أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 29 يونيو، 2014

مقال الأستاذ هيثم حسين في العرب اللندنية عن روايتي: ابنة سوسلوف


حرب روحيّة تحضر في رواية اليمني عبدالرب سروري من مستهلّها إلى نهايتها، حيث تهرب الشخصيّات من ذاتها إلى الحرب عساها تعثر على بعض الأمان المفقود.
العرب هيثم حسين [نُشر في 29/06/2014، العدد: 9604، ص(12)]

بين ساحة التحرير وساحة التغيير في صنعاء يتنقل بطل الرواية مفعما بالأمل
يمهّد اليمنيّ حبيب عبدالرب سروري في روايتهابنة سوسلوف،الساقي، بيروت 2014″، لروايته بجملة لآرثور رامبو يقول فيها: “الحرب الروحية لا تقلّ شراسة عن معارك الفرسان”. وبمقطع شعريّ لأدونيس.
يتوجّه سروري بخطابه الروائيّ إلى مَن يصفه بهادم الملذّات ومفرّق الجماعات، كما يتوجّه إلى ملاك الموت المتربّص بالناس، الدائر بين الجموع متنقّلاً من ساحة إلى أخرى، حاصداً الأرواح بأعداد كبيرة. يحمل الخطاب المتكرّر نوعاً من العتب والمواساة والمصابرة، كما يكون مفعماً بالوعي والمسؤولية والمساءلة. وكأنّما يكون بصدد تقديم كشف حساب له، أو مطالبته بمراجعة ما فات بغية الاعتبار منه إن أمكن.

الحرب الروحيّة، الداخليّة، تحضر في الرواية من مستهلّها إلى نهايتها، تتجلّى بأكثر من صورة وصيغة. تجد الشخصيّات نفسها في مستنقع الاحتراب، تهرب من ذاتها إلى الحرب عساها تعثر على بعض الأمان المفقود، ومن عبث الأقدار أنّ اللجوء إلى الضجيج يكون لتهدئة الدواخل الضاجّة بالحرب المجنونة التي لا تبقي ولا تذر، فتكون الحرب المعلنة صدى للحرب الخفيّة الدائرة منذ زمن.


تمجيد العنف

يعود الكاتب إلى سنة 1962 لينتقل ببطله عمران بين الزمن، يصفه في ماضيه وكيف كان مستمتعاً بالجوّ الطفوليّ البهيج مع أطفال البلدة في عدن، وما آلت إليه الأوضاع بعد ذلك من خلال نداءات العنف بالعنف، تلك التي من شأنها نسف بنية البلاد المتهالكة، وإحياء الثارات المتجدّدة وإبقائها جمراً تحت ركام الأحقاد المتعاظمة.

يصف الراوي كيف أنّ تمجيد العنف كان سيّد الأزمنة وظلّ كذلك، عبر الدعوات إلى الالتزام به منهجاً ثوريّاً وثأريّاً دائماً، ذلك أنّه وضع كطريق أوحد نحو تحقيق كلّ فئة لأهدافها، بحيث يتراجع الاهتمام بالوطن تحت طائلة العنف المستعر، ودوائره المتّسعة باطّراد، سواء عنف الأفراد فيما بينهم، أو داخل الأسرة، أو عنف السلطة تجاه الشعب، أو عنف القبائل فيما بينها، أو العنف تجاه الأجانب.

يلتقط الراوي أصوات الباحثين عن القتل والاقتتال، يصف صوت المنادي بالعنف بأنّه زعيق جنوني خالص بلا لحن، موجّه ضدّ الحياة، ضدّ الإنسان، وأنّه احتفال من كباش فداء بثقافة الاستشهاد والانتحاريين، بثقافة إبادة الذات.

بموازاة تمجيد العنف المعمول به، يبرز الروائيّ دعوته الكبرى لتمجيد الحياة ونبذ العنف، لكنّه يظلّ صوتاً نشازاً في جوقة الهاتفين بتمجيد العنف وتعزيز مواقعه واللجوء إليه في الحلّ والترحال عبر الاحتفاء به والاحتفال بـمنجزاته”.

بطل الرواية الذي يسافر في منحة دراسية في منتصف السبعينات إلى فرنسا، يكون حالماً بوعي طفوليّ ثوريّ. يكسبه البعد عن البلاد وعياً بالمستجدّات، يتمكّن من النظر إليها بمنظار واعٍ بعيداً عن تأثّر مبالغ فيه أو انخراط في معمعة الأحداث ينسيه واقعيّتها أو رؤية جوانبها المختلفة.

ابنة سوسلوف هي بطلة الرواية، وهي تحظى بالأهمّيّة التي يوليها إيّاها الكاتب، وذلك من خلال اختيارها كعنوان للرواية، ثمّ توصيف رحلتها من أقصى التحرّر المفترض إلى أقصى التشدّد القاتل. تكتسب صفتها من أبيها الذي درس العلوم الماركسية اللينينية في موسكو وصار المنظّر الرسمي بامتياز، ولقّب بـسوسلوفنسبةً إلى ميخائيل سوسلوف، مسؤول الدائرة الأيديولوجية في الحزب الشيوعي السوفييتي حينذاك. اسمها فاتن، يسمّيها هاوية، وهي تختار تالياً تسمية أمة الرحمن. كلّ تسمية تعكس متغيرات مرحلة من مراحل حياتها. تنتقل من ابنة شيوعيّ مخضرم إلى زوجة لابن أحد المتشيّخين المتاجرين بالدين، وتقع فريسة علاقة محرّمة مع والد زوجها الذي يستغلّها جنسيّاً ويستغلّ خدماتها التبشيريّة والدعويّة، ويقدّمها كوجه من وجوه الثورة والإصلاح.

تنقّل البطل بين الأمكنة والنساء، عشق أكثر من امرأة وأكثر من مدينة، يكون لكلّ منهما مزايا خاصّة عنده، يحتفظ بالجماليات في روحه وذاكرته، يستعيدها حين يشعر بالحاجة إلى التصالح مع ذاته وماضيه. أمة الرحمن، أو هاويته التي تفتنه، تكون له العشيقة السلفيّة السريّة، يستمتع معها بملذّات لا تخطر على بال، يصوّر التناقض السافر الذي يميّز شخصيّتها، ويتأسّف لما آلت إليها أحوالها. هي التي هربت من واقعها مع أبيها وأمّها وبؤس الخلافات الدائمة إلى الشمال لتلوذ بشيخ يستغلّها، ثمّ تقدّم على أساس أنّها واجهة الثورة وجان داركها اليمنية المتحضّرة، لكنّها واقعة بين براثن ذئب بشريّ يفتك بها، ويجيّرها لمآربه.


مقاليد الحكم والقيادة بيد توازن جديد لنفس العصابات القديمة

امتطاء الثورات

يصوّر الروائيّ بعض ملائكة الثورات وبعض شياطينها، يصف الأمل الذي انبعث لديه حين بدء شرارة الثورات التي ضعضعت حكم الطغاة، ثمّ يصف ما آلت إليه من تشويه وتحويلها إلى حروب وتدمير البلاد وتشريد العباد، بحيث أنّ تآمراً متعدّد الأوجه جرى لحرف الثورات عن مسارها، وإيقاعها في فخّ العنف والحرب، ثمّ ما صاحب ذلك من امتطاء الإسلاميّين لها، واستغلال التحرّكات الشبابية لغاياتها للوصول إلى السلطة، بعيداً عن مدنية الثورات وملائكيّتها. يصف كيف أنّ السلفيّة الجهاديّة امتطت الأحداث وسعّرتها، ودفعت بالأمور نحو الأسوأ في رحلة تضييع الثورات والوطن معاً بحثاً عن أوهام ماضويّة بائسة.

بين ساحة التحرير التي احتلّها أنصار النظام، وساحة التغيير التي تمركز فيها الثوّار ينتقل عمران باحثاً عن ثورته الخاصّة، يصوّر ما يتناهب الناس من إحساس بالتمزّق مشوباً بالأمل والتوجّس معاً، وتراه يبحث عن معبودته التي تقود التظاهرات بحماسة منقطعة النظير، تضع إمكاناتها في خدمة شيخها المستبدّ، وكأنّ مسعاها يتركّز بالانتقال من حكم طاغية باسم الدولة والشعب إلى طاغية آخر باسم الدين.


ألف حجاب ونقاب

الأمل بالتغيير لا يموت أو يتلاشى في روح عمران، لكنّه ينحسر كثيراً إثر موجات العنف التي سادت حيث أصبح كلّ طرف ينظر إلى الآخر من فوّهة المدفع، ويتربّص به ويسعى لاقتناصه، وتكون عسكرة الثورات سبيلاً إلى نزع مسمار الأمان عن قنابل موقوتة في وطن تمّ تفخيخه لعقود على أيدي الديكتاتورية.

يتوحّد لديه وصف المدينة المعشوقة مع وصف المرأة المعشوقة، تبدو صنعاء تجليات عشقه المحموم المحرّم، يقول فيها إنّه ثمّة مليون مدينة تختفي داخل صنعاء، مليون سرّ وحلم يختبئ في دماغ كلّ امرأة فيها، مليون حزن وجرح، مليون ألم وكآبة وسعادة صغيرة. صنعاء مدينة يتوحّد فيها الكبت والسرّ ليل نهار.. صنعاء مدينة يتعانق فيها السيل الشفاف الرقراق والمستنقع. صنعاء حلبة صراع بين يرقة مدينة خجولة باهتة الصوت مشرنقة بألف حجاب ونقاب، وقنفذ يبرك فوقها، أشواكه سيوف وجنابٍ. صنعاء طفلة جميلة ينتهكها شيخ قبليّ لم يغسل فمه من رائحة القات منذ سبعين سنة..

يطلق الراوي كثيراً من التساؤلات التي تقض مضجعه وتبقيه رهين أمسه ووجومه، من تلك الأسئلة: هل قُدّر لنا أن نكون مخبراً وحقل تجارب؟ أللحياة معنى، هدف ما؟ اتّجاه ومغزى معيّن؟ أم أنّ أعمارنا منظّمة على عقارب مزاج ميتافيزيقيّ متقلّب، في حياة ليست أكثر من طرفة بلا رأس أو أرجل؟ أم الحياة مجرّد مسرحية ألّفها مجانين، تعرض في مستشفى مجانين؟ أين أنا الآن؟ أين عشت وأعيش؟ ما الذي ينتظر حياتنا في العقود القادمة؟ في القرون القادمة؟

يصف عمران العشق أيّام الثورة بأنه بحث متمرّد في العتمة عن خارطة الطريق، رقص رجراج حرّ يتنقّل بين الظلمة والشموع، على موسيقى الرصاص والانفجارات البعيدة. عشق ما بعد انفجار الثورات عالم زاخر بالمفاجآت، يصعب وصفه.


صرخة الثائر

يخلص الراوي في نهاية الرواية إلى أنّ مقاليد الحكم والقيادة أصبحت أكثر من أيّ وقت مضى بيد توازن جديد لنفس العصابات القديمة. كما يخلص إلى نتيجة أنّ البلاد تواصل هرولتها نحو هاوية بلا قاع. حيث فقر، فساد، نهب، تجويع، تعليم ظلاميّ متخلّف خطير، اغتيالات، فوضى، حروب طائفيّة، موت يوميّ بأرقام تجاريّة، زواج قاصرات، وحضور استثنائيّ مكثّف لتنظيم القاعدة والجهاديّين، وكأنّ الإمارات القندهاريّة هي أعلى مراحلالثورة الوطنيّة الديمقراطيّة”. ويكون الصراخ المثوّر: “باي باي عصر الكهرباء والتكنولوجيا المدنيّة والإنسان الحديث.. باي باي بوارق الأمل!”.

الثورات العربيّة حاضرة في وجدان بطل الرواية، وتبدو آراؤه حيالها محمّلة برؤى الكاتب، وبالانطلاق من مآلاتها التراجيدية. يقول في مناجاته لنفسه: “دخلت سوريا على خطّ هذه المرارات من أوسع أبوابه. ثورة تفتح النفس أخيراً، على أحد أبشع الأنظمة الديكتاتورية التوريثية العربية. ثورة مغدورة دخل على خطّها نفس الجهاديين والظلاميين الذين دمّروا حياتي: سفكوا عشقي الأوّل وسمّموا دماغ عشقي الثاني. تجرّأوا على قطع عنق التمثال الوحيد لعظيمي الخالد في عقر داره بالمعرّة.. ثورة تترنّح وتنزف بغزارة، منذ سنوات. مصنع جثث. تحوّل بفضلها القذافي بكل جرائمه وهمجيته إلى غاندي مقارنة بوحشية بشار الأسد الذي لا تنقصه إلا جائزة نوبل في الكيمياء وهندسة البراميل”.


طريق بلا خارطة

تكون الخاتمة بحكمتين صينيتين تشيران إلى وجوب التحلّي بروح المغامرة. الحكمتان هما: “ليس هناك أصعب من البحث عن قطّة سوداء في ليل بهيم. وبشكل خاص إن لم تكن ثمّة قطّة في الأساس”. والرحّالة الحقيقيّ يسافر دون خارطة طريق”.

يتماهى بطل الرواية مع الروائيّ في أكثر من جانب، ما يوحي أنّ الكاتب يكتب أجزاء من سيرته الذاتية في سياق روائيّ، ويعمّق هذا الانطباع كتابة الرواية بضمير الأنا، وهو خلط يعتمده الكاتب بذكاء، حيث يحيل إلى الأنا ويمارس الإيحاء الممزوج بالتشكيك، ويبعث على التساؤل عن واقعيّة الأحداث وتاريخيّتها، ولاسيّما أنّها ترصد مفارقات التحوّلات الاجتماعية والسياسيّة والاقتصاديّة في أكثر من مرحلة.

يجري الكاتب نوعاً من التداخل بين الكتابة الفيسبوكية التي تكون متّسمة بالاختصار والتكثيف، والسرد الروائيّ المتحلّي بالرويّة والهدوء، وذلك من خلال الدخول إلى كلّ فصل عبر بوّابة منشورات الفيسبوك، تلك التي تحضر في سياق التأريخ للحالات النفسيّة، بالموازاة مع التغيّرات المتسارعة، وتدعم وجهة نظر الراوي في بعض الأحداث، ولاسيّما يكون تكوّن منشوراته السابقة ذا صبغة استشرافيّة.


المزج الفنّيّ بين الكتابة أحدث نقلات في السرد، حيث ينتقل القارئ من سرد مكثّف سريع، إلى أزمنة ماضية، يكون انتقاله مصحوباً بتغيّر مزاج الكاتب ونوعية كتابته لفصوله المتعدّدة التي تبدو تنويعات على مقامات الوطن والثورة والحبّ والجنون والحرب والغربة والغرابة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق