الثلاثاء، 28 يناير، 2014

هروبٌ إلى فلورانسا




هروبٌ إلى فلورانسا
حبيب سروري






من شرفةٍ في علياء «متحف القصر القديم» تبدو سقوفُ المنازل المحيطة موبؤةً بغابةٍ من صحون القنوات التلفزيونية الفضائية، قطيعِ أميبيا...
ما أتعس بؤس الذوق: لا موقع لهذه الطفيليات هنا، لا محلّ لِلموجاتِ اللاسلكية في هذه المدينة (التي لجأتُ إليها هارباً من كلِّ ما يُذكِّرني بالتكنولوجيا وجنونِ العصر الحديث!).

أغلقتُ في الحقيقة تلفوني والآيباد قبل أن أصلَها. عاهدتُ نفسي أن لا أفتحهما وأنا أسكنُها. هربتُ من الإيميلات وإنترنت والشبكات الخانقة والعمل والمنزل والعالَم كلّه إليها، لأعيشَ داخل لوحةٍ فنيّةٍ بحجم مدينةٍ عاش فيها دانتي، ميشيل انجيلو، جاليلو، ميكيافل: فلورانسا
أي: بحجمِ مهدِ عصر النهضة، وسِفْرِ تكوين الأدب والفن والسياسة والعِلم الحديث.

الشمسُ  تطحنُ فلورانسا. وثالوثُ مركزِها: الكاتدرائيةُ وبرجُ الكامبانيل والمعموديّة، يخترقُ السماء. عشقٌ عموديٌّ عنيفٌ في الاتجاهِ والاتجاهِ المعاكس.
في عناقِ الاتجاهين تشكّلتْ لوحةُ «ولادة فينوس» لِبوتيشيلي (المنتصّةُ في «متحف المكاتب»).
ثمّة أكثر من «ولادة فينوس» في هذه المدينة، لاسيّما لوحة فازادي في متحف القصر القديم.

أتجوّلُ الآن في المدينة بدون موعدٍ أو برنامجٍ أو هدف. لا أمِلُّ التسكّعَ فيها. في رجليّ جناحان صغيران كجناحي الإله الإغريقي هيرمس الذي أرى تماثيلَهُ في كل مكان.
تتزاحمُ في قصور ومتاحف وكنائس وأرصفة هذه المدينة تماثيلُ كلِّ آلهة الإغريق والرومان وكبار الأدباء والكتّاب والفنانين. لا ينافسُها إلا زخم اللوحات التشكيلية التي تزخر بها الجدران والأسقف والأعمدة...
أتخيّلُ نشوةَ من حطّموا تماثيل بوذا في أفغانستان إذا ما غزوا هذه المدينة ذات يوم. تلزمُهم سنينٌ  من التدمير لِسفكِ دماء تماثيلها، وإحراقِ كلِّ لوحاتها ومآثرِها...

تصعدُ هكذا في فلورانسا حسراتي القديمة: لو كان أبو العلاء (الذي بُقِر بطنُ تمثالِهِ الوحيد، في عقرِ داره بالمعرّة) من أبناءِ هذه المدينة لكان له فيها ألف تمثال. أين تماثيل الجاحظ في مدننا العربية؟ الخوارزمي؟ عمر الخيّام؟...

أعبرُ المدينةَ حاملاً كتاب «الكوميديا الإلهية» لِدانتي الذي استلهمَ بُنيَتَهُ، كما يبدو، من «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعرّي. أبحث عن ابن فلورانسا: تماثيلُه وأبياتُه، في كل مكان. من ملحمتهِ «الكوميديا الإلهية» انطلقت فنون عصر النهضة وآدابها (« قبل دانتي: الإغريق، وبعدهُ: العصر الحديث»).

أبحثُ أيضاً عن ابنِها الآخر الذي قال: «الكون كتابٌ لغتُهُ الرياضيات»، جاليلو. لِقراءة الكون يلزم، كما علّمنا، اعتماد التجربة الفيزيائية والبرهان الرياضي، لا غير.
لذلك صمّمَ ناظورَه ذات يوم وصوّبَهُ باتّجاه السماء. رأى عالَماً لا علاقة له بعالَم الأساطير والخرافة. سقطت بعد ذلك قرونٌ من الأكاذيب. بدأ العِلم والعصرُ الحديث...

أبحثُ فيها عن فنّاني عصر النهضة: ميشيل انجيلو، دوناتيلو، رافيائيل، دافنشي، بوتيشيلي... قضّى بشرُ هذه المدينة قرون العصور الوسطى والنهضة يبنون الكاتدرائيات والمآثر الفنيّة الكبرى. كان نصفُهم يموت من المرض والحروب، ونصفُهم الآخر من سكرة الفن...

 أُلاحظ: بين الكاتدرائيات وإنترنت الذي هربتُ منه تشابهٌ عميقٌ وخلافٌ جذريٌّ في نفس الوقت.
تشابهٌ عميقٌ أوّلاً: كانت الكاتدرائيات ملتقى الناس الدائم وبؤرة صلواتهم الجماعية. لم يعد الناس يتوجّهون إليها للصلاة اليوم، لكن طبيعتهم الإنسانية، ذات الحاجة الدائمة للعلاقات والتفاعلات والكُتل الاجتماعية، لم تتغيّر. لِذلك استبدلوها بكاتدرائياتٍ رقميّة يمارسون فيها صلوات جماعيّة افتراضية: شبكاتُ تواصلٍ اجتماعي، إيميلاتٌ جماعية، منتدياتٌ متنوِّعة...
وخلافٌ جذريٌّ أيضاً: إيميلات الكاتدرائيات الرقميّة تطاردك حيثما تكون، لا قيمة لها إذا لم تفتحها. فيما حجارة الكاتدرائيات التاريخية تحيا بدونك، لا تلتفت إليك إذا لم تحدّق بها طويلاً، إذا لم تخاطبها بلغة التوحّد الغرامي البطيء.

لماذا أتذكّر إنترنت من جديد؟ ألا أستطيع التحرّر منه؟...
أذهبُ للتوحّد البطيء مع الحجارة، في نهاية الظهيرة. أسندُ ظهري للمعموديّة. أمامي الكاتدرائية، على يمينها برج كومبانيل. ثالوثٌ هائل فريد، من رخامٍ كليٍّ خالصٍ  مهيب، ثلاثيِّ الألوان: أبيض، أخضر، ورديّ.
أتركُ الزمن للزمن... ساعاتٌ طوال من التحديق السادر، قبل أن أسمع أخيراً همس الحجارة.
أنتظرُ الغد لِدخول الكاتدرائية بعد أن تحدّثتُ طوال المساء مع حجارتها بغرامٍ خالص.
أدخلُ الكاتدرائيةَ اليوم التالي: فسيفسائياتُ كِبار فناني النهضة، فضاءٌ روحانيٌّ قرونُ وسطيّ، شهقةٌ من الذهول تخونني أمام الجميع، تتردّد أصداؤها في مسمعي حتّى الآن...

أتوجّهُ لموقعي الأثير: ساحةُ القصر القديم. تماثيل ميثولوجية مدهشة عديدة تحيطُ الساحة. يتجاور في تخومها متحفُ القصر القديم؛ متحفُ المكاتب؛ كنيسة قبور عائلات الميديسيس التي حكمتْ فلورانسا، والتي صمّم لوحات سقوفها البديعة: ميكايل إنجيلو نفسه؛ ومتحفُ جاليلو... كلّ ذلك على ضفاف نهر الارنو الذي يخترق المدينة...

أقرفص على أرض الساحة أمام تمثال إله البحر: بوسيدون. تُخدِّرني نسمةٌ ساخنة، تُشبِهُ نسمات عدَن
أضطجعُ على أرض الساحة تماماً... أسترخي بِعذوبةٍ ساحرة، أتوغّلُ في هذا العالَم الأسطوري الذي أضفتُ حولَهُ، في مخيّلتي، الصحراءَ والبحر. تحرسُني الإلهة أثينا!...
كلّا!... توقظني شرطيّةٌ ظنّت أني مريضٌ، أو فقدتُ الوعي. تسألني عن صحّتي. كل شيءٍ على ما يرام هنا، وأكثر. تُنبِّهني: «لستَ هنا على شاطئ!». 
لم أوافقها كثيراً: أنا على شاطئٍ تقتربُ منه سفينةٌ عليها عَولس. بوسيدون يوافقني على ذلك!...

كنيسةُ سانتا كورسيه (الصليب المقدّس): لم أتوقّف عن الدوران حولها كخذروف، وعن زيارتها طويلاً عدّة مرات. قال ستاندال: «كدتُ أفقد الوعي وأنا أرى أشياء بهذا الجمال، في هذه الكنيسة». لم يبالغ قط...
بها أضرحة العظماء معلّقةٌ على الجدران، تحيطُها تماثيلهم التي نحتها أروع الفنّانين. ضريحا أنجيلو وجاليلو يتقابلان في طرفِها. أتردّد بينهما كبندول الساعة... 

نحتَ تمثالَ أنجيلو صديقُه دوناتيلو. ولم يدخل ضريحُ جاليلو الكنيسةَ إلا بعد أكثر من قرنٍ من وفاتِه. نُفِيَ مؤسسُ العِلم الحديث، وعُذِّب في نهاية حياته حتّى أصابه العمى، لكنهُ انتصر على الظلمات بأثرٍ رجعّي.
على تمثال المفكّر السياسي العبقري ماكيافل هذه العبارة: «لا مديح يستطيع أن يرتفع لمقامِ هذا الرَّجل»، بما في ذلك مديح نيتشه له: «يجعلنا ماكيافل نتنفّس نسمات فلورانسا الجافّة العليلة». «الماكيافيلية النقيّة فوق إنسانيّة، إلهية، سامية»...

«معموديّة القديس يوحنا»، أو «يوحنا الجميل» كما كان يُسمّيها دانتي، كعبةٌ من رخام بثمانية أوجه، تعلوها منارةٌ صليبيّة. أدخُلُها من أحد أبوابِها الثلاثة: «باب الجنّة»، كما سمّاهُ أنجيلو.
بُنِيَت المعموديّة على أنقاض هيكلٍ وثنيّ. أرضُها صرحٌ بزخرفاتِ قطائف إسلاميّة. في جدرانها فسيفسائيات بيزنطيّة. مزيجٌ بديعٌ متعدِّدُ الثقافات.
جداريّةُ سقفِها مقاماتٌ موزَّعةٌ على دوائر ثمان. أهمُّها: «اليوم الثامن»، يومٌ بلا غسق. يوم البعثِ والنشور...

في مركز الجداريّة شمسٌ تحيطُها عبارةٌ دائريّة، بالاندروميّة (أي: متناظرة، سيّان أن تُقرأ من اليسار إلى اليمين، أو العكس):
EN GIRO TORTE SOL SISLOS ET ROTOR IGNE
عبارةٌ لاتينيّة غامضة، لم أعرف كيف أقرأها. أثارتني بشدّة وأنا أعبرها من إتّجاهٍ لآخر
أصبتُ بالدوار: ربع ساعة من التحديق الهوَسي بهذه الجملة المنقوشة في المركزِ الجغرافيِّ لِمركزِ كلّ فلورانسا، قبل أن أخون العهد: فتحتُ الآيفون (أو «خاتم سليمان»، كما أسمِّيه) كطالبٍ يغشُّ في امتحان!...
لاحظتُ بسعادة أن شبكة الواي فاي (اللاسلكيّة) تَصل إلى قلب المعموديّة: داخل الكاتدرائيّةِ كاتدرائيّةٌ كونيّةٌ رقميّة! أستطيع إذن أن أتنفّس! المجد للإنسان، المجد للحياة!...

يقول الموقع الذي ترجمها لي: «أنا الشمس، عجلةٌ يحرِّكها النار، حشرجتُها تطرد الكُرات».
يُضيف الموقع: منها استلهمَ دانتي عبارته الأخيرة في فصل «جنّات» من ملحمته الخالدة: «الحبّ الذي يُحرِّكُ الشمسَ وبقيّة النجوم».

أتصالحُ من جديد مع الكاتدرائيات الرقميّة ومع كلِّ من هجرته، بفضل هذا الحب الذي يطفح من قلب مركز هذه المدينة الفريدة!...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق