أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 1 ديسمبر، 2014

ماكينتوش وسط زبالة!


ماكينتوش وسط زبالة!
حبيب سروري

رمقتُ، وأنا أرمي منديلاً في زبالةٍ باريسية وسط شارع، ماكينتوشاً محمولاً صغير الحجم، فضيّ الإطار، أنيقاً جدّاً!
استغربتُ، واصلتُ مسيري، ثم عدتُ القهقرى بلا وعي لآخذهُ وأضعهُ في حقيبة ظهري. ليس لأني احتاجه (جاراج منزلنا عامرٌ بمتحفٍ يجمع موميات كمبيوتراتنا القديمة، منذ منتصف الثمانينات) لكن، ربما، لأنها أوّل مرة أرى كمبيوتراً في زبالة!
وضعتهُ في المساء بجوار المتحف واثقاً أنه قد قضى نحبه. ثمّ قرّرتُ بفضولٍ فاتر ربطَهُ بشبكة كمبيوتراتنا العائلية لِفحصه. أكتشفتُ أنه ما زال يشتغل، وأن صاحبه لم يمسح ملفاته، وأنها غابةٌ عامرة بمئات الجيجابايتات...

تمكّنتُ، بجهدٍ مضنٍ، من الوصول بطريقةٍ ما إلى ملفاته دون الحاجة إلى كلمة السر! راودتني رغبةٌ تلصصية عنيفة في التجوّل في الغابة. كبحتُ رغبتي الآثمة بصعوبة. لكني فضّلتُ (لا أدري لماذا) أن أنسخ مجموع هذه الملفات في جهازٍ خارجي للاحتفاظ بها فيما إذا تعطّل الكمبيوتر كليّة.

ثمّ حامت في رأسي أسئلة مرتعشة: أيحقُّ لي أخلاقياً تصفُّحُ هذه الملفات؟ لمَ لا، وليس لي في ذلك أدنى غرض، غير إسكات حبِّ استطلاعٍ جامح؟
أيختلفُ تصفحي لها عن تجسّس كبار شركات الكمبيوتر على أجهزتنا عند ربطها بالإنترنت؟... إذ لا يوجد تقنيّاً ما يمنعها اليوم عن ذلك. بل أكثر: غرستْ تلك الشركات، في كل كمبيتورٍ صُنِع بعد أحداث ١١ سبتمبر، برمجيات تفهرس محتويات ملفاته، بحيث يمكن عند البحث عن كلمةٍ ما، مثل "أحبك" أو "القاعدة"، (من قبل المستخدِم، أو سرّاً من قبل جاسوسٍ رقمي)، الوصولُ بشكل مباشر لكل الملفات التي تحوي الكلمة.
بل أكثر أيضاً: يحقّ لها الآن وقد دخلنا عصر البيانات العملاقة، Big Data، الشفط اليومي لكل ما نترك من آثار ونصوص وكتابات: تعليقاتنا، منشورات الفيسبوك، تويتر، ما نبحث عنه في غوغل، أغانينا المفضّلة، أصدقاءنا، ما نشتريه بالبطاقة البنكية...) وأرشفته في مستودعات ضخمة من الكمبيوترات، وتقديمه لبرمجيات ذكية لتحليله... وذلك لدراسة شخصيّتنا وميولنا وهوّيتنا (ال D.N.A الرقمية الخاصة بنا)، لرسم جينومنا الرقمي (الذي صار بأهمية الجينوم البيولوجي!). 
كل ذلك بغرض معرفة آلية عمل عصبونات أدمغتنا، وتوجيه رغباتنا الاستهلاكية، والتأثير والسيطرة مستقبلاً على سلوكنا في كل مجالات الحياة...

ثمّ خطرت ببالي أفكار عابثة لتبرير رغبتي التلصصية: من يدري لعلّ من رمى الكمبيوتر في الزبالة انتحر بعد ذلك، أوقُتِل؛ وثمّة ربما ملفات في كمبيوتره ستكشف سر رميه في قارعة الطريق بكلِّ هذا الكم الزاخر من الملفات والإيميلات الشخصية! ألا يلزم على الأقل أن أعرف اسم صاحب هذا الكمبيوتر من قراءة أحد إيميلاته فقط دون فتح ملفاته، لأتابعه بعد ذلك على الإنترنت علِّي أفكّك هذا السر؟

فتحتُ أحد الإيميلات. مفاجأة. أعرف صاحب الكمبيوتر: ف.ج! كان طالباً معي في الماجيستر في جامعة باريس، في ١٩٨٣!
كنّا ٢٥ طالبا، في ماجستير نخبَويٍّ جهّزتُ نفسي عاماً كاملا للوصول إليه. أروع سنوات حياتي الدراسية. كنّا حقل تجارب لِعِلم جديد: علم الكمبيوتر، مُنحنا بفضل ذلك إمكانيات اتصال وشغل استثنائية على شبكات كمبيوترات قومية ودوليّة تجريبية، سبقتْ بعقدٍ إنترنتَ اليوم المفتوحَ للجميع، وهيّأتْ له.

ما أتذكّره: كان ف.ج أكثرنا إدماناً على عشق البرمجة، سريع التذمّر والملل عندما لا ينظر إلى شاشة، لا يميل إلى الاختلاط بالآخرين، ولا يهتم بمظهره كثيرا. عمل أطروحة الماجستير حول لغة كمبيوتر جديدة سهلة اخترعها وبرمجها لتحبيب البرمجة لطلاب المدارس الصغار.
كان له كمبيوتره الشخصي الذي يأتي به إلى الصف مربوطاً على ظهره بحبال! علاوة على الأجهزة الشخصية التي منحنا إياها المختبر (أحتفظ بها في قلب متحف جاراج منزلنا، قُدسِ أقداسِه. اعتبرها تحفاً تنتمي لِعصرٍ حجرِيٍّ عتيق)... لا أنسى منظرَهُ وهو يعبر شوارع باريسية وعلى ظهره دبٌّ قطبيٌّ صغير (كمبيوترات بداية الثمانينات كانت ضخمة وثقيلة).

كنا نمتلك جميعا حسابات شخصيّة على حاسوبٍ عملاقٍ بعيد، في مدينة بوردو الفرنسية، نرتبط به، نكدحُ وننضحُ طوال الليل. كلٌّ يشتغل على حسابه ومشاريعه، ويترك ما شاء منها مفتوحاً للآخرين، للإطّلاع والاستفادة والاقتباس أو النقد. تفاعلٌ وديٌّ وعمليٌّ في فضاءٍ رقميٍّ إنسانيٍّ مشتركٍ حر، لم أعش في حياتي تفاعلاً بثرائهِ وعمقه. حماسٌ عارم وتبادلُ أفكارٍ وأحلام. وسعادةُ من يشعر أنه وُلِدَ في الزمن المناسب ليكون على موعدٍ مع ولادة علمٍ جديدٍ واعد. 
لم يكن لأحلامنا الطوباوية آنذاك حدود: غمرتنا حينها الثقة المطلقة بأن الكمبيوتر سيتجاوز ذكاء الدماغ البشري، بعد بضعة عقود فقط!...

كنت أدخل في حساب ف.ج بانتظام. أتابع تنظيمَه لِشجرة ملفاته و"أتلصّص" على كل أعماله المفتوحة للجميع. أغرقُ في قراءة البرمجيات التي يكتبها: أنيقةٌ بشكلٍ استثنائي، ذات جَمالٍ مطلق. أتناقش معه في منتديات فضائنا الإلكتروني حول بعضها...
لاحظتُ: كان يميل لاستخدام لغات الكمبيوتر الأكثر تعبيرية وارستقراطية، النابعة من علوم الرياضيات والذكاء الاصطناعي. يُطوِّعها لتصميم نصوصِ برمجيات صلصاليةٍ شديدةِ التكثيف والتجريد، قابلةٍ لأن تُكيَّف وتُستخدم في مجالات شتّى لا تربطها رابط أحياناً.
كنت أشعر بسعادةٍ خاصّة وأنا أقرأها: نقيّةٌ، أنيقةٌ، شفّافةٌ رقراقة. كنتُ كمن يقرأ نصّاً أدبيّاً، ملحمةً شعريّة!... صرتُ قادراً على تمييز أسلوبه الجماليّ الفريد في كتابة البرمجيات بين مليون أسلوب.

كان يتركُ أجندتَه اليومية في ملفٍ مكشوف، وقسطاً من مذكراته التي لا يتوقّف عن سردها في ملفاته بالتفصيل يوماً بعد يوم. استغربتُ كثيراً من تركها هكذا في العراء للعامّة من سكّان الحاسوب. وقعَتْ عيناي عليها بالصدفة بين الحين والحين، لكني كنتُ أمنع نفسي بصعوبة من قراءتها، وإن شعرتُ من نكهةِ شذرات بعضِها أن حياة ف.ج ليست عاديّة، غامضةٌ غريبةٌ جدّاً...

أختفى ف.ج عنّي بعد الماجستير، ولم أعرف عنه شيئاً، اللهم إلا ما قاله لي زميل قديم في نهاية التسعينات: يسافر ف.ج من بلدٍ إلى بلد، يعيش وحيداً متنقّلاً بين المقاهي والطرقات والفنادق وقارعات الطرق. يضع مجانا بين الآن والآن برمجيات ترفيهية صغيرة على الإنترنت لتكون بمتناول الجميع، أو أخرى مهنيّة يبيعها لِتسمح له حياةً بوهيمية حرّة يطوف بها العالم، ترافقه حقيبةٌ شخصية وكمبيوتر محمول!...
ندمتُ طوال عقود أني لم أثرثر معه كثيراً في سنة الماجستير. تقتيرهُ في الحديث وميوله الانطوائية (عندما لا يكون أمام الشاشة) كانت، كما أظن، المانع الرئيس. ازداد يقيني أكثر فأكثر أن حياته الخاصّة تخفي قافلة أسرار!

لم يمر أسبوع، منذ أكثر من ٣٠ عاماً، دون أن أستحضر ف.ج.، لاسيّما عندما كنتُ أمرّ قرب محطة مترو باريسية لها اسمٌ شبيهٌ باسمه!
أستحضره أيضاً كل مرّة أسمع فيها كلمة "بوهيمي"، أو كلمة "جِيك" (التي تُطلق اليوم على أعضاء ملّةٍ بشريّة، موهوبةٍ جدّاً، مهووسةٍ بالكمبيوتر والبرمجة والتكنولوجيا الحديثة)؛ كلّما أرى نصَّ برمجيّةٍ بِجمال قصيدة؛ وكلّما أعاشر في روايةٍ أدبية شخصيّةً خارج السرب، تتلوّى في طيّاتِها ألغازٌ وعجائب!

اجتاحتني في منتصف الليل رغبةٌ شيطانية زرقاء داكنة في الغوص في ملفاته الشخصية التي نسختُها من الماكينتوش المرمي وسط زبالة. ألسنا جميعاً "مِلكٌ لمختبرِ التجربةِ والمعرفةِ الإنسانية، نحيا لِنعزفَ معاً سيمفونيةَ الوجود، ونُصغي إليها في نفس الوقت"، كما قالت عبارة في روايتي "أروى"؟

أوّل ما أثارني وأنا أتصفّح خارطة قارّات ملفاته هو حرصه على أرشفة كلِّ يوميات حياته، كلِّ تفاصيلها، منذ بدء الثمانينات من القرن المنصرم على الأقل. وجدتُ شذراتٍ من يوميّاته في الثمانيات التي وقعَتْ عليها عيناي بالصدفة، في حاسوب بوردو العملاق أثناء سنة الماجستير!
كلُّ إيميلاته منذ تلك الفترة (بما فيها إيميلات نقاشاتنا الصغيرة حول هذه البرمجيّة العتيقة أو تلك)، كلُّ ملفاته، كلُّ حركاته وسكناته وخواطره مؤرشفة بشكلٍ مذهلِ التنظيم. كلُّ أسرارِ حياته، صغيرها وكبيرها أيضاً!...
غصتُ بلا وعي في هذه الغابة اللانهائية، غرقتُ فيها كما لو كنتُ أقرأ رواية. لم أتوقف عن عبورها طولاً وعرضاً، عن التسكُّعِ في بعضها طويلاً، قبل أن أكتشف في أحد مراحلها تفسيراً لسرٍّ جوهريٍّ حميم في صميم حياتي الخاصّة، أهمِّ أسرارها إطلاقاً.
زلزالٌ حقيقي!...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق