الخميس، 26 أبريل 2012

مقال نبيل سليمان في "بلدنا" عن تقرير الهدهد



أبو العلاء والكتيبة الخرساء
نبيل سليمان 

يجبل حبيب عبد الرب سروري روايته الاستثنائية، فيتأكد من جديد، ورواية بعد رواية، أنه كاتب استثنائي، وإن يكن قد ابتلاني بما لن يستقيم لي بعده أمر، حين جعلني شخصية روائية: ياللهول!    

في صحيفة بلدنا:
http://www.baladnaonline.net/ar/index.php?option=com_wrapper&Itemid=54


ليس أبو العلاء المعري في رواية (تقرير الهدهد) لليمني البروفسور في علوم الكومبيوتر (حبيب عبد الرب سروري) إلا مفجر الديناميت في أرض اللاعقل والأكاذيب الكبرى، وليس إلا عاشق البحث في أصل الحياة، والتأمل في الدهر، والاحتفال بالعقل وحده. إنه مجنون القوافي والإيقاعات الجديدة، صياد الكلمات ونحّاتها. إنه زرقاء يمامة الفكر، وامبراطور قاموس لغة الضاد الذي قيل عنه: ما نطقت العرب بكلمة لا يعرفها أبو العلاء. وهو صاحب الديوان الانسكلوبيدي الخالد (لزوم ما لا يلزم) فشعر المعري لدنيّ خالص، وهو شعر رهيف كَسَيْر الذرّ على ظهر الكثيب. أما (رسالة الغفران) فهي نص سردي عبقري، ما من كتاب عربي حتى اليوم بثراء وتجدد كلماته، حسب نتائج بعض برمجيات الحاسوب اللغوية التي أرجح أن حبيب عبد الرب سروري قام بها قبل أن يسندها لواحد من رواة روايته.  
تسجّل الرواية مما يشتم به الشاتمون أبا العلاء، كابن الجوزي الذي نعته بخليفة إبليس، وابن القيم الذي نعته بكلب معرة النعمان وأعمى البصر والبصيرة. لكن الرواية تواصل في شطرها الأخير تقديم أبي العلاء على لسان إحدى شخصياتها، وهو (ن.س.) الذي لا يعد رفض أبي العلاء للدين الرسمي إلحاداً، بل رفضاً لينابيع التخلف المتأبد في الواقع العربي الإسلامي. كما يعد (ن.س.) أبا العلاء مؤمناً بالله، يعبده عبادة إنسان حر، وشمسه واحدة هي العقل، يحيطها، خارج مداها الفيزيائي، فضاء ميثولوجي يمكن ملؤه أو عدم ملئه بالإيمان الشخصي الحر. فالإنسان، حسب (ن.س.)، لا يحتاج للعقل فقط، بل للحلم والأسطورة، للفنتازيا والميثولوجيا، للضمير الرادع الذي حث أبو العلاء على تنقيته من الحقد والأنانية
على هذا النحو تقدم رواية (تقرير الهدهد) أبا العلاء المعري. وفيها تلتقون بنبيل بدر سليمان التنوخي اللاذقي، وبـ (ن.س.)، وهما الشخصيتان الروائيتان اللتان أحلّني صديقي حبيب عبد الرب سروري بهما في روايته، ملاعباً نسبي، إذ وصل به إلى أبي العلاء، يا للهول!
لكن الأهم هو الصورة الروائية التي جاءت بها الرواية للعرب والمسلمين اليوم، كما رآهم أبو العلاء في رحلته التي تتخيلها الرواية من السماء 77 إلى دنيانا. فنحن في هذه الصورة تستفحل فينا الغيبوبة الحضارية، وتتكثف الظلمات، منذ قرون، ومعظمنا يعتقدون أنهم الأوفى لـ (الأعلى جداً)، وباسمه نتحدث دوماً، فندعي أنه اختارنا موطناً للإيمان والحكمة، وجعل الآخرين موطناً للانحراف والرذيلة، بينما نحن الأكثر تمرغاً في حياة حالكة، ديدنها الخضوع والقمع والنفاق والرياء والعبودية. ونحن الأكثر تلميعاً للجلاد والطاغية، والأكثر قبوعاً كسلحفاة عرجاء. نحن خارج باب العلم والحضارة الحديثة التي يتقدم الآخرون في رحابها بسرعة النور
على غير ما تأمر به الأصول، كيلا يطغى طول الشاهد من الرواية أو الشعر أو سواهما، سوف أنقل فيما يلي نقلاً مطولاً وحرفياً تقريباً من رواية (تقرير الهدهد)، إذ ما عدت أصلح لأكثر من ذلك، ما دمت قد صرت واحداً من شخصياتها. وهكذا أبداً بظهور بلاد العرب في هذه الرواية كمتحف للكوابيس، وكبقاع للمشلولين، حيث يصيح من يبيعون العبودية باسم (الأجلّ جداً) بالمواطن حين يبدأ باستنكار الظلم: اصبرْـ دولة الظلم ساعة ودولة الحق حتى قيام الساعة. وفي بلاد العرب تعتبر الأنثى حطب جهنم، وتنسحق الشعوب أمام حكامها المستبدين الذين يعيثون فساداً فيها. إنها البلاد التي انتصر فيها من تسميه الرواية (السرطان الرجيم)، حيث يتشابه في الجوهر عصرها اليوم مع عصر أبي العلاء، حين بدأ يستفحل الفكر السلفي، وتكاثرت الانقسامات، وضعفت الدولة، وتفاقم الفقر والفساد. وتتضاعف هذه القتامة، ويتضاعف هذا الهتك للأستار الصفيقة، على يد (ن.س.) وهو المهووس برؤية ما يسميه ميسم الكتيبة الخرساء المطبوع في عصبونات الأدمغة. ويحدد (ن.س.) نسبة الكتيبة الخرساء ممن تجاوزا سنّ الشباب منا بـ 96%، لكنها تتراجع في الأجيال الشابة التي اندمجت بعوالم الأنترنت، وانفتحت على ثقافة التكنولوجيا الحديثة ولغة العصر. أما معظم من يتبقى (3% تقريباً) فيشتريهم الحاكم بفساده، أو يجعلهم يشاركون مباشرة، وبدرجة أو أخرى، في الغنيمة، وهم غالباً من المثقفين أو النافذين الذين يتأرجحون بين التطبيل للحاكم أو السكوت عن جرائمه. أما البقية المتبقية (1%) فهم من المتمردين الرافضين والمعارضين الصادقين الذين لا يستطيع الحاكم إطفاء شوكتهم.
يشرح (ن.س.) أن الكتيبة الخرساء هي بشر البلاد العربية الذين حولتهم ثقافة الاستهلاك والانسحاق إلى عبيد سعداء بعبوديتهم في الأسرة والمدرسة، وأمام الطاغية وأجهزته، ومنها جهاز خبير في إلهاء العبيد وتتويههم وجلدهم الذاتي، يسانده جهاز فقهي متمرس بالسيطرة على أرواحهم، وتهديد من يخرج عن السرب بالكفر والهرطقة. إنها منظومة متكاملة، لها أيقونات مؤثرة فاعلة. ومثل خراف الجنة، يبتسم الجنود الخرس للحاكم الجلاد، ويرددون أمامه كالقردة هتافاتهم. وفي الانتخابات تصوّت له الكتيبة الخرساء بحب، وتشاركه تلذذه وسعادته باضطهادها وقمعها وتمريغها بالوحل، وتقول له مثلما تقول حوريات العين على لسان صاحب (رسالة الغفران) بابتسامة  خروفية وديعة: إني أُمنى بذبحك لي.
يردد (ن.س.) كثيراً أن الكتيبة الخرساء بعد ألف عام من أبي العلاء صارت أخرس من أي وقت مضى، فقد نجح الكهنة نجاحاً تاريخياً لا نظير له في تحصين أدمغتها ضد رفض القمع والاستبداد، ضد التفكير والديمقراطية، ضد الحرية. كما نجح الكهنة في أن يقتلعوا من الكتيبة الخرساء بصيص روح الرفض والتحرر، وهي الغائرة، مع ذلك، في نفس كل كائن بشري، منذ الأزل، والتي تؤدي إلى سقوط الظالم والمستبد في أي مجتمع كان، في آخر المطاف، لا محالة. أما الكهنة أولاء فيبدون كأنهم علماء في مختبرات علوم جبينة، نجحوا بتوليد بقر اقتلعت منها جينات القرون. وهكذا صارت الكتيبة الخرساء نوعاً جديداً من البقر، صارت بقراً بلا قرون، كتيبة بلا قرون. كما صارت صناعة العبودية غير مهمة، فالمهم هو صناعة إرادة العبودية، إذ تعلّم علماء الطغيان كيف يتجهون، مثل الفيروسات، إلى مراكز عصبونات أدمغة كتيبة الرعاع الخرس، ليس للسيطرة على هذه العصبونات، بل كي تريد الكتيبة الخرساء، هي نفسها، العبودية، وتقاتل من أجل ذلك. ومن أجل ذلك تبث آلة الطغيان في عصبونات الدماغ مباشرة، وبمهارة لا توصف، تاريخاً ملفقاً، كما تضخ هذه الآلة جرعات فعالة من الصور المشوهة عن العالم الخارجي، وتقحم أسس ثقافة عشق العبودية في كل الرموز الحياتية المرئية وغير المرئية، وكل ذلك وسط أمية وتعتيم وقهر وتخويف وإهانة ومذلات وضعف في التنمية وبؤس وتجويع، وعشق للطغاة، لأن المثل يقول (القط يحب خانقه)، والمثل، لابد، صادق.
حتى اللغة العربية لا تنجو من مبضع هذه الرواية، إذ تشخّص أن لغة الضاد غائبة عن العلم والمعرفة، وأنها عملاق من قش، لا تمتلك بعدُ، بناءً تحتياً رقمياً يسمح لها بدخول عصر الرقمنة، مثل بقية لغات العالم، وليس لها قارئ صوتي للأحرف، ولا مدونة أو معاجم إيثومولوجية، عكس كل اللغات الحية. وهكذا، ومن حكاية الهدهد والملك سليمان القرآنية، إلى الحكاية نفسها في صياغتها اليمنية، إلى تقرير الهدهد الذي يكتبه أبو العلاء عنا، إذ يعود إلينا، إلى تقرير الهدهد كما يكتبه (ن.س.) لكأنه أبو العلاء، من كل ذلك، ومن غمر من الفلسفة والعلم، يجبل حبيب عبد الرب سروري روايته الاستثنائية، فيتأكد من جديد، ورواية بعد رواية، أنه كاتب استثنائي، وإن يكن قد ابتلاني بما لن يستقيم لي بعده أمر، حين جعلني شخصية روائية: ياللهول!    

مقال نبيل سليمان في الحياة عن تقرير الهدهد


رواية تستدعي المعري من «مقهى الكوكبة»
نبيل سليمان
ولعل «تقرير الهدهد» إذن، تتصدر ذلك العقد الروائي النظيم الذي نضده جمال الغيطاني وواسيني الأعرج وسعد الله ونوس وسالم حميش بمن قدموا من التاريخ: الزيني بركات ودون كيشوت وابن خلدون والحاكم بأمره على التوالي، وها هو الآن أبو الـعلاء المـعري في (سِفْرٍ) روائي بحق.
http://www.daralhayat.com/internationalarticle/380654
الأحد, 01 أبريل 2012
1333206611799395700.jpg


بعد ثلاث روايات (طائر الخراب - دملان - عرق الآلهة) ورابعة بالفرنسية هي (الملكة المغدورة)، تأتي رواية «تقرير الهدهد» لحبيب عبد الرب سروري، حيث يواصل هذا البروفسور في علوم الكومبيوتر مغامرته الكبرى في تسريد الفلسفة والعلم، وقد اختار هذه المرة أبا العلاء المعري حاملاً لمشروعه الفكري ومغامرته الإبداعية، فجاء به من السماء 77، حيث مقهى «الكوكبة» التي تجمع المعري بعباقرة التاريخ (فرويد وداروين وآينشتاين وماركس وبيكاسو...)، ليكون هدهداً جديداً يكتب تقريره عن عالمنا هذا وزماننا هذا، كما كان الهدهد للنبي/ الملك سليمان.
الخيال أهم من المعرفة
أأأمينائيل، مدير مكتب «الأعلى جداً»، هو من يدعو أبا العلاء إلى المغامرة الأدبية، ليكتب تقريره الأشبه بـ «رسالة الغفران»، التي سرد فيها رحلة ابن القارح إلى الجنة والنار، بينما ستكون رحلة المعري هذه المرة معاكسة: من السماء إلى الأرض، تحدوها دعوة أأأمينائيل: اكتب ما تحب وكيفما تحب. وهكذا تأتي رواية «تقرير الهدهد» في سردية أولى لحياة المعري وشعره وفلسفته، بينما تمخر سردية أخرى في عباب الكون والحياة منذ النشأة، أما السردية الثالثة، فتمخر في الزمن العربي الذي نعيش. وتشتبك السرديات الثلاث وهي تتوزع الرواية بالتناوب بين فقراتها، فيما يرسل الكاتب من خلف قناع، ومن حين إلى حين، ما «ينظّر» لمشروعه.
يعلن راوي الرواية الأكبر نبيل بدر سليمان التنوخي، أن بداية كل ذلك كانت في ذلك الفجر الخائن، فجر 1/1/2010، حين اختفت لمياء، التي ترجّع دعوتُها إياه لكتابة رواية تعيد أبا العلاء إلى عصرنا هذا، دعوةَ أأأمينائيل السابقة أبا العلاء. وهذا الراوي هو سليل المعري، إذْ جعلت الرواية للمعري ابنةً (غير شرعية) من تلميذته وحبيبته هند. وتلك الابنة (نور) هي الجدة الثانية والثلاثون لنبيل، والتي سيكون لها نصّها (هوامش نورانية على رسالة الغفران) وتعليقاتها على «رواية الغفران» أو «ما لم يكتبه أبو العلاء من رواية الغفران»، كما تسمّي أم نبيل بعض المخطوطات/ الأرشيف المتوارث من المعري.
في هاتف مطول، يروي نبيل من باريس لأمه اللاذقانية المقيمة قرب دمشق، روايةَ قراءاته لرواية الغفران التي تغرف من كنوز الأدب الشعبي الديني المتعلق بالجحيم، بينما تلحّ على الجحيم، الذي صوّره أبو العلاء أشبه بسجن مدني للرأي، أو بمنتزه للثقافة والتصومع. وإذا كان أبو العلاء قد احتفظ باسمه في هذا الذي جعله حبيب عبد الرب سروري يكتبه، أي في «رواية الغفران»، كما جعله يحتفظ بالاسم نفسه في ما خصّه وأمه وحبيبته هند وابنته نور، أي في ما خصّ أبو العلاء التاريخي، فقد انقلب الاسم إلى «أبو النزول» في رحلته من السماء 77 إلينا، الآن وهنا. وقد جعل سروري لروايته راويةً أخرى في باريس هي «ل. هـ.»، التي ستحدّث الراوي الأول (نبيل) -وبالأحرى الكاتب نفسه كما سيتبيّن- عن صديقها «ن. س.»، فإذا بنا أمام «صياغة» ثالثة معاصرة ومختلفة للمعري، فـ «ن. س.» في مهمة ميتافيزيقية، يكتب نصاً لا يتوقف هو «تقرير الهدهد». والرواية بهذا التعدد لرواتها ولصياغات المعري، تتعدد طبقاتها وألسنتها.
بظهور نور في حياة أبيها، يبدو كأنما وُلِدَ من جديد بعدما عاش رهين «محابسه» نصف قرن، فيعزم على مشروع «رواية الغفران» كنص سردي كله تخييل في عوالم عجائبية مثيرة، سيـخترع له محـوراً سرديـاً طويل النفس، وبداية مثيرة ونـهاية رهيـبة. وسيـطـلق بـشـر الأجيال القادمة على هذا النوع الأدبي اسماً يـسـجد الجميع عند سـماعه: «رواية»، وسيطمّ كل الأنواع الأدبية بعد قرون. وعلى ألسنة سارديه، سيعيد أبو العلاء صياغة الكون في روايته، ويقدم فيها تأملاته الفلسفية «بواسطة أصابع التخييل الساحرة، في نص جديد لم تعرف لغة الضاد نصاً بذكائه وأناقته وروعته وثراء كلماته». وإلى ذلك نرى أبا النزول وهو يرسل «إس إم إسّـ»ـاته إلى أأأمينائيل، عن رحلته، أي وهو يكتب «تقرير الهدهد» حائراً، يسأل لائباً: «إلهي كيف أبدأ هذه الرواية المجنونة؟».
ترى، أليس للمرء أن يتساءل عما إذا كان كل هذا الذي يتعلق بـ «رواية الغفران» يتعلق أيضاً، وربما أولاً، برواية «تقرير الهدهد»؟
تسريد العلم والفلسفة
كما تتلاطم في «تقرير الهدهد» المتناصات من شعر المعري ومن رسالة الغفران ومن القرآن، تتلاطم حمولتها المعرفية في العلم والفلسفة. وكما أبدع الكاتب في تسريد الحمولة المماثلة في رواياته السابقة، يبدع في هذه الرواية، وإذا بالمرء يرمح مع «الأعلى جداً/ الأجلّ جداً/ الأعظم جداً/ الأقدس جداً» في الانفجار الكوني (البيغ بونج)، ويشهد عبر رحلة أبي النزول، ابن بطوطة الزمكان، تشكلَ الزمان والمكان، وسفَر تكوين الدماغ، وفصولَ السيرة الذاتية للحياة على الأرض (أو أوديسة الحياة)، ابتداءً من انبعاثها من الجماد، مما يحدو له قول المعري: «والذي حارت البرية فيه / كائن مستحدث من جماد». وفي رحلته، يتهجّد أبو النزول أمام الخلية النووية الأولى: جدتنا «لوكا»، جذر الكائنات الحية، كما يصبو إلى أكوان المستقبل، إلى أكوان الحياة المضادة، إلى أبي العلاء المضاد، إذ يواجه المادة المضادة... وببلوغ زماننا، يعلن الكاتب بصوت الراوي نبيل بدر سليمان، في سانحة سيرية ربما، أنه يعمل في فرع باريسي لشركة دولية كبرى، يقود فيها مشروعاً بحثياً صناعياً هاماً وواعداً في علوم الكومبيوتر، هدفه تدجيج عصا إلكترونية طويلة، ترافق الضرير بكاميرات ولاقطات وكمبيوترات صغيرة مخفية فيها، تسمح له بالنظر. وقد سمّى الراوي هذا المشروع «عينا أبي العلاء Eyes Abu – AL – ALA»، أو «.E.A.A»، وهو ما سيحول عيني أبي العلاء إلى عيني زرقاء اليمامة، ليس فقط للمكفوفين، بل لالتقاط ما يحيط بالإنسان وتحويله في كل لحظة إلى أرشيف رقمي صغير.
ليس يخفى في الرواية كيف يحكم النظرُ الفلسفي للكاتب «حضرةَ العلم» فيها، وهذا النظر يتوحد مع النظر الفلسفي للمعري، ويفيض عنه. ومن ذلك: «امتلاك الإنسان -بفضل دماغه- أعظمَ الملكات التي أكسبته سلطته الهائلة على الأرض، أي: الخيال، الذي أنجب العلم والدين -لغة الأخ الأكبر (الدين) التي تتلخص بكلمة «نعم»، بينما تتلخص لغة الأخ الأصغر (العلم) بكلمة «لا»-، الكون خليط من سيمفونيتين قائدا أوركستراهما هما الحب والموت، ولا هدف للثورة وللعلم أقدس وألدّ من إعادة كتابة الماضي بريشة ضوء نقي يكنس الدهاليز والأنفاق المظلمة...). وكما يندغم العلم بالحياة في مشروع أبي العلاء، تندغم الفلسفة بالحياة، ومن ذلك السخط الرباني على هذا الكائن الذي غمر الأرض بالشر والآلام (ما أبشعه - ما أظلمه - ما أقربه للجنون...). ومن ذلك أيضاً، هتك الأستار العربية الإسلامية المعاصرة، وتمجيد الإنسان والعقل والحرية، وإعلان التغير الدائم كسنّة للحياة.
ليس أكثر من الأمثلة التي يتألّق فيها التسريد الروائي للعلم والفلسفة في رواية «تقرير الهدهد»، وحيث تنصب «الفكرية» عادةً للرواية فخاخَها المغوية والمعوقة والقاتلة. لكن حبيب عبد الرب سروري يحذق القول الروائي بولادة الإنسان إذ ولدت الاستعارة، بل إذ وُلِدَ -وبالفن- عشقُ المنحنيات الفاتنة للجسد الأنثوي، بل إذ وُلِدَ الحزن، بل إذ وُلِدَ مفهوم الروح. ومع هذا الحذق، يأتي صنوه في جغرافية الدماغ وتموضع الأنشطة الروحية، وفي أجلّ وأقدس مشاريع العلم، إذ يحاول أن يقرأ أبجدية الروح، أو ما يسمى برامج أبحاث دراسة التيارات الكهروكيمياوية بين شبكات المنظومات الاستنباطية المتخصصة في الدماغ، وهكذا يصح القول: الإنسان جسد، روحه دماغه.
لقد تكرم الكاتب فصدّر الرواية بإهدائها لي، وجعلني باسمي الثلاثي، وبنسبي اللاذقي، وبحرفي (ن. س.) شخصية روائية، كأنما ينقصني ما يتوّهني بين الرواية والحياة، أو بين الواقع والخيال. وإذا كان هذا يناديني إلى قول آخر في الرواية، ففيها أيضاً ما ينادي، مما خصّت به أحوال العرب والمسلمين. وقد يحلو القول، بعد كل ذلك، أن «تقرير الهدهد» رواية من العيار الثقيل، بيد أن الكاتب استطاع أن يوفّر لهذا العيار من السلاسة واللطف قدراً أكبر فأكبر، مرة بالسخرية ومرة بالحوار ومرة بالحكي، وكل مرة بجنون الخيال. ولعل «تقرير الهدهد» إذن، تتصدر ذلك العقد الروائي النظيم الذي نضده جمال الغيطاني وواسيني الأعرج وسعد الله ونوس وسالم حميش بمن قدموا من التاريخ: الزيني بركات ودون كيشوت وابن خلدون والحاكم بأمره على التوالي، وها هو الآن أبو الـعلاء المـعري في (سِفْرٍ) روائي بحق.

الأربعاء، 25 أبريل 2012

الديانات، و «فرمتة» الأدمغة!



الديانات، و «فرمتة» الأدمغة!


حبيب عبدالرب سروري

لا يستطيع المرء، وهو يقارن بين قصص الأنبياء في الديانات السماوية الثلاث، إلا أن يلاحظ الدور الكبير الذي أخذه النبي إبراهيم، «كليمُ الله» و «مشيّدُ الكعبة»، في الميثولوجيا الإسلامية بالمقارنة باليهودية والمسيحية.
لعلّ لِذكرِ اسم إبراهيم في القرآن 23 مرة (يليه ذكر موسى 21 مرة، وعيسى 20 مرة) دلالةٌ رمزيّةٌ ما على علوّ مقام سيّدنا إبراهيم في كوكبة دين الإسلام، بالمقارنة بالدّينَين السابقين.
المدهش أن هذا الترتيب يعكس نفسه بشكلٍ لا واعٍ في نِسبِ اختيارات الناس لأسماء أبنائهم!... يكفي إحصاء عدد هذه الأسماء الثلاثة في ملفات إنترنت وقواعدهِ البيانية التي تحوي عددا كبيراً من الأسماء العربية، ليلاحظ المرء تقدّمَ عدد ذِكرِ اسم إبراهيم على عددِ ذِكرِ اسم موسى، الذي يفوق بدوره قليلاً عددَ ذِكرِ عيسى في تلك الملفات!...

الحق أن فعالية الأديان في «فرمتة» الأدمغة، أي في تشكيل خارطتها والسيطرة على نشاطاتها الواعية واللاواعية، مدهشٌ بشكل لا حدّ له. أشكال تلك السيطرة شديدةُ التنوّع. بعضُها، مثلُ ترتيبِ هذه الاسماء الثلاثة كما جاء في هذا المدخل التمهيدي، مثيرٌ قليلاً لكنه لا يعني شيئاً ذا أهميّةٍ ما في حياة الناس...
غير أن أبشعَ النتائج الملموسة لتلك الفرمتة هي ولا شك ممارسةُ العنفِ والنهبِ والقتلِ والإرهابِ باسم الدّين: الحروب «الصليبية»، نهبُ أراضي الفلسطينيين من قبل المستوطنين من «شعب الله المختار»، تفجيرات «الإسلاميين» الإنتحارية في 11 سبتمبر وغيرها من الأعمال الإرهابية اليومية... لاسيّما أن «أسوأ الشرِّ الذي تتمُّ ممارستهُ بشراسةٍ وبكل رضى، يُمارَسُ باسم الدّين!»، كما قال الفيلسوف وعالم الرياضيات بليز باسكال...
المثير هنا أنه لا يوجد إنسانٌ مستعِدٌّ للتضحية بحياته من أجل حقيقة علميّة (أنقذ جاليلو حياته من بطش حكم الكنيسة التي رفضت أطروحاته العلمية المبرهنة عن دوران الأرض حول الشمس، قبل أن يهمس ساخراً: «ولكنها تدور!»)، لكن هناك عدداً لا نهائيّاً ممّن يُقدِّمون حيواتهم في التفجيرات الإنتحارية، دون تردّد، قرابين لأوهام دينيةٍ خالصة في أغلب الأحيان!...

سأضرب في هذا المقال (الذي يهدف لإثارة التساؤلات حول عمقِ ومدى «فرمَتَةِ» الأديان للأدمغة) مثالين مذهلين لهما مدلولان جوهريّان ونتائج مرعبة.
المثال الأول آتٍ من دراسة (1)، تستحقُّ كلَّ تأمّل، قام بها عالم النفس الإسرائيلي جورج تاماران. قدّم هذا الباحث لأكثر من ألف طالبٍ إسرائيلي، أعمارهم بين الثامنة والرابعة عشر سنة، آياتٍ من سِفر يشوع في العهد القديم من الكتاب المقدّس، عن غزو أريحا.
تشرح تلك الآيات كيف دخل يشوع ومعه الإسرائيليون لأريحا وذبحوا رجالها ونساءها، شيوخها وأطفالها، حمِيرها وغنمها وثيرانها، ثمّ أحرقوا المدينة بعد أن نهبوا مالها وذهبَها...
سأل الباحث كل واحدٍ من الأطفال هذا السؤال: «هل تصرّف يشوع والإسرائيليون كما ينبغي؟»!...

لا يهمني هنا التذكيرُ بأن علماء التاريخ والحفريات برهنوا اليوم أن هذه القصة التوراتية لم تحدث في الحقيقة. وليس هنا موضع التساؤلِ عمّا إذا لم تكن هذه القصّة، أو غيرها من القصص التوراتية، قد ألهمت الإسرائيليين، بشكلٍ أو بآخر، في غزو ونهب الفلسطينيين في 1948، وعمّا إذا لم تكن اليوم وراء اتخاذ قرارات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لتوسيع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة.
ما يهمنّي هنا هو أن ردود الأطفال الإسرائليين كانت مثيرة جدّاً: أيّد 66% منهم ذلك الغزو بشكل قاطع!...
راوحَتْ تبريراتُ تأييدهم غالباً بين: «وعد الله بني إسرائيل بتلك الأرض!»، «أمرَ الله يشوع بذلك!»...
تبريرات المستنكرين من الأطفال لما قام به يشوع وجنوده كانت أحياناً غير نقيّة، ولأسبابٍ دينيّةٍ خالصةٍ أيضاً: «أخطأ يشوع لأن العرب نجسون، ومن يدخل أرضاً نجسةً تقع عليه اللعنة!»، أو «أخطأ يشوع لأنه لم يحتفظ بالحيوانات طعاماً للإسرائيليين!»...

الأدهى في دراسة تاماران أنه قدّم نفس الفقرة التوراتية لمجموعةٍ أخرى من الأطفال الإسرائيليين، مستبدلاً اسم يشوع بالجنرال لين، واسم مدينة أريحا بمملكةٍ صينيةٍ قبل ثلاثة ألف سنة، موجِّهاً نفس السؤال: «هل تصرّفَ الجنرال لين وجيشه كما ينبغي؟»!...
كانت ردود الأطفال معاكسةً تماماً هذه المرّة: لم يوافق على هذا الغزو إلا 7% منهم فقط!...
من نافل القول هنا إنه إذا وُجِّهت أسئلةٌ من نفس النوع لأطفالٍ في أوساط إسلامية أو مسيحية، يؤثر عليهم الفكر الديني الظلاميّ، فستكون النتيجة مشابهة أيضاً!...

المثال الثاني الذي أودُّ تقديمه في هذا المقال مقتطفٌ من كتاب الباحث الانثروبولوجي الفرنسي باسكال بوييه (2). يجلي هذا المثال كيف أن «فرمتة» كلِّ دينٍ للدماغ تجعلهُ لا يستوعبُ حكايات ومعتقدات أي دينٍ آخر، وكأننا أمام نظامَين مختلفَين لِ «فرمتة» أقراص (ديسكات) الكمبيوتر:
كان باسكال بوييه، ذات ليلة في مأدبة عشاء في إحدى كليات اكسفورد، يحكي بعض المعتقدات الخاصة لشعب الفانج، بالكمرون، الذي يؤمن كثيرٌ من أفراده بأن السحرة لهم أعضاء بيولوجية إضافية خفيّة تغادرهم لِتطير في الليل، كي تُبيدَ المحاصيل الزراعية لهذا الشخص أو تُسمِّمَ ذاك...
قاطعَهُ رجلُ دِينٍ مسيحيٍّ شهير قائلاً: «يؤكدُ هذا روعة وصعوبة علم الإنثروبولوجيا. إذ يلزمكم كباحثين أن تشرحوا كيف يمكن للناس أن تؤمن بسخافات من هذا النوع!»...

صعق باسكال بوييه، كما قال في كتابه، ولم يجد الفرصة ليسأل رجل الدّين: ماذا سيقول أي فردٍ من شعب الفانج إذا أخبرناه بأن ثمّة من يؤمنون بأن هناك رجلاً وُلِد بلا أب، من أمٍّ عذراء. ذات يوم، نادى هذا الرجل، الذي وُلِد من أمٍّ عذراء وبدون أب، صديقاً له ميّتاً مدفوناً في القبر، اسمه لازار، وأعاد له الحياة! غادر هذا الرجل نفسه، الذي وُلِد بلا أب ومن أمٍّ عذراء، قبرَهُ بعد ثلاثة أيام من موته، وصعد لقمةِ تلٍّ ليطير بجسدهِ من هنالك نحو السماء؟...

من نافل القول هنا أيضاً إن استبدال رجُلِ الفانج ورجُلِ الدِّين المسيحي في أمسية أكسفورد، بإثنين يؤمنان بمعتقداتٍ دينيّةٍ أو غيبيّةٍ أخرى، سيؤدّي لِنتيجةٍ مشابهةٍ تماماً، وكأننا دوماً أمام نَوعين بيولوجيين مُختلفَين لا يتزاوجان.
باختصارٍ شديد: قصصُ المعتقداتِ التي لم ينشأ عليها المتديّنُ، أيّاً كان، منذ طفولته، تبدو دوماً غريبةً جدّاً من وجهة نظره، لِدرجةٍ تجعله يُوجِّهُ هذا السؤالَ المندهشَ المُدهش: كيف يمكن للناس أن تؤمن بسخافات من هذا النوع؟...

المراجع:
1) John Hartung, Skeptic, Vol. 3, No. 4, 1995.
2) Pascal Boyer. Et l’homme créa les dieux. Rober Laffont. 2001.

الخميس، 19 أبريل 2012

يُماهون بين الله وفوتوشوب!


يُماهون بين الله وفوتوشوب!
حبيب عبدالرب سروري 
لِغيابِ العقليّةِ العلميّة في مجتمعاتنا العربيّة تجليّاتٌ لا حصر لها. لِتوضيحِ نماذج من هذه التجليّات، يكفي على سبيل المثال (لمن يجيدُ استخدام برمجيّة فوتوشوب لإخراج الصور الرقميّة على الكمبيوتر) فَبْرَكةُ صورةِ رجُل بِرأسين، أو إلصاقُ صورتَي شخصين ظهراً بظهر، كما لو كانا ملتَصِقَين فيزيولوجيّاً، وتصميمُ رئتين مشتركتين لهما معاً تبدوان مكشوفتين في الصورة... 
يكفي بعد ذلك وضعُ هذه الصورة على صفحة فيسبوك مفتوحة مع خبرٍ على غرار: «يعيشان هكذا بقدرة الله ملتَصِقَين جسديّاً، بنفس الرئتين، منذ 48 عاماً!». 
بدلاً من أن تسخر تعليقاتُ القراء من هذه الترّاهات المثيرة؛ أو أن تتساءل على الأقل، بِحِيرةٍ مبارَكة، كيف يمكن أن يكون ذلك ممكناً؛ أو أن تقول، وذلك أضعف الإيمان، إنها تنتظرُ تأكيداً وتفسيراً لهذه «الظاهرة» من جهةٍ علميّةٍ رسميّةٍ متخصِّصة؛ سينهمرُ على صفحة الفيسبوك «500 لايك في خمسة دقائق»، ويتوالى رتلٌ من تعليقات دينيّة لعلّ أقلّها خشوعاً: «إن الله على كل شيء قدير»، «سبحان الخالق!»...
يُماهون هكذا بغباءِ إيمانهم وفرطِ حماقتهم بين الله وفوتوشوب!
مثالٌ آخر: يكفي عند الحديث عن قطار اليوروستار (الذي يربط باريس بِلندن، ويمرُّ تحت بحر المانش) نقلُ الخبر التالي: هناك مشروعٌ عملاقٌ جديد سيبدأ قريباً لربط باريس بِنيويورك يمرُّ تحت المحيط الأطلسي!...
ستنهال حينها سريعاً من أكثر من مثقف خطبُ ندمٍ صادقةٍ صائبة على واقع بلداننا العربية التي تخلو بعضها، مثل اليمن، من أيةِ سكّةِ حديد فوق الأرض (وإن ردّد رئيسُها المخلوعُ طويلاً: «فاتكم القطار!» التي لعلّها تعني في الأساس: «فاتكم الحمار!»، لاسيّما بعد تنَحّيه)، تليها خطبُ إعجابٍ هائل بالمستوى العلميّ والتكنولوجيّ في الغرب الذي صعد إلى القمر، فكيف سيصعبُ عليه عبور الأطلسي بالقطار!... 
تتوالى مثل تلك الخطب في الوقت الذي يلزم التساؤل بشكلٍ هادئٍ رصين: إذا كان حفرُ نفقٍ تحت شارع يحتاج إلى عدّة أشهر فكم قروناً سيحتاج حفرُ نفق طوله عدّة آلاف من الكيلومترات تحت محيطٍ أطلسيٍّ شديدِ العمق؟ هذا إذا كان  هذا المشروع مجديّاً أو معقولاً على الأقل، وإذا لم يكنِ الخبرُ عنهُ مجرّد مزحةٍ من العيار الثقيل!...

يمكن، في واقعنا العربي، معايشةُ أو إخراج عددٍ لا نهائي من مثل هذه الأمثلة المُسلِيّة، والمحزنةِ أيضاً لأنها تكشفُ عورات عقولِنا العربيّة التي يخدِّرُها سماعُ الخرافات، بل تحتاج غالباً لسماعها كما يحتاج المدمنُ للمخدرات.
من الملحوظ لمن يتنقّل زجزاجيّاً بين ثقافتين غربيّة وعربيّة أنه يستحيل أن يُعلِّق طالبٌ صغيرٌ، درسَ وتربّى في مدرسة الغرب، على هاذين الخبرَين بنفسِ طريقتنا الإيمانيّة الساذجة. لماذا؟
السبب: ترعرعتْ في دماغِه بفضلِ المدرسة، وبشكلٍ مبكّر، ثقافةُ الشكِّ والنقد والرفض، ثقافةُ العقل المبنيّة على التساؤل والتحليل المستقل عن أية مُسلّمةٍ غيبيّةٍ يلزم الإيمان بها مسبقاً، ثقافةُ ال «لا» العبقريّة التي يلزم توجيهُها آليّاً، وبشكلٍ مسبق، قبل التحقّق من صحة الخبر، والتأكد من وجود برهان علميٍّ له... فيما ثقافتُنا عكسُ ذلك تماماً: ثقافة ال «نعم» البليدة التي اعتدنا أن نُشهِّد ونُكبّر بها آليّاً دون تمحيصٍ أو برهان!... 
الفرق بين الثقافتين شاسعٌ جدّاً: يكفي في ثقافة ال «نعم» أن يمتلكَ المرءُ عقليّة الخروف ويزدرِدَ دون عسرِ هضم رتلاً من المسلّمات الغيبيّةِ والمُحالةِ الجاهزة، ويؤمنَ بها دون نقاش، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته! لا يُكلِّفه ذلك أي مجهودٍ أو وقت!... بيد أن ثقافة ال «لا» أصعبُ بكثير: يلزمُ فيها تبريرُ رفضِ كلِّ مقولة، دراسةُ كيف وُجِدت ولماذا، والبحثُ عن بديلٍ لها، والصمودُ أمام القوى الظلامية التي لا تقبل عدم الإيمان بمسلماتها، وتلجأُ حينها غالباً للتكفير والعنف...
في مدرسة الغرب (حيث لا يتدخّلُ الدِّينُ والغيبُ بشئون التعليم لا من قريبٍ أو بعيد) يعودُ الطالب إلى البيت كلّ يوم بعد أن يكون قد تعلّم كيف يكون فضوليّاً جدّاً، شكّاكاً جدّا، وكيف يستخفُّ بأي تفسيرٍ أو إجابة تأتيه من خارج المختبرات العلمية، وعلى صحنٍ جاهز! أي بعد أن يكون قد تعلّمَ كيف يرفضُ ألفَ مسلّمة، وكيف يقول ألفَ لا... 
في حين لا يعود الطالب كلّ يوم من مدرستنا العربية (التي لا فصل فيها بين الدّين والعلم) إلا بعد أن يكون قد استلم ألفَ تفسيرٍ لا علميٍّ عن الكون والحياة تصله بقبضةِ يد من ألفِ مشعوذٍ وفقيه، وقد عزّز من «خروفيّته» وإيمانه وقناعاته البدائية أكثر من البارحة، وأضاف ألفَ حبّةِ «نَعَمٍ» جديدة لمسبحةِ نَعَمَاته الثقافية اللامتناهية!... نموذجُه في ذلك من قال عنه الفرزدق مادحاً:
ما قال لا قطُّ إلا في تشهُّدِهِ لولا التشهّدُ كانت «لاؤهُ» «نَعَمُ»

لعلّ غيابَ عقليّةِ النقد والنفي والرفض في ثقافتنا يُفسّر إلى حدٍّ كبير لماذا كنّا في قمّة الحضارة في العصور الوسطى، عندما كان العِلم بدائيّاً لا يجيد ابتكار أكثر من البوصلة الصينية والاسطرلاب الإغريقي (الذي طوّرهُ العربُ ابتداءً من القرن الثامن) والسيف اليماني. أما في عصرِ العِلم الحديث الذي بدأ في القرن السابع عشر، عصر السفن الفضائية والكمبيوتر وإنترنت وسكانير الدماغ والطاقة الذريّة، فلسنا أكثر من مشاهدٍ مستهلكٍ، يلهث في المؤخرة مشلول الدماغ مكسورَ الركبة... 
الأسوأ: نكتفي أكثر من اللازم بمدح ما قدّمناه للعِلم في تلك العصور الوسطى، رغم أن كلّ ما ساهمنا به طوال ذلك الزمن لا يستحقُّ الذّكر بالمقارنة بما يُنتِجهُ اليوم أصغر مختبرٍ غربيٍّ في أسابيع قليلة!...

ماذا حدث إذن أثناء تلك الثورة العلميّة الحديثة التي فصلتْ بين عهدين: عهدِ العلوم البدائية الذي كنّا خلاله في الطليعة، وعهدِ العلوم الحديثة الذي لم نستطع فيه أن نغادر القاع؟
حدث تغيّرٌ نوعِيٌّ جذريٌّ في طرائق صناعة المعارف: كانت المعارفُ قبْل العِلم الحديث تجريبيّةً مباشرة، تنسجمُ مع التوقّعات الحدسيّة للإنسان، لا تتطلبُ أكثر من مواهب الرصد والتمعّن والتنظير المباشر: كان يكفي للعِلمِ حينها تحديدُ علاقات زوايا وأضلاع الأشكال الهندسية التقليديّة ومساحات وحجوم الأجسام النافعة البسيطة، ومراقبةُ حركة الكواكب والنجوم ورصدها بوسائل في غاية التواضع، والتمعّنُ في أعراض الأمراض وعلاجها بِطُرقٍ بدائيّةٍ تجريبيّة...
أي كانت معارف أوّلية انتجتْها ثقافةُ ال «نعم» للحدس والطبيعة المرئيّة والواقع الملموس.
في عصر العِلم الحديث انقلب الأمر رأساً على عقب: أرست الثورة العلميّة ثقافة ال «لا». لأن التوقّعات الحدسيّة للإنسان ومسلّماته الغيبيّة، كما صاغها تاريخهُ التطوريّ، تخالفُ غالباً الحقيقةَ العلميّة، ويلزم لذلك دحضُها واستبدالُها بمعارف أخرى تسمحُ للحضارة الإنسانيةِ التقدُّمَ إلى الأمام!...
فكلُّ الاكتشافات العِلميّة الحديثة، من اكتشافات جاليلو الذي برهن، قبل 4 قرون، خطأ المعتقدات الفلكية السائدة ذات الأساس الدينيّ، حتّى اكتشافات العِلم الحديث لِلَحظة نشوء الكون إثر الانفجار الكبير (البيج بونج) قبل 13.7 مليار عام وتمدّدهِ الدائم مذّاك (مخالفاً كلَّ توقّعاتنا الحدسيّة عن ستاتيكية الكون، والخطابَ الغيبي حول خلقهِ في ستة أيّام)، وحتّى نتائج الفيزياء الكونتية، المربكةِ المذهلةِ بشكلٍ كليٍّ مدهش، مثل مبدأ هايزنبرج الذي ينصُّ على استحالة معرفة سرعة الجسيمات الذريّة وتحديدِ موقعِها في نفس الوقت؛ مروراً بنظرية داروين التي برهنت على نشوء الكائن الحيّ بطريقة تخرج تماماً عن كلِّ تصوراتنا البدائية أو الغيبية (مثل حكاية آدم وحواء والحيّة والتفاحة)، ونظرية آينشتاين عن نسبية الزمن التي خالفت فيزياء نيوتن وأعادت صياغتها: مقياسُ الزمن الذي يفصل حدَثين ليس ثابتاً ولكنه يرتبط بسرعة من يقيسه. (أو ما يحلو غالباً شرحه مجازاً: إن كنت تطير خارج الأرض بسرعةٍ تقترب من سرعة الضوء، لمدة عام من عمرك، فستعود إلى الأرض وقد شاخ أهلها وعاشوا عمراً أكبر بكثير من تلك السنة التي قضّيتَها بعيداً عنهم)... كل هذه الاكتشافات الجوهرية التي تأسّس عليها العِلمُ الحديث تُخالفُ كليّةً التوقعات الذهنية البديهية للإنسان والثوابت الغيبيّة التقليدية الأساسية، وتتطلب للوصول إليها عقولاً «لائيّةً» صارمة تمتلك روحاً نقديّةً خلّاقةً من طراز استثنائيٍّ شرسٍ صابرٍ عنود، يسمحُ لها بالتمرّد على تأثير وسلطة التوقّعات الحدسيّة والمسلمات الغيبية!...
السؤال الجذريّ الآن هو: ما هي العوائق التي تمنعُ انتقالَنا من ثقافة ال «نعم»، ثقافة العبودية والتقوقع والظلمات، إلى ثقافة ال «لا»، ثقافة الحريّة والتقدّم والعقلية العلميّة الحديثة؟
تحتاجُ الإجابة على هذا السؤال الجوهريّ جدّاً إلى مقال آخر.