الثلاثاء، 23 يوليو، 2013

شهر المسرح والسباحة والغفران


شهر المسرح والسباحة والغفران

(منشورات فيسبوكية رمضانية)

حبيب سروري


«رمضان شهر المسرح والسباحة والغفران» (كما يقول أصحابي بمختلف ميولهم الثقافية أو الرياضية أو الدينية).

=====
بدأت العشر الأواخر من شهر يوليو، شهر مهرجان المسرح في أفينيون.
١٣٠٠ مسرحية في شهر واحد، تحدثت عنها في المقال اللي ظهر في القدس.

خواتمه العشر تتكهرب ثقافيا...
بعض المسرحيات يستحيل حجز مقعد فيها بعد دقائق فقط من فتح باب الحجز بإنترنت في بداية شهر يونيو...

الحل: أن تتحول إلى "كاميكاز ثقافة"، تأتي في طابور قائمة الانتظار ٣ ساعات قبل الجميع، على أمل مقعد لم يأت صاحبه.
مسرحية صبح، مسرحية ظهر، مسرحية ليل: أفضل علاج لرماتيزم الروح...

خواتم وسلوس مباركة للجميع!
=====

صديق طيب أعرف حسن نواياه، وأعرف أنه لا يقرأ أيضاً...
يقضي يومه يسب كلمة العلمانية (كلمة الشيطان المفضلة، كما قال)...

سألته البارحة: من كل دول الشعوب المسلمة ما هي الدول التي تحب أن تكون نموذجك؟
قال: تركيا وماليزيا، تركيا وماليزيا، تركيا وماليزيا...
(وظل يرددها حتى ظننت أنه سيطلب جنسيّتها)…

قلت له: رائع جداً. بس، هما الوحيدتان من كل دول الشعوب المسلمة التي ينص دساتيرها على أنها "دول علمانية".
تركيا سبقت في علمانيتها كثيرا من دول الغرب.
وقانون ماليزيا هو القانون الانجليزي المدني.

خلاصة القول: نجحت تضليلات الظلاميين بخربطة العقول كلية في واقعنا، ساعدها عدم القراءة أيضاً...
=====

أكثر الأشياء التي تذهلني في واقعنا العربي عامة، واليمني خاصة، هي التضليلات السلفية حول مفهوم العلمانية.
يقدم هذا المفهوم ككابوس بينما هو أروع وأنقى ما وصل له الإنسان الحديث.
بإمكان المرء أن يكون يساريا أو يمينيا، ويكون علمانيا في نفس الوقت.
بإمكانه أن يكون مؤمنا، غير مؤمن، ملحدا، متصوّفا… وعلمانيا في نفس الوقت.

هو فقط مبدأ الفصل بين السلطات السياسية، المالية، الدينية، القضائية، التعليمية
هو فقط إحترام الآخر أيّاً كانت معتقداته الفكرية، الدينية

بفضله استطاعت الشعوب التطور...
لذلك صار اليوم أحد القيم الإنسانية الكبرى: الحرية، المساواة، العلمانية

استدراك: صوّت الجميع في مؤتمر الحوار الوطني على أن "دين الدولة الإسلام".
ذلك ما طالب به الزنداني أيضاً
أي أن الدولة اليمنية دولة دينية.
(كل ما عدا ذلك تمثيل مسرحي هزيل)…

=====
يعرف الجميع أن أكثر الدول المتطورة واللي غالبية سكانها من المسلمين هي: تركيا وماليزيا.

لكن ما بجهله الأغلبية هو أنه مش مكتوب "دين الدولة الإسلام" في دساتيرها (مثل كل الدول العربية، بدون استثناء).
لكن مكتوب في دساتيرها بالحرف الواحد أنها "دول علمانية"...

لذلك فالتخويف الذي يحيكه الظلاميون من كلمة "علمانية" هو لضمان بقاء تخلفنا وهيمنتهم على حياتنا، لا غير...
كل تحياتي
=====

بعيدا عن النفاق الذي يفتك بحياتنا:
لا علاقة بين الدولة المدنية، والدولة اللي في دستورها "الإسلام دين الدولة".
في الثانية "الرجال قوامون على النساء". في الأولى: لا!

في الثانية "للذكر مثل حظ الانثيين" في الميراث... في الأولى: لا!

في الأولى تتعلم العلم بطريقة عقلانية بدون أن يتدخل فيه الدين. تتعلم مثلا كيف نشأ الكون من وجهة نظر الفيزياء: البيج بونج... ترى بالصورة الآتية من التلسكوبات عندما كان الكون بدون مجرات، قبل ١٣ مليار سنة وقليل، ظهور شيخه المجرات بعد ذلك، مجرتنا التي تشكلت قبل حوالي ٥ مليار عام
في الثانية تتعلم أن الله خلق الكون في ستة أيام واستوى على العرش في اليوم السابع

في الأولى تتعلم نظرية النشوء والارتقاء لتفسير ظهور الحياة البشرية. في الأولى كل شيء بدأ بعد قصة التفاحة وآدم وحواء

ممكن أواصل كتابة عشرة ألف فرق بين الأولى والثانية
كل تحياتي للجميع
=====

أتت ثورة ٣٠ يونيو لأن القوى المدنية في مصر رفضت دوما الحوار مع الإسلاميين والسلفيين وقوى الخراب.
وصلنا في اليمن إلى بؤس الاختيار بين تفاهات مثل: "اللغة العربية لغة الشعب أم لغة الدولة" "الإسلام دين الدولة أم دين الشعب"؛  (وسخافات كثيرة من نفس النوع)، 
بسبب مهزلة مؤتمر الحوار الوطني الذي هو نتيجة اللعنة الكبرى: الحصانة لصالح، محسن، عيال الأحمر وكل من دمروا حياتنا...
=====

حرية الضمير:

أسمع أن ممثلي مسرحية الموفامبيك في جدل حول مصطلحين: "دين الشعب" و"دين السلطة".

كلا المصطلحين تافهٌ جدّاً، لم يعد يُستخدم إلا في الدول غير المدنية التي تريد الحفاظ على تخلفها.
الاختيار بينهما هو إختيار بين التخلف والتخلف.

(لمن هم من خارج اليمن: بمسرحية الموفامبيك أقصد "مؤتمر الحوار الوطني"، الذي يكمل غداً شهره الرابع، والذي افتتحه الرئيس بعبارته الخالدة: "واللي معجبوش يخرج من الباب").

في دساتير كل الدول المدنية هناك كلمتان تحل إشكالية علاقة الدين بالمواطن: "حرية الضمير".
(في دساتير كل الدول بما فيها تركيا التي على رأسها حزب أردوخان الذي قال وهو في مصر قبل أقل من عامين: "أنا علماني وافتخر"، والذي لا علاقة له سياسيّاً بمرسي، رغم أن تركيا الحديثة تجاوزته هو أيضاً)

احفظوا هاتين الكلمتين، تذكّروهما، طالبوا بهوس بدخولهما دستور اليمن ودستور أي دولة عربية.
نحتاج لهذه العبارة الدستورية المدنية لا غير: "دولة اليمن تضمن لمواطنيها: حرية الضمير".
لا مدنيّة وحرية للتفكير والعقل والتعليم والأبحاث بدون هاتين الكلمتين!
فيهما تلخيص لحلٍّ عصريٍّ تجاوزت بفضله الشعوب اليوم قروناً من الصراعات والحروب.

ماذا تعني هاتين الكلمتين؟
تعني أن تؤمن بالدين الذي تريده، أن تغيّر دينك إذا أردت، أن لا تؤمن بدين إذا أردت
أي أن تكون حرّاً في تفكيرك ومعتقداتك...
هناك احترام متساوٍ للجميع.

لا يوجد احترام للدين أكثر من إحترامه في الدول العلمانية.
يحصل لي مثلاً، هنا في فرنسا، أن أمرّ بالسيارة مع خروج المصليين، في بعض الجُمع، من جامع في الطريق إلى موقع عملي.
كتيبةٌ من القندهاريين تخرج بنفس الملابس والهيئات الطالبانية، تعبر طريق السيارات الرئيسي، دون أن يضايق ذلك أحد، طالما الأمر فيه ممارسة طقوس دين بحريّة (وليس تفجير قنابل).
القانون يضمن لهم ذلك، ولا توجد قوّة بإمكانها تغيير ذلك...

أعرف بعض هؤلاء: كلهم سعداء بممارسة دينهم بدون خطب تأتي مكتوبة من وزارة الأوقاف، بدون تدخل سياسي مقنّع بالدين، بروحانية نقيّة خالصة، بعلاقات تخلو من نفاق علاقات الدين في مجتمعاتنا العربية، وبأئممة يختارونهم بأنفسهم لجودتهم ومقدرتهم… 
أحدهم أعرفه شخصيّاً جداً: ملاك
يتأمم بالجميع غالباً

لا أحد من هؤلاء مستعد للرجوع إلى بلده العربي، حيث الدين "دين الشعب" أو "دين الدولة"، لأنهم أكثر حريّة وهم يمارسون طقوسهم بدون نفاق، في دولة علمانية كفرنسا.

في اليمن (مثل أي دولة عربية)، نصف أصدقائي متديّنون ونصفهم غير مؤمنين، لكن هؤلاء لا يعلنون عن ذلك بسبب الخوف والنفاق العام

النفاق يصل أحياناً إلى قمم أسطورية: كنت مدعوّاً للغداء يوم جمعة في بيت صديق عزيز في اليمن في نهاية التسعينات. كان معه أيضاً صديقان عزيزان.
كنّا في الديوان… أراد أصدقائي الثلاثة الذهاب لصلاة الجمعة.
أستغربت كيف تديّنوا بين عشيّة وضحاها، لأنهم غير مؤمنين كما أعرفهم منذ عقود

خلعت استغرابي بسرعة، لأني لاحظت صديقي صاحب البيت يلبس قميص صلاة الجمعة مثل الصديقين، يُخرج من خانةِ مكتبه قنينة ويسكي يغلفها كيس-نقاب (كلمة: "نقاب" على وزن "نفاق")، يجر بقية الأصدقاء للغرفة المجاورة لشرب كأس ويسكي سريع سيسمح لهم بمواجهة المسجد "بجرأة وروحانية"، في الوقت الذي كان المؤذن يصرخ بأذان صلاة الجمعة، في مدينة مِسكينةٍ ممحونة، هناك إصرار فيها على اختيار أنكر الأصوات لأداء الأذان

ذهلتُ جداً من سلوك ثلاثتهم، وما زلت إلى اليوم، من النفاق العام المرتبط جذريّاً بمفهومي "دين الشعب" و"دين الدولة". سيّان!…

استدراك: أعرف أن هذا البوست لن يقرأه أحد تقريباً، مثل بوست كتبته قبل شهرين حول حول عبارة "فصل السلطات"، لم يتفاعل معه إلا إثنين: سامي عطا وفيصل سعيد فارع!
=====

أفهم شخصيا أن تاريخنا القديم كان تاريخا دمويا مرعبا!
(٣ من الخلفاء الراشدين الأربعة قتلوا بشكل مرعب: عمر بالخنجر بالبطن، عثمان قطّع بالسيف، علي بالسيف). كل ما لحق: الحسن، الحسين، الزبير، عبدالملك بن مروان... كان غالبا على نفس الإيقاع.
القائمة الطويلة تصيب من يقرأها بدوار لن يستطيع التخلص منه.
القائمة القصيرة (موجودة في صفحة عبدالله رفيق) أيضاً...

أفهم ذلك، لأنه كان في عصور أخلاق القرون الوسطى: العبودية كانت حينها تمارس في وضح النهار لم يحرمها أي دين سماوي، بيع وشراء الجواري أيضاً، الغزو والنهب والانتقام شريعة الحياة...

لكن أن يظل القتل منهج حياتنا إلى اليوم ونحن في القرن الواحد والعشرين، أن نعيش عصر "حروب صلاة التراويح" كما حدث قبل أيام في صنعاء، أن يحدث ذلك في عصر حقوق الإنسان فهذا ما لن أستطيع استيعابه أبدا...

=====

قبل السفر للإجازة عبرت شوارع عربية في أحياء بيل فيل في باريس.
نفس الأجواء العربية الرمضانية. الناس فاترون متجمدون في المقاهي بانتظار الفطور...
الفرق الوحيد أنك عندما ترى خمسة في نفس الطاولة تجد ثلاثة صائمين، واحد يشرب شاهي، والخامس بيرة أحيانا...
تعايش راقي، واحترام خالص لمزاج كل واحد، بدون نفاق...
عقبال هذه الروح التعددية غير المنافقة في كل مكان!...

Envoyé de mon iPad





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق