الثلاثاء، 28 يناير، 2014

مقابلة مع حبيب سروري في "القدس العربي"

الروائي و الكاتب  حبيب سروري لـ "القدس العربي"  


وضع اللغة العربية في العصر الرقمي هاجس يؤرقني


عدن / حاورته / لبنى الخطيب

حبيب سروري روائيٌ وكاتب عربيٌّ معروف وبروفيسور منذ ١٩٩٢ في علوم الكمبيوتر بقسم هندسة الرياضيات التطبيقية في الكلية الوطنية للعلوم التطبيقية بفرنسا، سعدت بلقائه لأول مرة في منتصف ديسمبر ٢٠١٣ في مسقط رأسه عدَن "مدينته الفاضلة" التي وصلها مدعواً لمؤتمر تيدكس عدَن الأول متحدثاً عن تجربته ونجاحه و لإلهام آخرين.
صاحب دملان والملكة المغدورة وعرق ألآلهة، عن اليمن ما ظهر منها وما بطن، طائر الخراب، شئ ما يشبه الحب وأخيراً تقرير الهدهد و رواية اروى، ومن له الكثير من الأبحاث العلمية فتح قلبه وعقله متحدثاً ل"القدس العربي" .


= تمتزج في أعمالك لغةُ الشِّعر والرياضيات، تفاصيلُ الحياة اليومية بالميتافيزيقيا، التجربةُ الذاتية الخاصّة المتفاعلة مع هموم المشروع الجمعي المسكون بحلم إنتصار التقدم... بدا ذلك جليّاً منذ أوّل رواياتك بالعربية: "دملان" التي قال الأستاذ محمد برادة إنها روايةً "كُليّة". كيف تفسِّر ذلك؟

=== لعل في ذلك ما ينسجم وطبيعة عصرنا الراهن الذي تداخلت فيه الجسور بين شتّى ألوان الفنون والآداب وأصناف المعارف والعلوم.
في ذلك أيضاً ما ينسجم مع تجربة حياتي الخاصة: طفل ذو تربية دينية قطع حبل سرّتهِ بها في معمعان عدَن "الإشتراكية العلمية" وهو في الرابعة عشر من العمر، على إيقاع توجيهات ماركس بـ "تحويل العالَم" أو "تغيير الحياة"، بلغة رامبو.
تحوّل بروفيسوراً في الرياضيات التطبيقية، فرع الكمبيوتر، فيما كان وظلّ  مهووساً بجنون بالشعر والأدب، منذ الصًّغر.
غرق في الحياة والثقافة الفرنسية التي تُبَجِّل اليوم تعدّدية التخصصات interdisciplinarité وتتعانق غالباً في رواياتها الحديثة مجموع الأوجه التي ذكرتيها في سؤالك، فيما ظل مشدوداً لثقافته ولغته الأولى وأوجاع مجتمعاته العربية التي يراقبها "من أعلى الغابة". هوسه بالفعل كما قلتِ تقريباً: إنتصار الحياة على الظلمات!...

= بدأتَ تجربتك الروائية  بالفرنسية برواية "الملكة المغدورة" التي تدور بكاملها تقريباً في مدينة عدَن في السبعينات من القرن المنصرم. تلتها روايتان بالعربية:  "دملان"، "طائر الخرابصدرتا في اليمن أوّلاً، تسكنهما اليمن من طرفيهما إلى طرفيهما، قبل إعادة إصدارهما في بيروت. ثمّ ثلاث روايات (تختفي اليمن كليّةً فيهم، لاسيما  "عرَق الآلهة" و "تقرير الهدهد" لم تصدر أيّةٌ منهن في اليمن، ولكن في بيروت مباشرة). ألا  يشبه هذا التدرج مراحل مختلفة من تجربتك الروائية؟

=== ثمة شيئٌ من الحقيقة في ذلك. كانت عدَن بشكل خاص، واليمن عموماً، همّ ومسرح رواياتي الثلاث الأولى. ثم بدأتُ مرحلة ثانية تقريباً ذهبتْ رواياتي فيها إلى مناحٍ ومواضيع مختلفة: اشتغلتْ "عرَق الآلهة" على قضايا ميتافيزيقية و علمية، في إطار عشقٍ تعدّدي كثيف. و أشتغلتْ رواية "تقرير الهدهد(التي أعتبرها نبيل سليمان "أرقى ما وصلت إليه الرواية التاريخية العربية") على حياة أبي العلاء المعرّي الحقيقية والتخييلية. واشتغلت رواية أروى على تيمةٍ أدبيّة سرديّة، أزلية أبدية، تلخصها عبارة فيليب سوليرس: "الحياة ملك للنساء، أي ملك للموت"...

= أيعني ذلك أنك لن تعد روائياً لليمن يوماً، وبالذات إلى عدَن سبعينات القرن المنصرم، التي طالما قلتَ أنّها كنز مواد خامٍ تحتاج إلى أكثر من ألف رواية؟

=== كلا! سأعود لها حتماً، وقريباً جدّاً، لكن في إطار مرحلةٍ روائيةٍ ثالثة ربما!...

= لماذا أبو العلاء المعري بطلاً في رواية من ٤٠٠ صفحة؟

=== حلمٌ قديم: حياة أبي العلاء المعري رواية بحدّ ذاتها. إذا ما أضيف لها التخييل تتحوّل إلى روايات في رواية... ثم هو رجلُ اليوم بامتياز بالنسبة لي: مشروعه "لا إمام سوى العقل" أنقى وأهم ما حمله لنا تاريخنا العظيم. لم نتجرأ بعد الإرتفاع لمستواه.
روايته الخالدة "رواية الغفران" لم يستثمرها أحد، فيما لعب نصٌّ ذو بنية مشابهة: "الكوميديا الإلهية"، ظهر بعدها بزمن طويل، دوراً بالغ الأهمية في الأدب الغربي.
غير أن ما دفعني لكتابتها فجأة هو الظلم العالمي بحق هذا الرجل: ظهرت كتب كثيرة في الغرب، لاسيما في عام ٢٠٠٩ "عام داروين"، تتناول بيلوجرافيا فلاسفة ومفكري التاريخ الإنساني الذين أستشرفوا قبل البيولوجيا الحديثة وحدة الكائن الحي وتطوره البيولوجي. كل من قال كلمتين منهم في هذا الإتجاه أعتُبرَ عبقرياً إستثنائياً، فيما لم يقل كثيرون منهم إلا شذرات مما قاله أبو العلاء قبلهم بعدة قرون!... دون الحديث عن آرائه النيتشاوية قبل نيتشة بدهر!...

= ثمّة هاجسٌ سرديٌّ يتكرر في رواياتكم: هاجس "رؤية الماضي كما حصل فعلاً" بواسطة السفر بأسرع من الضوء. ما سرّ شغفكم هذا؟

=== تصل إلى التلسكوبات كل يوم أشعة ضوءٍ عجوزة، عبرت مليارات السنين الضوئية أحياناً، من كواكب لم تعد موجودة في لحظة وصول تلك الأشعة إلى التلسكوبات! أي أن التلسكوبات تستقبل لحظات من الماضي السحيق الذي يتمخطر بعيداً في أرجاء الكون.
قبل سنوات وصلت لتلسكوب هوبل أضواء قادمة من لحظة تشكُّل أوّل مجرات الكون، بضعة مئات ملايين السنين فقط بعد "الببيج بونج" قبل ١٣٫٧ مليار سنة. وقبل حوالي عام فقط ملأت الصفحات الأولى لكل صحف الغرب صورة أرتجف عند رؤيتها الجميع: صورة "حساء الكون"، قبل تشكّل الكواكب والمجرات، كما وصلت أشعة أضوائه للتلسكوب الأوربي بلانك!  
كنت في صباح ذلك اليوم واقفاً في المترو عندما أرسلت لي إبنتي الصغيرة عنبرين إس إم إس يخبرني بذلك. أتذكر أن حقيبتي سقطت من يدي. (ما زال صوت وقوعها في أذني إلى الآن من هول الدهشة).

رؤية ماضي تاريخ الأرض كما حصل فعلاً موضوعٌ أدبيٌّ خصبٌ لا حدّ لِعمقهِ وجماله. حلمٌ مستحيل التحقيق، لأن تلك الأضواء تهرع الآن في مجرات بعيدة، ولأنه يستحيل فيزيائياً تجاوز سرعة الضوء بالطبع للحاق بها ورؤية الماضي فيها. حلمٌ ثوريٌّ أيضاً، لأن "الثورة إعادة كتابة للماضي بمفعولٍ رجعي"، كما قال أحدهم، أي نسفٌ لِخطابٍ سلفِيٍّ بمفعولٍ رَجْعي!
لعل هذا الحلم بزغ في أعمالي في أول قصة قصيرة في مجموعتي القصصية: "همسات حرّى من مملكة الموتى".
ثم أستثمرتهُ أخيراً بشكل متطورٍ جدّاً في رواية "تقرير الهدهد" أثناء عبور "أبي النزول" (أي أبي العلاء في أحد أوجههِ في الرواية) تاريخ الكون والحياة والإنسان، وهو في مهمة زمكانية كونية هبط فيها من "مقهى الكوكبة" في السماء ٧٧ إلى الأرض، بشكل معاكس لمهمة "رواية الغفران" الذي سافر فيها ساردهُ من الأرض إلى السماء.
يبحث أبو النزول في مهمته، وهو يعبر الكون بأسرع من الضوء، عن أضواء تحمل ماضي الكون والحياة الإنسانية كما حصل فعلاً، لِيجده غالباً ينسجم مع رؤى واستشرافات أبي العلاء الشعرية في موسوعته الشعريّة الخالدة: لزوم ما لا يلزم!...

=  فيً مؤتمر "تيدكس عدَن" الأول كنت متحدثاً فيه إلقيت أول خطاباته بنبضة العلم. وتوجّهت بعدها مباشرة لمؤتمر عن اللغة العربية في الجزائر ألقيت محاضرة افتتاحه يوم ١٨ ديسمبر، اليوم العالمي للغة العربية. ماذا قلت في المؤتمرين؟

=== وضع اللغة العربية في العصر الرقمي هاجس يؤرقني غالباً. كنت قد كتبتُ مقالاً عن وضعها في العصر الرقمي طلبه مني "مركز دراسات قناة الجزيرة" يسرد ستّ فجائع تتعلق بعدم إكتمال بنيتها التحتية التي تسمح بدخول العصر الرقمي، لا سيما عدم إمتلاكها لقارئ ضوئي للأحرف "OCR"، لقاعدة تحتية وبوابات معرفية بالعربية، لتقنيات أوليّة رقمية ملائمةٍ متطورة، وكذلك ما تعانيه من أنيميا الترجمة.
كل ذلك لم يسمح لها حتّى اليوم بدخول عصر الرقمنة الذي بدأ في العقد الماضي. صارت العربية فيه مثل سلحفاة بجانب أرانب اللغاة المتطوّرة الأخرى.
ما حاولت شرحه  هو وضعها في هذا العقد الثاني الذي بدأت فيه اللغات المتطورة عصر المعالجة الآلية لمدلول النصوص الرقمية. نعم، لمدلولِها عزيزتي لبنى!، وأرشفتها اليومية في مستودعات "البيانات العملاقة" Big Data، فيما ظلّت العربية تراوح في نفس موقعها السابق.
أي أن أرنب العالم المتطوِّر صار مجنّحاً اليوم، فيما سلحفتنا العربية الحبيبة صارت عرجاء بالضرورة!...
سأرسم أيضاً بعض الخطوط العريضة لمشاريع تحتاج إلى دعمٍ والتفافٍ قوميٍّ عربيٍّ حولها لتتحوّل إلى واقع!...


هناك تعليق واحد:

  1. اص اْخرون عدد ‏4‏‏ معجبون بهذا.

    Farouk Itani تهويمات ماركسيي عدن المتفرنسيين مع صدمة الانبهار امام تطور المعلوماتية الغربية و النعي على اللغة العربية . بينما العبرية التي تنتمي الى نفس فصيل العربية و اللتي كانت قدر تراجعت الى آخر حصونها في القرن الثامن عشر،عادت ونشطها أهلها في فلسطين المحتلة ودخلت مع كل المعلوماتيات المتطورة. وكذا اللغة الفيتنامية و الفارسية و الهندية وحتى الصينية . كل اللغات قادرة عندما يخدمها أهلها ان تنقلهم وينقلونها. حجم الهجوم على العربية في آخر القرن التاسع عشر و مطلع القرن العشرين ،حجم كبير. كان الهجوم لغة و خطا. وصمدت العربية و دخلت في الطباعة . ومشكلتها في الترجمة مشكلة النظام العربي نفسه من الجزائر الى السعودية الى قطر الى مصر الى لبنان. الرد هنا لم يكن على النص مباشرة ، بل على عقل من يقف خلف النص ، حبيب عبد الرب سروري. ماركسي متفرنس . من اصل عربي يمني عدني شافعي الابستمولوجيا. هناك محاولة بينه وبين دولة قطر في موضوع المعلوماتية العربية . آمل ان يدخل في الموضوع ويشكل فريقا للعمل عليه.

    ردحذف