الاثنين، 15 يوليو، 2013

شعراء اليمن الحزين يحنّون إلى عدَن المفقودة


شعراء اليمن الحزين يحنّون إلى عدَن المفقودة
حبيب سروري

«خفقات المدينة» مفهومٌ أطلقهُ بعض الباحثين في الجغرافيا الرقميّة. فكرتُه: أخذُ صورةٍ فوتوغرافية دقيقة لخارطة جميع الأماكن الجغرافية التي تُبعثُ منها الإس إم إسات، في أي مدينةٍ، في لحظةٍ زمنية محددة.
تعطي هذه الخارطة الجغرافية معلومات غنيّة عن الحالة الراهنة للمدينة، اتجاه حركاتها وسكناتها، كثافة بؤرات تجمّعاتها البشريّة، مناطق حشرجاتها وتشنّجاتها، لحظات احتدام تفاعلاتها ورغباتها...

قد يأتي اليوم الذي تصلُ فيه تلصصيّةُ الشركات الهاتفية الدوليّة إلى ذروتها: البحث عن استيعاب محتوى نصوص إس إم إسات هذه الخفقات، عبر تحليلٍ لغويٍّ مباشر يقوم به الكمبيوتر. لعلّ ذلك سيُجلي بشكلٍ فوريّ مكنونَ همومِ المدينةِ وحالتِها النفسيّة، بعضاً من أسرارها ومما يختلجُ في وجدانها من أحاسيس...

أو لعلّ تلك الشركات لا تحتاج إلى ذلك: ثمّة نصوصٌ مكشوفةٌ للجميع، يمكن تسميتها «خفقات فيسبوك المدينة»: ما يكتبهُ أصحابُ صفحات فيسبوك على حوائطهم، في لحظةٍ زمنيّة محدّدة. صارت هذه النصوص المباشرة الغنيّة التفاعلية مائدةً دسمة تشرح، بدقّةٍ وجلاء، معانات الناس وأوضاعهم المعيشية وحالاتهم النفسية ورغباتهم وما ينوون عمله...

من يحاولُ قراءة خفقات فيسبوك المدينة عبر تصفّحِ منشورات «أصدقائه» (الذي يصل إلى عدة آلاف أحياناً!) سيتوهُ سريعاً، لأن «المدينة» من وجهة نظر فيسبوك: مقهىً بحجم الكرة الأرضية. سيقرأ مثلاً منشوراً لصديقٍ مصريٍّ يشكو من الأرق، يتبعه آخر لِصغيرةٍ فرنسية سقطت فوق بنطلونها قطرة دهن تسأل جميع أصدقائها في العالَم كيف تُزيلها، يتبعهُ منشورٌ لِشابٍّ سوريٍّ يعرض صوراً كابوسية لِجمجمة قريبهِ الذي استشهد برصاصة «شبّيح» تحسّنتْ مقدرتُهُ على التصويب المليمتري، بعد عامين من القتل اليوميّ...

الجميعُ يثرثر على الفيسبوك، غير أن نزيفَ ثرثرةِ فيسبوكِ الشعوبِ التي تهرول نحو الهاوية أكثر دفقاً وانزياحاً وحرارة. ثرثرةٌ ممتعة أحياناً: كي يكسب المنشور قرّاءً ويعلو ثمنُهُ في بورصة «اللايكات» يلزم أن يكون جذّاباً، جليّاً، مثيراً، كثيفاً ومُركّزاً... مَن أفضلُ من الأدباء، والشعراءِ خاصّة، في كتابة ذلك؟...

لِذلك: لِقراءة خفقات اليمن اليوم ليس هناك أفضل من التنقل السريع في صفحات فيسبوك شعرائها، لا سيما في بداية العشر الأواخر من شهر مايو ٢٠١٣. ناهيك عن أن بعض شعراء اليمن يُقضّي يومَهُ وليلتَه يضخّ مناشير (مسودّات شعرية في الغالب) على فيسبوك. سوقُ بورصة «لايكات» بعضهم عامرٌ جدّاً...
حاولتُ أن أقوم بشكلٍ يدويّ بِدورِ برنامج كمبيوتر يقرأ خفقات اليمن من خلال عبور صفحات بعض شعرائها، خلال بضع دقائق...

بدأت بالشاعر أحمد العرامي. عن علاقته بالفيسبوك، كتب قبل يومين:
لا أملكُ شبراً / ـ في هذا الكونِ/ المنفوخِ كجثة مسؤولٍ لص ـ/ وطني بضعةُ (ميجا بايت) في فيس بوك،/ لا أملك إلا هذا الحائط فيه.../ أغسله كل صباح مثل الفرو...
وكتبتْ القاصّة شيماء باسيد في نفس اليوم تقريبا:
عيني تؤلمني جدا منذ حوالي شهر مضى!يقول الطبيب: السبب هو الفيسبوك./ وأقول أنا: بل إنه قبح الواقع!

الحقُّ أن كل يومٍ في هذه العشر الأواخر من شهر مايو المبارك يصادف مناسبةً وطنيّةً تقريباً: ٢٠ مايو (اتفاقية الطائف)، ٢١ مايو (فك الارتباط بين الشمال والجنوب)، ٢٢ مايو (الوحدة اليمنية)... 
معروفٌ أيضاً أن زيادة عدد المناسبات الوطنيّة في أي بلدٍ يتناسبُ طرديّاً مع سرعة انهيارها. ذلك صحيحٌ جدّاً فيما يتعلّق بمن قال عنها شاعرها العظيم عبدالله البردونيمليحةٌ عاشقاها السلُّ والجربُ». والمناسبات الوطنيّة أيضاً. (في كلِّ واحدةٍ منها تتدحرجُ خارطةُ اليمن بشكلٍ أو بآخر).

أحمد العرامي، على صفحته قبل يومين: «ارفع رأسك أنت يمني»/ أمك الجغرافيا الأرملة/ وأبوك الصداع
وفتحي أبو النصر: 22 مايو/ ليس سوى،/ قسم شرطة،/ بجوار إتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين!

المنشوراتُ الشعريّة الفيسبوكية اليمنيّة الطائرة تحاول أن ترتفع بصعوبة إلى مستوى سيريالية الواقع اليمني اليوم الذي لعلّ أطزج أخباره:
٣ طائرات عسكرية (آخرها قبل أيّام) تسقط خلال الأشهر الماضية فقط في وسط صنعاء (مشاكل صيانة، حسب التفسير الرسمي). لو كتب روائيٌّ ذلك في نصٍّ سرديٍّ لاعتبره القارئ من مبالغات الخيال الزايدة على اللزوم.
٦٠٠ شخص يجتمعون منذ أكثر من شهرين، ولمدّة ستة أشهر، في منتجعٍ سياحي (فندق الموفمبيك بصنعاء) يمثّلون مسرحيّة يعترف الجميع (سرّاً أو علناً) أنها كذلك. اسمها: مؤتمر الحوار الوطني. بدأ مؤتمرهم بهذه العبارة الخالدة للرئيس: «واللي معجبوش يخرج من الباب» (لم يغادر أحدهم بالطبع من بابٍ أو من نافذة!). 
يستلمون مقابل توقيع حضورهم اليوميّ مبلغاً يوميّاً يساوي أكثر من ضعف راتبٍ شهريٍّ للموظف اليمني. كلّ ذلك وسط شعبٍ يتضوّر حولهم بطالةً ومرضاً وجوعاً، تنقطعُ كهرباؤه معظم الوقت... وعلى مقربةٍ من موقع اغتيال شابّين (حفيدي الشاعر الكبير لطفي جعفر أمان، والإعلامي جمال الخطيب) لأنهما تجرّآ، قبيل أيّام، العبورَ بسيارتهما قرب حفلة زواج قبليٍّ لأحد أبناء شيخٍ سلفيٍّ عضوٍ في مؤتمر الحوار!...

يضع نبيل سبيع، قبل يومين، على حائطه أبياتٍ لعبد الكريم الرازحي تتناغم وسيريالية اليمن المعاصر:
أخاف من وطنٍ/ فيه الدبابات أكثر من الحمام/ وفيه أرغفة الأكفان الذريّة/ طازجةٌ أكثر من أرغفة الخبز
ثم يضيف نبيل منشوراً يقول فيه:
الحزن / ليس شعورا/ ولا دمعة/ ولا جرحاً/ ولا شخصاً مثخناً/ وليس حزناً حتى/ إنه كل هذه الأمور / التي تسمى مجتمعة:/ بَلَــــد!

أحمد العرامي الذي فُصِل من الجامعة التي يُدرِّس فيها قبل أيّام، وهُدِّد بالقتل، لمجرّد أنه درّس طلبتَه روايةً يمنيّةحُرمة»، لعلي المقري) اعتبرها رئيسُ تلك الجامعة فاجرة، يلجأ ل«بيته» على الفيسبوك ليكتب هذه الأبيات:
الأرصفة غبية/ والسماء تبدو كحذاءٍ مقلوبةٍ،/ وأنا كوردة تسعل في الزحام/ لا أحد يتنكر لي/ لا أحد يعرفني/ لا شجر في ذاكرتي/ ولا فأس في الخريطة/ لا شمس في يميني/ ولا قمر لدى اليساريين...

الحزن، لا شيء غير الحزن، يملأ حوائط فيسبوك شعراء اليمن. الحنين أيضاً... الحنين لماذا؟ لِمدينةٍ فاضلة، اسمها عدَن: جنّة ضائعة عرفت فيها اليمن ذات يومٍ شيئا من المدنيّة والحياة الكريمة والقانون والمساواة.
أكثر من شاعرٍ يؤلّه ذكريات عدَن (رغم شناعة حروبها)، نمطَ حياتها. لاسيّما مبارك سالمين الذي تمتلئ صفحات فيسبوكه بقصائد عن عدَن:
البهية في مساجدها وكنائسها ومعابدها/ البهية في عذراوات حواريها وأغانيها/ البهية في أذان المنارات/ في صناديق الإقراض.../ البهية في الآهات/ البهية في الوجد/ البهية في الأشجان/ البهية في الطوابير الحميمة وغناء الطيور/ في محطة الباصات/ البهية في البارات

بين الحزن على يمنٍ يحتضر، والحنين إلى عدَنٍ مفقودة، استرعتني تراجيدية قصيدة «الفتى عبد الرحيم» لأحمد علي عبد اللاه الذي يحكي فيها قصّة ذلك الفتى الذي كان ابن المدِّ الثوري في عدَن، «فنار الاشتراكية العلمية» في سبعينات وثمانينات العالم العربي، ثمّ تحوّلَ تحت المدّ السلفي الظلامي (بعد غزوة ١٩٩٤ التي اجتاحت عدَن وحوّلت جنوب اليمن إلى «غنيمة حرب» للقبائل المنتصرة) إلى إنسانٍ آخر: مهووسٍ بمجيء المهدي المنتظر!...

 حلَمَ عبدالرحيم ذات يوم (أربطوا أحزمتكم جيّداً!) أن السماء تطلبُ منه أن يغتالَ ابنَهُ الأكبر، قبيل صلاة الفجر، ليصيرَ عبدالرحيم بفضلِ هذهِ الأضحية الإبراهيمية: المهدي المنتظر!...
هكذا، عند أذانِ فجرٍ دامسٍ لعين، في منتصف تسعينات جنوب اليمن الصريع، أيقظَ عبدالرحيم ابنَهُ الأكبر ليأخذه لِصلاة الفجر في المسجد المجاور لبيته، قبل أن يضعَ في جمجمته، قرب باب المسجد، رصاصة عمياء!...

لم تتوقّف أصداءُ نزيف ذلك اليوم التراجيدي عن رجِّ بيوت جيران عبدالرحيم والشوارع المتاخمة لهم، حتّى اللحظة.
السبب: يصحو عبدالرحيم كل يوم، قبيل أذان الفجر مباشرة، إثر كابوسٍ يداهمه بعنفٍ وضراوة، يصرخ حينها بنداءات باكية مرتعشة (تهزّ أصداؤها الشوارع، قبل أن تختلط بأذان المساجد وتذوب فيها) يناجي بها ابنَهُ الغائب الذي رحل وتوغَّلَ بعيداً في أرض كباش إبراهيم ومعارك المهدي المنتظر:
كل يومٍ يصحو الفتي عبدالرحيم قبل الأذان/ لِيزلزلَ الأرضَ القريبةَ صوتُهُ/ فتضجُّ أصواتُ المآذن حولَه/ لا صوت يعلو فوق أصوات الدعاء!...

سقط الطفل الأول للفتى عبدالرحيم هكذا ضحيّةَ توغُّلِ الأفكار الظلامية في حياة اليمن المعاصر... ثم تقدّمَ الزمنُ «في خريفٍ واحد» ليحينَ موعد سقوط الابن الثاني، وتتضاعف تراجيدية «الشيخ» عبدالرحيم، بشكلٍ جديدٍ لا يقلُّ كارثيّة:
تمضي سنينٌ في خريفٍ واحدٍ/ والأرض تسقطُ شهوةً حمراء في زحف الجنود...

يسقط الطفل الثاني لعبدالرحيم هذه المرة ضحية جنود طاغيةِ اليمن الغاشم وهي تطلق النار على شباب الحراك السلمي في جنوب اليمن، عند بدء انتفاضتهم الثائرة ضد نظامِ «الثعبان»، صالح. تسردُ القصيدة سقوطهُ المرّوع بإيقاعٍ «مطرقيٍّ» متسارع:
والأرض جمرٌ من سعار رصاصهم/ هذا قتيلٌ آخر/ دمَهُ الطريّ تنالهُ أقدامُهم....../ سقط الصبيّ/ كلُّ الرصاص هوَتْ عليه.../ عبدالرحيم يئنُ فوق صبيّهِ/ حملَ الرُّفاة...

خلاصة القول: خفقات اليمن كما تبدو في مرآة صفحات شعرائها على الفيسبوك أنغامٌ حادّةٌ تصمُّ الآذان، وإن لم ترتفع بعد ربما إلى مستوى سيريالية اليمن المعاصر!...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق