الجمعة، 22 مارس، 2013

في مديح رأس أبي العلاء


في مديح رأس أبي العلاء

((وُلِد لسوءِ الحظِّ في أمّةٍ غافلة، لم تُدرِّس كتبَهُ في مدارسِها وجامعاتِها، لم تحتفلْ به، لم تُشيّد تماثيلَهُ في أبواب الجامعات وفي أعلى الهضاب...
لم تلتفِت لِمشروعهِ لحظةً واحدةً على الأقل!...
ما أحمقها: لو صعدَتْ على كتفيهِ السامقين لَرَأتْ أبعدَ وأفضل... لَشاهدَتْ ما وراء السياج، ما وراء الأفق!...))

تستهلُّ روايتي »تقرير الهدهد» (دار الآداب، ٢٠١١) بهذه الكلمات حديثَها عن أبي العلاء المعري (٩٧٣-ـ ١٠٥٨)، بطل الرواية ومحورها. تحتفل به، وتتمنى ضمنيّاً أن لا يتأخّر اليوم الذي »تُشيّدُ فيه تماثيلُهُ في أبواب الجامعات وفي أعلى الهضاب»...

مفارقة المفارقات: من كان يتوقّع، بدلاً من ذلك، أن يرى ثورات ربيعنا العربي العظيم تحزّ رأسَ تمثالهِ الوحيد، في عقر دارِه، المعرّة؟
يلزمُ وقتٌ طويلٌ لهضم ذلك، وكثيرٌ من الأسى والخيبات!...

فإذا كان الشاعر الإيطالي دانتي (١٢٦٥ ـ ١٣١٢)، صاحب القصيدة التاريخية: »الكوميديا الإلهية» (التي استلهمها من بنية ومواضيع »رواية الغفران»: الجزء الأهم من »رسالة الغفران») هو الجسر الذي نقل أوربا من فكر حضارة الإغريق نحو الحداثة
من قصيدة دانتي انطلقت فنون عصر النهضة وآدابها، قبل دانتي: الإغريق، وبعدهُ: العصر الحديث»، على حدّ تعبير فيليب سوليرس في كتابه: »الكوميديا الإلهية»)، فأبو العلاء أولى بامتياز بأن يكون جسرَ عبورِنا نحو الحداثة والمستقبل.

كتاب دانتي الذي يصفُ رحلتَهُ إلى الجنّة والنار مع الشاعر اللاتيني فيرجيل (على غرار رحلة ابن القارح إليها) ويسردُ حواراته فيهما مع شخصيّاتٍ ميثولوجية وتاريخية أوروبية شهيرة (على غرار حوارات ابن القارح فيهما، وهو يتقمّصُ شخص أبي العلاء، مع كثيرٍ من أدباء وعظماء الجاهلية والإسلام) جوهريٌّ مركزيٌّ في الثقافة الغربية: »جوهرة الفنّ الأوربي»، كما يقولون.
يُدرَّسُ في المدارس، يُصغى له على الدوام، ويُستلهمُ في استنطاق أدباء ومفكري وفناني الحداثة من رامبو إلى هيديجر، مروراً ببيكاسو وموزار...

أما أبو العلاء المعري فيعاني من تعتيمٍ دام عشرة قرون، ومن عدمِ جرأتنا على دراسة أعماله ووضعها في الواجهة
هو، مع ذلك، مفتاحُنا لِعصر العقل والحداثة الذي أخفتهُ عنّا قرون الانحطاط. بِقراءةِ ودراسةِ أعمالهِ الخالدة نستعيذ من الفكر الظلاميّ وننطلقُ نحو الإشراق والمستقبل.

إذ يكسرُ أبو العلاء في »رواية الغفران» كلّ المسلمات الظلامية التي راكمتها في أدمغتنا قرون عصر الانحطاط التي تلتْ عصره
يُهدِّمها بالتخييل العبقري الذي لا يتكّرر مثيله في حياة البشرية إلا مرّة كل عشرة قرون، بالكلمة الذكيّة، بالسخرية، بالشعر!...
بالميتافيزيقيا يُحرّرنا أبو العلاء من سطوة الميتافيزيقيا على تفكيرنا وحياتنا (١)، وكأنّ »وداوني بالتي كانت هي الداءُ» ستظلُّ بيلسان الشعراء الخالد.
بالبرهان المنطقي والتحليل العقلاني ينسف أبو العلاء في رواية الغفران كل مسلّمات الظلاميين التي تمنع التفكير وتضمن لنا البقاء في عصور الانحطاط...

يُحرّرنا من كل ذلك بشكلٍ راقٍ أنيق: يكفي التمعّن مثلاً بجحيم أبي العلاء التي تبدو في »رواية الغفران» أشبهَ بِسجن رأيٍّ كونيّ، يسكن فيه أعظم شعرائنا ومفكّرينا (٢). 
يكفي قراءة حوارات ابن القارح (الذي يتقمّص أبا العلاء أثناء ذلك) مع كبار أدبائنا وعظمائنا في الجحيم، طريقة دخول ابن القارح الجنّة، حواراته المختلفة مع أدباء يعيشون في جنّة الملذات ونوم العقل... لإدراك القوة التحريرية للتخييل والعقل في هذا العمل الخالد لِفيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة.

كم أُفضِّلُ جحيمَ أبي العلاء على جحيم دانتي المملوءة »بالضفادع والأرواح المهشّمة»!... ثمّة روحٌ نقديّةٌ جبّارة كم نحتاج لها اليوم، وعبقرية لا تضاهيها عبقريّة في كلِّ تفاصيل »رواية الغفران» التي لم نمتلك بعد الشجاعة في دراستها والإبحار نحو آفاقها البعيدة...

ثمّ هناك »اللزوميات» أيضاً: ديوانٌ انسكلوبيديٌّ من ١٠٩٦٠ بيتاً، خاض فيه أبو العلاء حرباً جبهويّة مع الظلمات، وقدّم خلاله فلسفةً ورؤيةً وجوديّةً واخلاقيّة كاملةً (يمكن تلخصيها بكلماتهِ الأربع: لا إمام سوى العقل) ارتفعت، وهي في القرن الحادي عشر، إلى ذروة ما عرفته الفلسفات الأوربية في القرن السابع العشر، لاسيما إلى مصاف أطروحات الفيلسوف الفرنسي باسكال (٣)!...

لذلك يظلُّ أبو العلاء على الدوام خصم من لا مشروع لهم غير: »لا إمام سوى العنف»، عدوّهم الأوّل
يجدون في «رهين المحبَسين» بعبعهم الرئيس منذ أن أطلق عليه بعض كبار الفقهاء في عصره: «خليفةَ إبليس»، «أعمى البصر والبصيرة، كلبِ معرة النعمان»... مروراً بمنعهم لِكتبهِ وسبِّهم السوقيّ له الذي لم يتوقّف منذ عصرِه حتّى اليوم، وانتهاءً بسفك دمِ تمثالهِ اليتيم في معرة النعمان، قبيل أيّام!...

على صعيد واقعنا الثقافي، يتبوأ أبو العلاء موقعَ رأس الأركان في الحرب الروحيّة الأزليّة الأبديّة بين الظلمات والأنوار: فصاحب »لا إمام سوى العقل» لم يوارب يوماً في جدلهِ مع الفكر الظلامي. أفكارهُ ديناميتٌ ينسف مداميك ذلك الفكر بشكلٍ لا نفاق فيه أو مساومة.
وما مُورس في حقِّ أبي العلاء من عنفٍ وتعتيم، منذ حياته وحتى اليوم، هو جزءٌ من سُنَّةِ الحرب الدائمة بين النور والظلمات »الحرب الروحيّة لا تقل عنفاً عن المعارك العسكريّة»، كما قال شاعرٌ عبقريٌّ آخر، أرثور رامبو، في فصلٍ في الجحيم».

غير أن التراجيديّ فيما حصل لِتمثال أبي العلاء هو أن الجلاد الذي قطع رقبتَه جاء من داخل قوى الثورة السورية على نظام بشّار الأسد الديكتاتوري!...
يُجلي ذلك مدى تعقيد ثورات الربيع العربي التي لا تواجه قوى الأنظمة الديكتاتورية الظلامية فحسب، لكن قوىً سلفيّةً ظلاميةً جهاديّة تسلّلت إليها، تأخّرنا كثيراً في مواجهتها وفي فتح ملف الجدل مع كلّ مسلمّاتها ونواميسها ولغتها التكفيرية العنيفة...

لعله حان الوقت الآن، بعد سقوط جدران الخوف بفضل ثورات الربيع العربي، لأن نفتح باب الجدل على مصراعيه مع الفكر السلفي بكل أنواعه واتجاهاته.
مفتاحنا: خصمه النوراني الأول، أبو العلاء المعري!
لِنُدرِّس أعمالَه طلابَ مدارسنا وجامعاتنا، لنستلهمها في رؤيتنا للحياة وتفكيرنا وابداعاتنا!
لِنبدأ مشروعَهُ الخالد: لا إمام سوى العقل!
ولنشيّد تماثيلَ لأبي العلاء في أدمغتنا أوّلاً، وفي أبواب الجامعات وفي أعلى الهضاب!
ثمّ لِنصعدَ على كتفيه، كي نرى أبعدَ وأفضل، كي نشاهد ما وراء السياج، ما وراء الأفق!...

المراجع:
١) العلاقة بين التأمل الفلسفي والتخيييل: »رواية الغفران» أنموذجاً. حبيب عبدالرب سروري. الملتقى الدوليّ الخامس للإبداع الروائي العربي. القاهرة. ١٢ـ١٥ ديسمير ٢٠١٠.

٢) الجنة والجحيم في »رواية الغفران»، حبيب عبدالرب سروري. القدس العربي، ٩ نوفمبر ٢٠١٠.

٣) Les Impératifs, poèmes de l’ascèse. Edition bilingue. Ma’arrî. Traduits et commentés par H. H. Vuong, et P. Mégarbané. Ed. Sindbad, 2009.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق