الجمعة، 28 يناير، 2011

الجنّة والجحيم في ملكوتِ «رسالة الغفران»



الجنّة والجحيم في ملكوتِ «رسالة الغفران»

حبيب عبدالرب سروري

ابن القارح شيخٌ حلبيٌّ من أهل الأدب، بعث رسالةً لأبي العلاء المعرّي يسرد آراءه حول عددٍ من الشخصيات الأدبية والفكرية، ويشكو فيها حاله!...
ردّ عليه أبو العلاء المعرّي بكتابٍ شهير: «رسالة الغفران»، يتضمّن رسالةَ رد تناقش تلك الآراء وتختلف معها، يرافقها نصٌّ سرديٌّ بديعٌ مدهش: «رواية الغفران»!...

في روايته هذه يتصوّرُ أبو العلاء أن ابن القارح قد مات ودخل الجنة. يستهلّ روايته بسرد يوميّات «نعيم» ابن القارح و «لياليه الساهرة» فيها، قبل أن يعود إلى الخلف لِيُفصِّل تجربة ابن القارح المضنية في عبور موقف الحشر، ثمّ دخوله الجنة بالوساطات...
يستأنف أبو العلاء من جديد سرد يوميّات ابن القارح في الجنّة وحواراته مع عدد من أدباء الجاهلية والإسلام. تليها رحلة إلى جهنم لمقابلة وحوار عددٍ آخر منهم، للقاء الشيطان أيضاً...
ثمّ يعود من جديد إلى الجنة، يلتقي بآدم، يزور أحياء غريبةً فيها... خلال كلّ هذه اللقاءات يصف ابن القارح جغرافية الجنّة والنار وعوالمهما، جنّات الجنّ والحيوانات، جنّات شعراء الرجز...

تأملات أبي العلاء الفلسفية التي يتأسس عليها تخييل روايته
يلزم قبل تقديم نصِّ أبي العلاء استعراضُ بعضِ أفكاره الكبرى التي أخرَجها وبلورَها في مختبرِ تخييلهِ السردي، لتنساب في شرايين روايةٍ فريدةٍ خالدة تثير دهشة القارئ، تربكهُ، تنيرهُ، تجعله يتساءل ويستخدم عقلَه لِتحليل الميثولوجيا الإسلامية والمفاهيم الوجودية والأخلاقية الكبرى!...
لأبي العلاء، صاحبِ مشروعِ «لا إمام سوى العقل» الذي قال:
يَرْتَجي الناسُ أن يقومَ إمامٌ 
 ناطقٌ في الكتيبةِ الخرساءِ
كذب الظنُّ لا إمام سوى ال
عقلِ مشيراً في صبحهِ والمساءِ

آراؤه المعروفة حول الأديان والرسل. لعلّ أهمّها:
ولا تحسبْ مقال الرُّسلِ حقّاً 
ولكن قولُ زُورٍ سطَّروهُ
وكان الناسُ في عيشٍ رغيدٍ 
فجاؤوا بالمحالِ فكدَّروهُ

كان مؤمناً بالله مع ذلك، لكن إلهه يختلف عن الإله الذي تُقدّمهُ الأديان!...
مارس أبو العلاء علاقتَهُ بإلهه بطريقتهِ الخاصةِ المتجرِّدةِ من تأثير كلِّ أكذوبات المنجِّمين من البشر، المتخصِّصين في الحديث باسمه. نسفَ أطروحاتهم بِشطْرِ بيتِ شعرٍ كثيفٍ رادع: «وما درى بشؤونِ اللهِ إنسانُ» يتردّدُ صداهُ أيضاً في بيتهِ:
أما الإلهُ فأمرٌ لستُ مدرِكَهُ 
فاحذرْ لِجيلِكَ، فوق الأرضِ، إسخاطا
اختار أبو العلاء الإيمان بهذا الإله الحكيم كَرِهانٍ شخصيٍّ حرّ:
أثبِتُ لي خالقاً حكيماً 
ولستُ من معشرٍ نُفاةِ
عبادتُهُ لإلههِ هذا عبادةُ إنسانٍ حرٍّ، لا ينحني أو يُقدّسُ إنساناً. يرفضُ أبو العلاء أيّ تشريعٍ للعبادة، ينادي بالتحرّرِ من سلطةِ الشريعة، وباستخدام العقلِ والقياس (مشروعٌ عصريٌّ باكر لِحضارةٍ مدنيَّة، لم يصغِ لهُ أحدٌ في بلاد العرب منذ عشرة قرون!)... يقول:
كنْ عابداً للهِ دون عبيدِهِ 
فالشرعُ يُعبَدُ والقياسُ يُحرِّرُ!

يقولُ «فيلسوفُ الشعراء وشاعرُ الفلاسفة» إن الفضيلةَ غايةٌ بحدِّ ذاتها، تُمارَسُ لِجَمالِها وليس بحثاً عن جزاءٍ وثواب:
توَخَّيْ جميلاً، وافعليهِ لِحُسنِهِ 
ولا تحكمي إنّ المليكَ به يجزي
كان ضدَّ ثقافة «الإبل الجُرب» التي تلتقي في صلاة الجمعة في سوق تجارة الحسناتِ الجماعي:
يقولون: هل تشهدُ الجُمَعَ التي 
رجونا بها عفواً من الله أو قُربا؟
وهل لي خيرٌ في الحضور، وإنما 
أزاحمُ من أخيارهم إبلاً جُربا!

يعتبر الكهنةَ غواةً كاذبين (لعلّهُ لذلك لم يُتعِبْ ساردَهُ في رواية الغفران بمقابلةِ أيٍّ من مشاهير الفقهاء، في الجنة أو النار):
طلب الخسائسَ وارتقى في منبرٍ 
يصفُ الحسابَ لأمّةٍ ليهولها
ويكونُ غيرَ مصدِّقٍ بقيامةٍ 
أمسى يُمثِّل في النفوسِ ذهولَها
فخُذِ الذي قال اللبيبُ وعشْ به 
ودعِ الغواةَ كذوبَها وجهولَها!

لم يكن أبو العلاء يرفض الخمر لِواعزٍ شرعيّ، بل لكونِهِ يمنع الرؤيةَ المجرّدة، يؤذي العقل ويهزّ البصيرة:
يقول الناس أن الخمر تؤذي 
بما في الصدر من همٍّ قديم
ولولا أنها باللبِّ تؤذي 
لكنتُ أخا المدامة والنديم

الجنة: عالَم الملذّات ونهاية العقل!
يصوِّر أبو العلاء الجنّةَ مجالسَ أكلٍ وشربٍ وغناءٍ ومَلَاهٍ لا تتوقّف، عالَمَ لذّاتٍ حسيّة متواصلة تثير الغرائز الدنيا للعامّة بامتياز!...
((ويمرّ رفٌّ من أوز الجنّة، فلا يلبث ابن القارح أن ينزل على تلك الروضة ويقف وقوف منتظرٍ لأمر، ومن شأن طير الجنة أن يتكلم، يقول: «ما شأنكن؟»، فيقلن: ألهمنا أن نسقط في هذه الروضة فنغني لمن فيها من شرب، يقول: على بركة الله القدير. فينتفضن، فيصرن جواري كواعب يرفلن في وشي الجنة، وبأيديهن المزاهر وأنواع ما يلتمس به الملاهي، فيعجب، وحق له أن يعجب، وليس ذلك ببديع من قدرة الله جلّت عظمته...))

هاهو ابن القارح، قرب شجرة الحور في الجنة، يفاوض الباري عزّ وجل، بين سجدتين، على حجم مؤخرةِ الحوريّة عندما رآها هزيلةَ الدّبْر، في نصٍّ سرديٍّ بديعٍ مدهش:
((ويمرُّ ملَكٌ من الملائكة فيقول ابن القارح: يا عبد الله! أخبرني عن الحور العين، أليس في الكتاب الكريم: «إنا أنشأناهنّ إنشاءً، فجعلناهنّ أبكاراً، عُرُباً أتراباً، لأصحاب اليمين» فيقول الملَك: هنّ على ضرْبين: ضرْبٌ خلقهُ الله في الجنّة لم يعرف غيرها، وضرْبٌ نقلهُ الله من الدار العاجلة لمّا عمل الأعمال الصالحة.
فيقول، وقد هكِرَ عجباً مما سمع: فأين اللواتي لم يكنّ في الدار الفانية؟ وكيف يتميّزن عن غيرهن؟ فيقول الملَك: اقفُ أثري لترى البديءَ من قدرة الله. فيتبعه، فيجيء به إلى حدائق لا يعرف كنهَها إلا الله، فيقول الملَك: خذ ثمرةً من هذا الثمر فاكسرها فإن هذا الشجر يعرف بشجر الحور!
فيأخذ سفرجلةً أو رمّانةً أو تفاحةً أو ما شاءَ الله من الثمار، فيكسرها، فتخرج منها جاريةٌ حوراء عيناء تبرق لحُسنِها حوريات الجنان، فتقول: من أنت يا عبدالله؟ فيقول: أنا فلان بن فلان. فتقول: إني أُمْنى بلقائك قبل أن يخلق الله الدنيا بأربعة ألف سنة!...
فعند ذلك يسجدُ إعظاماً لله القدير ويقول: هذا كما جاء في الحديث: أعدَدتُ لعبادي المؤمنين ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمِعتْ!...
ويخطر في نفسه، وهو ساجدٌ، أن تلك الجاريةَ على حسنها ضاويةٌ، فيرفع رأسه من السجود وقد صار من ورائها ردفٌ يضاهي كثبان عالج (رمالٌ على الطريق إلى مكّة) فيهال من قدرة الله اللطيف الخبير، ويقول: يا رازق المشرقة سناها، ومبلغ السائلة مناها، والذي فعل ما أعجز وهال، أسألك أن تقصِّر بوص هذه الحورية على ميلٍ في ميل، فيقال له: أنت مخيّرٌ في تكوين هذا الجارية كما تشاء. فيقتصر ذلك على الإرادة!...))


يلتقي ابن القارح في الجنّة بعددٍ من أدباء الجاهلية والإسلام. يتقمّصهُ غالباً أبو العلاء لِيتحاورَ عبرهُ معهم، ليُفنِّد شعرَهم، ليوجّه لهم أسئلةً محددة، ليعرض أمامهم آراءه النقدية والجمالية بدقّةٍ وفنيّةٍ عالية...
يبدأ بالأعشى (الذي مدح الرسولَ، فشفع له. يدخل لذلك الجنّة على أن لا يشرب خمراً فيها، كعقوبةٍ على شربِهِ الخمرَ في الدنيا!)... وينتهي بتميم بن أبي، مروراً بحسّان ابن ثابت والخليل وغيرهم...

يلاحظ ابن القارح أن معظمَ شعراء الجنة نسوا ما قالوه من شعرٍ في الأرض من فرط انغماسهم في ملذات الجنّة!...
ها هو مثلاً يسأل الشمّاخ بن ضرار: «لقد كان في نفسي أشياء من قصيدتك التي على الزاي، وكلِمتكَ التي على الجيم...» فيقول الشمّاخ: «لقد شغلني عنهما النعيم الدائم، فما أذكر منهما بيتاً واحداً»!
يقول ابن القارح (أو بالأحرى أبو العلاء الذي يتقمّصه): «لقد غفلت أيها المؤمن وأضعت! أما علمتَ أن كلمتيك أنفع لك من ابنتيك؟ وإن القصيدة من قصائد النابغة لأنفع له من ابنته عقرب»!...
يقول مثل ذلك للنابغة بني جعدة: ((أي أبا ليلى، لقد طال عهدك بألفاظ الفصحاء، وشغلكَ شرابٌ ما جاءت بمثلهِ بابل، وثنتكَ لحومُ الطير الراتعة في رياض الجنة، فنسيتَ ما عرفتَ ولا ملامة إذا نسيت ذلك، «إن أصحاب الجنة في شغلٍ فاكهون، هم وأزواجهم في ظلالٍ على الأرائك متكئون، لهم فاكهةٌ ولهم ما يدّعون...))
يقول مثل ذلك أيضاً للخليل أثناء حفلةٍ لرقص الحور كنّ يغنين فيها أبياتاً «تهتزُّ لها أرجاء الجنّة» نسيَ الخليلُ أنه قائلها. يقول ابن القارح: «أفنسيتَ يا أبا عبد الرحمن وأنت أذكى العرب في عصرك؟» فيقول الخليل: «إن عبور الصراط ينفض الخلدَ مما استودع...


تملأ الحواراتُ الأدبية البديعة روايةَ الغفران، تتخلّلُ أحداثَها بشكلٍ مثيرٍ مفاجئ. تندلعُ هذه الحوارات أحياناً من مدخلٍ بسيطٍ جدّاً، تتفجّرُ بعده في كل الاتجاهات:
((وتمرّ أوزة مثل البختيّة، فيتمناها بعض القوم شواءً، فتتمثّل على خوانٍ من الزمرد، فإذا قضيت منه الحاجة، عادت بإذن الله إلى هيئة ذوات الجناح. ويختارها بعض الحاضرين كردناجاً، وبعضهم معملوة بسماق، وبعضهم بلبنٍ وخل، وغير ذلك، وهي تكون على ما يريدون. فإذا تكرّرت بينهم قال أبو مازن العثماني لعبد الملك بن قريب الأصمعي: أي أبا سعيد، ما وزن أوزة؟ فيقول الأصمعي: «إليّ تُعرِّض بهذا يا فصعل، وطالما جئت مجلسي في البصرة وأنت لا يرفعُ بك رأس؟!»))...

قد يصل تفجُّرُ هذه الحوارات أحيانا إلى نزاعٍ وعراكٍ جسدي، كما حصل بين النابغة والأعشى عندما وثب النابغة على الأعشى وضربه بِكوزٍ من ذهب...

وصف دخول ابن القارح الجنّة!
تاب ابن القارح في نهاية عمره: لعلّ هذا مخرجه من أهوال جهنم، من وجهة نظر قِيَم الأخلاق الدينية (التي يختلفُ معها أبو العلاء بشكلٍ جذريّ) لاسيّما وأن حسناته طوال حياته الأرضية قليلة، كما يقدِّمهُ صاحب رواية الغفران!...
ابن القارح، الذي قضّى حياته يتقرّب للحكّامِ والنافذين ويمدحهم شعراً (كان أبو العلاء يمقتُ شعر المديح والتقرّب من الحكّام!)، خاض غمار رحلةٍ طويلة للدخولِ إلى الجنّة. بدأها بِنظمِ شعرٍ يمدحُ به رضوان، خازن الجنّة، للتقرّب منه. لسوء حظّ ابن القارح: يجهل رضوان ماذا يعني مفهوم الشعر!...
مدح ابن القارح خازناً آخر للجنّة، يقال له زفر، بديوانٍ كامل نشده أمامه. إلا أنه كان كمن «يخاطب ركوداً صماء»!...
إذا به بِرَجُلٍ «عليه نورٌ يتلألأ»: حمزة بن عبد المطلب! قال لنفسه: «الشِّعرُ عند هذا أنفق منه عند خازن الجنان لأنه شاعر، وإخوته شعراء... مدحه شعراً ليُسهِّل له دخول الجنّة! ردّ عليه حمزة: «إني لا أقدر على ما تطلب لكني أنفِّذُ معك رسولاً إلى ابن أخي علي ابن أبي طالي، ليخاطب النبي في أمرك»...
«فلما قصّ الرسول قصّتي على علي، سألني عن صحيفة حسناتي!... فشرحتُ له إنها ضاعت مني في المحشر، وأظهرتُ له الولَه والجزع... فقال أمير المؤمنين: لا عليك! ألكَ شاهدٌ بالتوبة؟...»

بعد أن وجد شاهدَهُ، قاضٍ حلبيّ، انتقل من هناك إلى «حوض النبي محمد الذي يسقي منه أمتّه يوم القيامة»، فقال للعترة المختارين فيه: «إني كنتُ في الدار الذاهبة إذا كتبتُ كتاباً وفرغتُ منه، قلت في آخره: «وصلّى الله على سيّدنا محمد خاتم النبيين، وعلى عترتهِ الأخيار الطيبين»... فقالوا له: «ما نصنع بك؟». فقال لهم: «إن مولاتنا فاطمة، عليها السلام، دخلت الجنة منذ دهر». ثمّ طلبهم أن يتوسّطوا له عندها، حال خروجها من دارها لزيارة والدها، لتتوسّط له عند أبيها!... بعد وساطتهم قالت لأخيها إبراهيم: «دونك الرجل...

ثمّ وساطةٌ جديدة، قبل أن يمنحه النبي محمد الشفاعة، ويتعلّق ابن القارح بعد ذلك بركاب إبراهيم، ليعبر الصراط... تتعقّد الأمور من جديد عند عودته لرضوان في باب الجنّة، لأنه لا يمتلك بعد جوازاً لدخولِها!...

لم تنفعه في الأخير إلا عودة إبراهيم بحثاً عنه بعد أن تأخر عنه، وجذبَهُ جذبة رمت به في الجنّة!...

الجحيم وطن المبدعين!
ثمّ يذهب ابن القارح في رحلة إلى الجحيم لزيارتها. يقابل «أبا مرّة»، إبليس، ثمّ بشّار بن بُرد. ينظر ما نزل بهذا الشاعر من نكال لقوله حول إبليس:
النار عنصرهُ، وآدم طينةٌ 
والطين لا يسمو سموّ النارِ
يقولُ ابن القارح لِبشّار هذه العبارة العميقة: «لقد أحسنتَ في مقالك، وأسأتَ في معتقدك التي لا يمكن ترجمتها إلا ب: «العقيدة تخالف الصواب»!... يقدّمُ له بعد ذلك قراءات نقدية لبعض أعماله.
يقابل بعد ذلك أمريء القيس، يدخل معه في حوارٍ أدبي ونقديّ وثقافي متنوعٍ طويل (8 صفحات) شديد الثراء. يسرّبُ أمرؤ القيس في إحدى ردوده سرّ المهنة: «أما أنا وطبقتي من الشعراء فكنّا نمرُّ في بيت الشعر حتى نأتي إلى آخره، فإذا فني أو قارب تبيّن أمره للسامع...

يليه حوارٌ رفيعٌ مع فحلٍ آخر من كبار فحول الشعراء آنذاك وأشجهم، عنترة العبسي، الذي دخل النار لبيتين وصف بهما الخمر!...
يتذكّرُ جميعُ شعراءِ الجحيم أشعارَهم خلال حياة الأرض، بعكس شعراء الجنة. يناقشون ابن القارح، يتفاعلون معه، ويردّون على أسئلته وآرائه بإسهاب رائع...
كذلك علقمة، وعمرو بن كلثوم، والحارث اليشكري... حوارات فنيّة، استفسارات وانتقادات يتفاعلون معها بتمكُّنٍ وشغف!... يليهم أيضاً طرفة بن العبد الذي يختتم حواره مع ابن القارح بهذه العبارة المدهشة:
«وددتُ أني لم أنطق مصراعاً، وعُدمتُ في الدار الزائلة إمراعاً، ودخلتُ الجنّة مع الهمج والطغام... وكيف لي بهدوء وسكون، أركنُ إليه بعض الركون؟ (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً)...»

يليه أوس بن حجر الذي تتسلّل منه هذه العبارة: «ولقد دخل الجنة من هو أشرُّ مني، ولكن المغفرة أرزاق، كأنها النشب (المال) في الدار العاجلة...»
يواصل ابن القارح حواره مع هذه الكوكبة، لِيصلَ إلى الأخطل التغلبي، الذي يلومه ابن القارح لمعاشرته يزيد بن معاوية!...
يتذكّرُ الأخطل بشوقٍ ووفاء أيامه مع يزيد، يدافع عنه: «آهٍ على أيّام يزيد... يشتمهُ ابن القارح إثر ذلك! يثير بذلك غضبَ أبي مرّة (إبليس) الذي يتدخّل ويقول للزبانية: «ما رأيت أعجز منكم إخوان مالك! لو أن فيكم صاحب نحيزة قويّة لوثبَ وثبةً حتى يلحق به (بابن القارح) فيجذبه إلى سقر... يردّون: «ليس لنا على أهل الجنّة سبيل...

يواصل ابن القارح زيارة الكوكبة: المهلهل (الذي كانت عينا أبي العلاء تغرورقان من الحزن عند قراءة إحدى قصائده عن أخته)، المرقش الأكبر، المرقش الأصغر، الشنفرى (الذي قال بيت شعرٍ في الأرض يتأدبُ بسبِهِ في النار مدة الدّهر!)، تأبطّ شرّاً...
يختتم لقاءه بهم بهذه العبارة المضادّة (التي تعني عكسها تماماً): «فإذا رأى قلّةَ الفوائد لديهم، تركَهم في الشقاء السرمد، وعمد لِمحلِّهِ في الجنان»!...

يطوف بعد عودته للجنّة بأرجاء جديدة من عوالمها. يستهلّ هذه العودة بلقاء آدم على طريقه!...

في حواره مع آدم يجيد كاتبُ رواية الغفران كعادتهِ استخدامَ أدواتِه التقليدية: المنطق، التفكيك والتحليل اللغوي، ضرب الميتافيزيقيا بالميتافيزيقيا... لكشف المنحولات والأكذوبات:
((فيلقى ابن القارح آدمَ، عليه السلام، في الطريق فيقول: يا أبانا، صلّى الله عليك، قد رويَ عنك شِعرٌ منه قولك:
نحن بنو الأرضِ وسكّانُها 
 منها خُلِقنا وإليها نعُودْ
والسُّعدُ لا يبقى لأصحابِهِ 
والنحسُ تمحوهُ ليالي السُّعود
فيقول: إن هذا القول حق، وما نطقهُ إلا بعضُ الحكماء، ولكني لم اسمع بهِ حتّى الساعة!...
فيقول: لعلّك يا أبانا قلتَهُ ثمّ نسيت! فقد علمتُ أن النسيان متسرِّعٌ إليك، وحسبكَ شهيداً على ذلك الآية المتلوّة في فرقانِ محمّد، صلى اللهُ عليه: «ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي، ولم نجد له عزماً...
يقول آدم، صلّى اللهُ عليه وسلّم: «أبيتم إلا عقوقاً وأذيّة، إنما كنتُ أتكلّمُ العربية وأنا في الجنّة، فلّما هبطتُ إلى الأرض نُقِلَ لِساني إلى السريانية، فلم أنطق بغيرِها إلى أن هلكتُ، فلمّا ردّني الله، سبحانه وتعالى، إلى الجنّة عادت عليّ العربية!... فأي حينٍ نظمتُ هذا الشِّعر: في العاجلة أو الآجلة؟... والذي قال ذلك يجبُ أن يكون قاله في الدّار الماكرة، ألا ترى قوله: «منها خُلِقنا وإليها نعود»؟ فكيف أقول ذلك ولساني سريّاني؟...
وأما الجنّة، قبل أن أخرجَ منها، لم أكن أدري بالموت فيها. وأما بعد رجوعي إليها فلا معنى لقولي: «وإليها نعود» لأنه كذبٌ لا محالة، ونحن معشر أهلِ الجنّة خالدون مخلّدون!...))

خاتمة
تكمنُ عبقريةُ أبي العلاء في روايةِ الغفران في أنه استطاعَ برهنةَ بيتهِ الشهير:
اثنانُ أهلُ الأرضِ: ذو عَقلٍ بلا
دِينٍ، وآخرُ ديِّنٌ لا عقلَ له
فالصورة الكاريكاتيرية التي قدّمها عن الجنة والنار نجتْ منذ عشرة قرون من مقاصل كهنة «الكتيبة الخرساء» (لأنه دلّلها بآياتٍ قرآنية حول الجنة والنار، والقدرة الإلهية)، إن لم تُسِلْ لعاب جنودِ هذه الكتيبة شوقاً لِنعيمِ تلك الجنّة!...

ومن جانبٍ آخر تربك ذوي العقل، تثير تساؤلاتهم وتفكيرهم دون توقّف! يكفي تصوّر ابن القارح في الجنة، وأمرئ القيس وعنترة العبسي في النار، للشعور بأن هناك خللاً جوهريّاً ما في أدمغة الآلهة!...

مفهوما «الغفران» و «القدرة» يسيطران على الرواية. ينتمي الأوّل لِقِيَمِ «أخلاقِ البقّالين»، وللثاني رائحةُ ما بعد التخييل الغرائبي: المحال!...

لعله بسبب مفعولِ رواية الغفران، المنعشِ للعقل والمثيرِ للتأمل والجدل، تُحاطُ هذه الرواية منذ عشرة قرون بسياجٍ يمنع عرضها للعامة، أو تعليمها في المدارس، رغم أنها، بجانب ديوان اللزوميات، من أجلِّ وأهمِّ وأثرى ما في تراثنا العربي المضيء الخالد!...

مدرستُنا العربية، التي تُعلِّمُ الطالبَ كيف لا يفكّر، كيف ينتمي «لِلكتيبة الخرساء»، هي دون شك آخر من بإمكانهِ تدريسَ كتابٍ كهذا في مناهجها!...
كتابٌ حاكاه دانتي بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر، واعٍ أو غير واع، عندما كتب «الكوميديا الإلهية» (أحد أهم تراث الغرب، الذي يُدرَّسُ في مدارسه) وهو يصفُ رحلتَهُ إلى الجنة والنار مع الشاعر اللاتيني فيرجيل، التي رأى خلالها وحاور شخصيّات ميثولوجية وتاريخية شهيرة!...

هناك تعليق واحد:

  1. العقل تجلي للجسد ام الجسد تجلي للعقل ام كلاهما سراب افلاطوني .. وتبقى المسألة ؟

    ..أو فلنقل إسراء ومعراج قدسيّ ، أوصريح الإيمان - ووصف جنّة ونعيم ، قبل النّار والجحيم

    أوهي رجعة المعري .. وردّة للظّنون ، ومحصلة العقل المفتون بجمال دمامة الكون


    مسائلة تبقى ولا عقل ولا عقال والنّاقة الإمام مأمورة ، لاجدال

    وتبقى الاسئلة؟؟؟

    محمودالقديمات

    ردحذف