتجاهات.

كيف يمكن موضعة الحقل المعرفي في قلب هذه المعمعة الرقمية؟ كيف يمكن جذب الإنسان فيها نحو القراءة والتأمل والتفكير وصناعة المعرفة؟ كيف يمكن للمكتبات الحديثة تحسين نتائج مردودات بثِّها المعرفي، بالاشتراك مع المدارس والجامعات والهيئات الثقافية والرقمية الأخرى؟...

تفجّرت هذه الأسئلة الطازجة اليوم بغية البحث عن آليات الاستحواذ والاهتمام المعرفي الرقمي، واكتشاف وصناعة وسائل حديثة تنسجم مع مزاج وتطلعات شخصيّة كلِّ إنسان، لاستقطابه نحو عالم القراءة والمعرفة الرقمية، لِكسب معركة التنافس مع العروض والعوالم الرقميّة الأخرى التى تبحث عن استهلاك وقته هي أيضاً
لا سيّما أن نواقص وعيوب كثيرة تعتور القراءة الرقمية اليوم: قراءة الكتاب على الشاشة، من شبكة إنترنت، ممارسةٌ مرهقة للعين إذا طالت، هشّة التركيز أحياناً، تدخل على خطِّها "طفيليات" رقمية دائمة: إشعارات، إعلانات، رسائل...

برز هكذا مفهوم "اقتصاد استحواذ الاهتمام" الذي يسعى لِخلق فضاءات رقميّة فنيّة تفاعلية تعاضدية جذّابة مثمرة للقراءة، يساهم في صناعتها الفنّانون والمهندسون وعلماء النفس والدماغ، لتوريط القارئ وجرِّهِ إلى لُجِّ الثقافة الرقمية المنتِجة للمعارف والإبداعات الخلاقة.

لتكنْ مكتبة قطَر في هذا الطابق العلوي شديدةَ الحضور أيضاً. ولِتكنْ، أتمنّى، بمستوى المشاريع النوعيّة والأحلام السامية الهائجة التي أرميها على عاتقها بحبٍّ وضراوة!...





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق