الجمعة، 1 مارس، 2013

“سِفْرُ تكوين” جيفارا، بقلم جيفارا



سِفْرُ تكوين جيفارا، بقلم جيفارا (*)

حبيب عبدالرب سروري
في منتصف العامالثوري” ٢٠١١ (عام انطلاق الربيع العربي، وحركة الساخطين الأسبانيين) فاجأت إليدا جيفارا وابنتها العالَم بالإعلان عن نشر صحيفة مناضل”: 
يوميّاتٌ كتبَها زوجُها، تِشِي جيفارا (١٩٢٨ـ١٩٦٧)، ابتداءً من عشيّة ٢ ديسمبر ١٩٥٦: يوم رسو يختٍ مهترئٍ (جرانما)، في سواحل لاس كولاراداس الكوبية، حيث كانت قوى جيش ديكتاتور كوبا الفاسد، باستيا، مختفيةً تنتظر بفارغ الصبر وصول اليخت...

بين رُكّاب اليخت كان ثمّة شابٌّ أرجنتينيٌّ ماركسيٌّ في الثامنة والعشرين من العمر، مصابٌ بمرض الربو، شديدُ الجمال بَهِيّ الطلعة، اسمه ارنستو تِشِي جيفارا. 
رحّالٌ أيضاً. طاف، مع صديقٍ له، معظم دول أمريكا اللاتينية الثمانية عشر بالدراجة الناريّة. شاهد ولامس مآسي شعوبها وآلامها، ودور أمريكا الإمبريالي في السيطرة عليها وتقرير مصيرها، في سياق الحرب الباردة بين القطبين.
مغرمٌ بالتصوير الفوتوغرافي: ثمّة مَعارض صور متجوّلةً تطوف العالَم تحوي صور رحلاته كما أخذها هو نفسه. حققّ أحدُها نجاحاً ملحوظا في باريس في ٢٠٠٧.
في مركز اليخت: فيديل كاسترو. يرافقه ثمانون مناضلاً آخر (رُبعهم من خارج كوبا)...
أخفى أرنستو جيفارا بين حقائبه في اليخت ١٨ دفتراً كان قد خطّط أن يسرد فيها يوميّات هذه الرحلة الفريدة، تماماً مثل داروين وهو يسجّل يوميّات رحلته حول العالَم في سفينة بِيْجِل!...

لم يكن رسو يخت جرانما سعيداً: سحقت قوات باستيا حوالي ستّين ثائراً من ركَّابِه، ولجأ اثنا عشر من العشرين الباقين لجبال سيرا مايستيرا ليبدأوا منها كفاحاً مسلّحاً وحرب عصابات هدفها إسقاط نظام باستيا...
ملحمةٌ خالدةٌ اكتسحت أوسع أبواب القرن العشرين: بعد سنتين فقط انتصرت انتفاضة هؤلاء الاثني عشر على جيشٍ نظاميٍّ عاتٍ مدرّب، لديكتاتوريةٍ تيوقراطيةٍ راسخة، في قارةٍ لم تعرف غير الركوع لأنظمةٍ من نفس الطراز!

ما الذي يجعل المرء يكتب ليلةً بعد ليلة، في ضوء الشموع وتحت لعلعة الرصاص وضجيج المدافع وطائرات النابلم، يوميّات حياته وحياة رفاقه، بكل تفاصيلها الصغيرة: من الوجبات اليوميّة، التنقّلات البسيطة، القرارات الجماعية والآراء الشخصية، قوائم أسماء الجرحى والموتى، تحركات الجواسيس، البيانات الاحصائية للمعدّات والعتاد وحالات المؤن، الخطط التظيمية والعسكرية، العلاقة اليومية بسكّان القرى المجاورة وعسكر العدو؟...
ما الذي يجعلُ مصاباً بالربو يسردُ تفاصيل عامين من التسلّق في الجبال والهجوم على الثكنات، بالتزامٍ وإيمانٍ دينيّ، وبصوتٍ لا يعرف المدّ والجزر أو الشكّ والتردّد، إن لم تكن علاقة عشقٍ غراميّ مجنون بمشروع حياةٍ تبحث عن تجاوز نفسها كلّ لحظة، تتحدّى الموت بشجاعةٍ أسطورية؟
عشقٌ لِمشروعِ ملحمةٍ فرديّةٍ وجماعيّةٍ في نفس الوقت اسمها: الثورة. عشقٌ يُقدِّس كلّ ثانية تمرّ، يُخلِّد سيرتها التفصيلية في ذاكرته، في ذاكرة التاريخ والأجيال القادمة!...

مرّتْ حوالي سنتين من حرب العصابات، خطّ تِشِي جيفارا مذكراتها يوماً بعد يوم في دفاتره الثمانية عشر. تحوّل هذا الشاب الارجنتيني، الممحون بالربو، خلالهما من مجرّد طبيبٍ أجنبيٍّ جاء لعلاج المرضى، غير متعوّدٍ على المناخات الإستوائية، إلى ثاني أهمّ قُوّاد الثورة بجانب فيدل كاسترو.
قائد الكتيبة الرابعة (أو الثانية بالأحرى، لأن كلمة الرابعة، مثل الكتيبة، كان هدفها التمويه على العدو) بعد أن جذبت الثورة وانتصاراتها عدداً أوسع من الرجال والنساء.
قائد عملية عسكريّة خاطفة ناجحة في قلب هافانا في ٢٨ يوليو ١٩٥٨...

صنعتْ كتيبةُ تِشِي جيفارا (٣٦٤ ثائراً) لحظةَ النصر الحاسم للثورة الكوبية في معركتها الشهيرة في مدينة سانتا كلارا في نهاية ديسمبر ١٩٥٨، حيث واجهت جيشاً يضربها بالطائرات خلال ثلاثة أيّام، يتكوّن من ٣٢٠٠ مقاتلٍ عسكريّ رسميّ...
في ٢٩ ديسمبر ١٩٥٨ تمكّن بعض ثوار الكتيبة (مسلَّحين بالبنادق وقنينات الحريق فقط، يقودهم تِشِي جيفارا نفسه، مهندسُ هذه العملية العسكرية التاريخية)، من الهجوم البطوليّ على قطارٍ عسكريٍّ مُدرّع، محميٍّ من قوات جيش باستيا: استولوا على كلّ معداته، واعتقالوا ٤٠٨ ضابطاً فيه!...
سقط نظامُ كوبا إثر هذه العملية التي دقّت ناقوس النصر النهائي: هرب باستيا وعائلته من كوبا بعد ساعات فقط من عملية القطار، وأُعلِن رسميّاً عن سقوط نظامهِ وانتصار الثورة الكوبيّة بعد ذلك مباشرة!...

كتب تِشِي جيفارا مذكرات سَنَتي سيرا مايستيرا يوماً بعد يوم، حتّى عشيّة سانتا كلارا.
إذا كان تِشِي قد كتب أيضاً يوميّاتٍ أخرى من حياته: “يوميّات الكونغوويوميّات بوليفيا(نُشِرَت قبل صحيفة مناضل بِعقود!)، ترتبطُ جميعُها بمراحل أخرى من حياته (عقب مغادرته كوبا بعد انتصار ثورتها ببضعة سنوات)، فــصحيفة مناضل التي كتبها خلال سَنَتي حرب العصابات تتمتّعُ بأهميّةٍ تاريخيّةٍ خاصّةٍ متميّزةٍ جدّاً:
صحيفة مناضل هي يوميّات الجذر، سِفْر التكوين، سيرة سنتين مَرْكَزيّتين انتقل تِشِي خلالهما من ماركسيٍّ مغمورٍ إلى أيقونةٍ أمميّةٍ خالدة. يمكنُ في طيّاتها قراءةُ جينوم شخصيّة تِشِي، وملامح سيرورة الثورة الكوبية.
 أمّا يوميات الكونغو وبوليفيا فهي يوميّات قائدٍ سياسيٍّ شهير يعرفه العالَم، ترك مناصب حكوميةً رفيعة تقلّدها (وزير، رئيس محكمة الدولة، رئيس بنك كوبا، واجهة كوبا في المحافل الدوليّة...) في سبيل مواصلة ثورته الأممية في أفريقيا أوّلاً، ثمّ في أمريكا اللاتينية، بِلهفةِ العاشق الأبديّ للثورة الدائمة ضدّ الإمبريالية، الذي نذر مشروع كلّ حياته لها، وليس للقبوع في مكاتب الوزراء أو التسكّع في مؤتمرات دبلوماسيّة دوليّة.

لعلّ التأخّر في نشر كتاب هذه المذكرات تحت أكثر من ذريعة، وحذف بعض عباراتها (باعتراف ناشريه ومركز دراسات تِشِي جيفارا!) من النصّ الكامل المنشور مؤخراً، يشرحان وحدهما ما تنطوي عليه هذه اليوميّات من معلومات هامّة تزعج الصورة الرسمية التي قدّمها النظام الكوبي عن نفسه. تكشف أيضاً بعضَ التفاصيل التي تُجلي موقف هذا أو ذاك من قادة كوبا، بطريقةٍ لا تنسجم مع رغباتهم بالضرورة.
في ثنايا هذه الصحيفة يمكن العثور على بورتريهشخصيّة البطلجيفارا، بأدقّ وأجلى معالمها الصغيرة. لِمفهوم البطلهنا تعريفٌ جيفاريٌّ خاصّ أسرَّ به تشِي لجمال عبدالناصر، سنعودُ له لاحقاً...

قبل الحديث عن مفهوم البطوليّ، يمكن ملاحظة أن أهم معالم شخصيّة تِشِي، كما تُجليها صحيفته، هو كونه روبوتٌ (رجُل آلي) ثوريّ: كلُّ نصِّهِ إيمانٌ ثابتٌ في منهج الثورة وحتميّة النصر، بمعنويّةٍ راسخةٍ لا يمسّها شكّ أو تساؤل
لن يجد القارئ في كلّ الكتاب عبارةً واحدةً تترجم الأحاسيس الداخلية لجيفارا، حزنَهُ أو فرحَه، خوفَهُ أو تردّدَه... ثمة روبوت ثورات لا غير، يسير إلى الأمام بنفس الروح والعزيمة، بنفس الصمت الأصم، لا يشكو من جوع، لا يبكي بالكلمات فقيداً أو يرتعش أمام منظرِ جريحٍ عالجَه.
روبوت لا يبحث عن صياغة عبارات فخرٍ عنتريّ أو حماسٍ هوميروسيّ، أو التغنّي بمنظر غروب شمسٍ شاهدَهُ في هذا الشاطئ أو ذاك، أو بحرٍ ومنظرٍ طبيعيٍّ مثير باغته في هذا الجبل أو ذاك...

ثمّ هو مهندس ثورات: كلّ الكتاب وصفٌ لوجيستيكيٌّ دقيق بالأرقام للمكان الذي يعبرُه ورفاقَه، لمواعيد كل حدث، لِكميّات المؤن ونوعيّة السلاح والعتاد، لدرجة الجوع والظمأ أو محتويات هذه الوجبة أو تلك، للمستوى التنظيمي والمعنويّ لِرفاقه...
يبدو من الكتاب جليّاً أن الثورة المسلحة مشروعٌ هندسيٌّ يتمُّ تشييدُه يوماً بعد يوم، بالأرقام، بالبيانات اللوجيستيكية الدقيقة، بتفصيل ميكانيكا حركة الثوار الجماعيّة في الزمان والمكان، بالرسومات التخطيطية المتناثرةِ في كتابهِ لتوضيح الهجوم على هذه الثكنة أو تلك...

تِشِي مُصوّرٌ فوتوغرافيٌّ في نصّ صحيفته أيضاً، هو الذي قال كنتُ مصوِّراً فوتوغرافيّاً قبل ان أكون قائداً عسكرياً!”: “صحيفة مناضل ليست أكثر من فيلم فيديو دقيق لنفس ذلك المصوِّر، بعدسة الكلمات هذه المرّة، تتنقّل من مكانٍ لمكان، من سفحٍ لسفح، من سلاحٍ لسلاح، من مناضلٍ لمناضل...
لا يتسلّل في هذا الفيلم استشهادٌ أدبيٌّ أو استعارة. لا تتسرّب فيه مقولةٌ فلسفيّة أو حكمةٌ ما. يخلو تماماً من الشِّعر والسرد الروائي. هو تصويرٌ سرديٌّ فوتوغرافيٌّ دائم. فيلمٌ خام يعبر المكان والزمان والإنسان، دون تعليقٍ باذخ. أشبهُ بِسلسلة برقيات مهندسٍ مِهنيّ، كلّ برقيةٍ منها قطعة فيلمٍ بعدسةٍ تحطّ في لحظةٍ ما، في مكانٍ ما، تعبرها بدقّةٍ ومهنية...

ثم تِشِي جيفارا، كما يبدو جليّاً في صحيفته، قاسٍ وإنسانيٌّ جدّاً في نفس الوقت. مبدأيٌّ بشكلٍ نَقيّ. صريحٌ لا يعرف الحسابات الشخصية أو المواقف الانتهازية
رفضَ دوماً على سبيل المثال، بشكلٍ مطلق وضد أي مبرّر، ممارسةَ الإعدامات والتعذيب للسجناء، لكنّه الوحيد الذي تجرّأَ أن يأخذ المسدس، هو نفسه، لقتل رفيقٍ خائنٍ (وشى بمجموعتهم، في الأشهر الأولى من سيرا مايستيرا، وكشف خططهم للعدوّ) بعد أن حكم عليه كاسترو ورفاقه بالإعدام ولم يتجرّأ أحدهم تنفيذ ذلك الحكم!
نوبةُ ربوٍ حادّة هاجمتني اليوم التالي!”، كما قال بتعبيرٍ مكثّفٍ يعكسُ الصراع النفسي للثائر المتصلّب في ممارسة مبادئه، والإنسانيّ جدّاً أيضاً في نفس الوقت!...

يسردُ تِشِي في صحيفته كلّ مواقفهِ بصراحة، يختلف مع هذا الرفيق أو ذاك، لا يعرف الحسابات السياسية في سلوكه كبعض القادة الآخرين
سيستمرّ سلوكه الصريح الحرّ هذا حتّى نهاية حياته. لم يتأنّ مثلاً بانتقاد البيروقراطية الناشئة في كوبا والامتيازات الماديّة للقادة الكوبيين. رفض رفع راتبه بعد أن صار وزيراً، وحرص على أن يظلّ دوماً بسيطاً ورعاً مناضلاً كما كان
لِمجمل ذلك قال سارتر عبارته الشهيرة: “جيفارا الإنسانُ الأكمل في الكرة الأرضية!”.
لم يتلكأ أيضاً (وهو القائد الشيوعي الأمميّ الشهير) باتخاذ موقفٍ ناقدٍ لقادة المعسكر السوفيتي وتجربته وبعض مواقفه. لم يكن تِشِي لِكلِّ ذلك محبوباً جدّاً للحركة الشيوعية العالمية الأرثوذيكسية، المرتبطة بالاتحاد السوفيتي. كان الحديث عنه فيها موضعَ رقابةٍ ما، أو تقييمٍ مقتضَبٍ بلغةٍ خشبيّة. 
اضمحلّ الاحتفاء بتِشِي بشكلٍ عام بعد وفاته تدريجيّاً، حتّى سقوط سور برلين تقريباً، ثمّ عادت صور أيقونته في كلّ مكان، كما سنتطرّق لذلك لاحقاً.

كان تِشِي مسكوناً بصورة البطل الذي لا يخشى الموت: “مشروعُ شهيد كما يُقال اليوم ببلاغةٍ صمّاء.
ثمّة عبارة تستدعي التأمّل طويلاً، قالها في صحيفته إثر لحظةِ ضعفٍ داهمته، أثناء عمليةٍ عسكرية غير موفّقة لِمجموعته العسكرية، في ٣ يوليو ١٩٥٨
فيما يتعلّق بي راودني إحساسٌ لأوّل مرّة: شعرتُ في لحظةٍ ما أن عليّ أن أحافظ بسرعةٍ على حياتي!... يلزمني أن لا أكرّر هذا الخطأ في المرّة القادمة!”...

من يقرأ صحيفة تِشِي سيلاحظ أنه كان يميل للسخريّة بين الحين والحين. لكنه لا يمارسها تقريباً إلا إزاء من كان يراه يرتجف بصمتٍ أمام الموت:
يُسرّبُ في يوميّات صحيفته عبارةً ساخرة هنا أو هناك عن بعض المتذرّعين بهذا العذر أو ذاك، لتبرير عدم الاشتراك ببعض العمليات العسكريّة، أو من يلجأون ببساطة إلى الهروب من جبال سيرا مايستيرا، خوفاً من موتٍ مبين!...

لعلّ هذه العبارة التي قالها أحد رفاقه القدامى، انريك اسيفيدو، عن جيفارا سيرا مايستيرا، تلخّصه أدقّ تلخيص:
الجميع يعامله باحترامٍ كبير خاص. كان صعباً، جافّاً، يسخر أحياناً من البعض. لكنه كان ناعماً. وعندما يعطي أمراً، كان يمارس دوره القياديّ بحق. هو رجلٌ ينجز مشروع حياته في معمعان العمل النضالي”.

كان تِشِي مهووساً في الحقيقة بثنائية البطل والسياسي. الأول، حسب تعريفه، نموذجيٌّ في شجاعته، نقيٌّ في سلوكه، لا يخشى مواجهة الموت إطلاقاً. (كانت مجموعة تِشِي جيفارا في جبال سيرا مايستيرا تُسمَّى: فرقة الانتحار!)
سيفضي تِشِي لِجمال عبدالناصر، في إحدى رحلاته الرسميّة لِمصر، بهذه العبارة الجوهريّة حول مفهوم البطولة التي تختزل حياة تِشِي (التي تدور كلّاً حول محور ذلك المفهوم):
اللحظة الحاسمة في حياة الإنسان هي اللحظةُ التي يلزمهُ فيها مواجهةَ الموت. إذا قرّر مواجهتهُ بشجاعة فسيكون بطلاً، نجح في مشروع حياتهِ أم لم ينجح. (قد يكون سلوكه هذا جيّداً من وجهة نظرٍ سياسية، أو غير جيّد). أمّا إذا لم يقرّر تلك المواجهة، فلن يكون أكثر من سياسيّ!”...

ظلّ تِشِي حتّى نهاية حياته وفيّاً لهذه العبارة الجذريّة: واجه الموت في بوليفيا وهو يقود نضالاً مسلّحاً جديداً هناك ضدّ الإمبريالية الأمريكية التي لم تكن تُكِنّ لهُ، بطبيعة الحال، عشقاً خاصّاً
هاجمته القوى البوليفية الخاصة، المدعومة بقوات الاستخبارات الأمريكية، بعد وشايةٍ جاسوسيّة بموقعهِ ومجموعتهِ العسكريّة. تمّ القبض عليه بعد مقاومة دامتْ ثلاث ساعات.

تتعدّد الروايات حول الساعات الأخيرة التي سبقت اغتيالهُ الكربلائيّ الانتقاميّ البشع، من قبل القوات الخاصّة البوليفية. ما يهمّ هنا
قبل أن يتمّ رشُّ جسده بالرصاص، زارهُ، كما يبدو، بضعة أشخاص في مخبئٍ قذرٍ في القرية التي أُعتقِل فيها، منهم مُدرِّسةٌ كانت تحمل له بعض الأكل. سألته:
ـ لماذا قُدتَ نفسك إلى هذا الوضع، رغم جمالك وروعتك وذكائك وعائلتك وأهمية مسئولياتك؟
ـ من أجل مُثلِي في الحياة، ردّ تِشِي!...

لسنا هنا بصدد المقارنةِ بين مُثُلِ فلسفة تِشِي في نهجِ الكفاح المسلح، وفلسفةٍ (أفضِّلُها شخصيّاً) لِقادةٍ عظام آخرين، كغاندي ونيلسون مانديلا، اتّخذت نهجاً آخر. أو مقارنتها بفلسفات عتيقةٍ (تصعد اليوم إلى السطح، أكثر من أي وقتٍ مضى) كفلسفة الصيني سان تزو، صاحب كتابفن الحرب الشهير، في القرن السادس قبل الميلاد، الذي يشرح كيف يلزمُ ان تُكسبَ الحربُ بالذكاء فقط، دون مواجهة، دون سفك قطرة دمٍ واحدة... 
يحتاج كلُّ ذلك لدراسةٍ طويلة.
لكنّي أودّ أن أختتم مقالي بالحديث عن العودةِ المفاجئة لِصور تِشِي جيفارا في كل أرجاء العالَم، لاسيّما بعد سقوط المعسكر الإشتراكي والحديث من بعض المفكّرين الرأسماليين عن نهاية التاريخ والإنتصار النهائي للراسمالية!...

لعلّ في بورتريه حياة تِشِي المقدّمَةِ في هذا المقال ما يُجلي البُعد الملحميّ البطولي،  لإنسانٍ نقيِّ السيرة، ملائكيِّ الطلعة، كافحَ الطغاةَ وقوى الهيمنة على مصائر الإنسان واستشهد لذلك؛ وما يُتوِّجُ تِشِينبيّاً لِكلِّ الطوباويين والحالمين بعالَمٍ بلا طغاة أو احتكارٍ رأسمالي (وإن ستُبدِلتْ للوصول إليه الأحلام الورديّة بأنهار دماء!)
صُوَرهُ الفوتوغرافية المرفوعة أو الملتصقة بالفانيلات جميلةٌ قطعاً، ونموذجيّةٌ لِمسيرات اليسار الثائرة ولِشباب المعمورة المعارضِ الرافضِ عموماً، وهي تُلوِّح لِلطغاةِ والسلطات الرأسمالية بِصورة أنقى أعداء هؤلاء وأخلدهم.
لذلك نجد صور تِشِي تُكلِّلُ غالباً مسيرات كلِّ ثورات الربيع العربي وحركاتها المتنوِّعة.

بالمقابل، تجيدُ قوى الزيف والرأسمالية تمييعَ الصورة الخالدة للثائر المعادي للرأسمالية، بِتحويلها إلى أيقونةٍ تجاريّةٍ ملتصقةٍ بِكلِّ سلعاتها التجميلية الشبابيّة مثلاً، بما فيها الملابس الداخلية للنساء!
لا يخجل، على سبيل المثال، عسكريٌّ بلطجيٌّ دمويٌّ شهير (قائد الأمن المركزي اليمني في عهد الطاغية علي عبدالله صالح وابن أخيه المشهور بغبائه) من أن يحمل صورة جيفارا في قبعته وفانيلته، وفي الكيس البلاستيكي لِعلف القاتِ الذي يلوكهُ أيضاً، في نفس الوقت!...

ولأن الزيف والقبح لا يعرفان الانفصال والحدود، نجدُ في جنوب اليمن أيضاً بلطجيٌّ قياديٌّ جِهاديٌّ قديمٌ شهير، يدهُ ملطّخة بالدماء أيضاً، يلبس نفس تلك الفانيلة!... 
لا ينقص إلا أن نسمع أن هتلر لبس ذات يوم فانيلةً عليها صورة غاندي!...

(*) مقال لمجلة الدوحة، ضمن ملف عن "مفهوم البطولة"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق