الأحد، 2 يونيو، 2013

البحث عن عشقٍ قديم في مصر الثورة


البحث عن عشقٍ قديم في مصر الثورة
حبيب سروري 

جيلبير سينويه مصريٌّ من أصولٍ مسيحيّةٍ (غير قبطيّة) عريقة. فرنسيٌّ أيضاً. ولد في «أمّ الدنيا» في ١٩٤٧: «وُلِدتُ في مدينةٍ حُبلى بالضوء يعبرها ببطء نهرٌ عنيد»، تقول الجملة الأولى من روايته الأخيرة. درس في مدرسةٍ يسوعيّة في قلب القاهرة، «ترعرع فيها معظمُ قممِ مصر الثقافية».
قضّى الثمانية عشرة عاماً الأولى من حياته بين قلب القاهرة وضفّتي النيل، على يخت «قاصد خير» الذي اشتراه والدهُ من الملك فاروق وحوّلَهُ إلى سفينةٍ سياحية.

غادرتْ عائلتهُ مصر إلى بيروت (ثمّ فرنسا)، بعد أن ضاق الخناق عليها وصار يُنظَرُ شزراً لكثيرٍ من الأقليات المصرية غير القبطيّة أو المسلمة، إثر العدوان الغربي على مصر في ١٩٥٦. لكن «ابنة النيل» خصوصاً، وكلّ الهويّة الثقافية الشرق أوسطية عموماً، سيطرت دوماً على ذاكرته واتجاهات قلمه ورؤيته للحياة.
على أسلوب كتابته أيضاً: موسيقيٌّ شاعري، يزخر بعرجنات واستعارات شرقية. كلّ ذلك بلغة فرنسيّة تُقضَمُ قضماً...

لهُ عدّة روايات شهيرة مثل «كتاب الياقوت» و«ابن سيناء». سبعٌ منها (مثل «المصريّة»، «ابنة النيل»، «الفرعون الأخير»...) مسرحها مصر. أخيرتهم «ليالي القاهرة» (٢٠١٣، آرتو) تبدو رائقةً سهلةً بسيطة، كما لو كُتِبتْ لِتسيل خلال قراءةٍ ليليّة ناعمة. غير أنها، في الحقيقة، تثير في صباح اليوم التالي أسئلةً محيرة، وندماً غريباً أيضاً...

تدور كلّ أحداثها في مساء اليوم الخامس من الثورة المصرية، ٢٩ يناير ٢٠١١. وتحديداً في الساعات التي تخلّلت عبورَ الراوي الطريقَ الذي يفصلُ مطارَ القاهرة عن باب شقّةٍ تقعُ في الدور الثالث من عمارةٍ في الزمالك!...

يصلُ الراوي، كريم جوهر، القاهرة في معمعمان انتفاضة شباب مصر ضد عقودٍ من الديكتاتورية والفساد
من توقّعَ انتفاضةَ شباب شعبٍ اشتهر بالصبرِ حدّ الخنوع، وبرمي الآمال في البحر، داخل قنينةٍ مكتوبٌ عليها: «إنشاء الله»؟ إلى أين ستقود ثورة هؤلاء الهواة؟... 
«لا تنسَ، كريم، أن سفينة التيتانيك شيّدها خبراءٌ كبار، فيما صنع سفينةَ نوح هواةٌ، على عجالة، كما تقول معشوقةُ كريم، مريم...
سقط جدارُ خوفِ هؤلاء الشباب. وسقط جدار خوف الراوي أيضاً من مواجهة «أمّهِ» مصر (لم يختر عبثاً هذا التاريخ لعودتهِ لها، كما أعتقد. أو لمجرّد الرغبة في إملاء آثاث الرواية). وبشكلٍ خاص، سقط جدار خوفه من مواجهة من جاء لِيواصلَ الحياة لها ومعها: عشقه الأول الذي ابتعد عنه أكثر من ثلاثة وأربعين عاماً، مريم!...

كان كريم في الثانية والعشرين عندما رآها لأوّل مرّة، في يوم الأحدِ، عيدِ الفصح، في ربيع ١٩٦٣، في كنيسة القديس يوسف. وصفَ جمالَها واشتعالَ غرامِه يوم رؤيتها، بِلُغةٍ شرقيّة تتقطّر إعجاباً وتتيّم...
اكتسحه عشقُ أوّل نظرة. اكتسحهما. «عشقٌ من نار، ارتجّت له كل القاهرة»، كما سيقول جورج فهمي، صديقُ كريم القديم...

عشقٌ في وضح النهار، لم ينقصه التوحّدُ الجسديّ الكثيف، ولا وعد الزواج والحياة المشتركة، الذي وجّهه لها في حوارهما الغرامي الأخير في «حديقة الأندلس» في القاهرة، قبل مغادرة عائلتهِ مصر بيوم.
في طريقهِ (الزاخرِ بالمفاجآت) من المطار إلى الزمالك، يمرُّ كريم قرب نفس هذه الحديقة، المهملةِ اليوم، والتي يستحقّ أن يُطلَق عليها، كما قال: «حديقة النقاب؟ الحجاب؟ الشريعة؟ الجهاد؟»...

مرّت ٤٣ سنة كلمحة برق. لم يتوقّفْ كما يبدو تواصلُهما مع ذلك، وخوفُهما المتزايد من مخاطر عودة علاقتهما كما كانت.
«تملأ ذاكرتينا صورٌ مضيئةٌ ناعسة، ولحظاتُ سعادةٍ حيّةٍ عامرةٍ في زمنٍ ذهبيٍّ جميل. لكن الليلة؟»، تسألُه مريم بقلق، في إحدى مكالماتهما الهاتفية بين منعطفات الأحداث التي تواجهه بعد مغادرة المطار.
«لم يتغيّر شيء. التجاعيدُ فقط. لكن من قال إن التجاعيد تستطيع أن تغزو القلب أو الروح؟»، يقول لنفسه في لحظةٍ غير أكيدة...

تبدأ رحلته بالتاكسي بصفعة: يناديه السائق بكلمةٍ ذات روائح عنصرية (لاسيّما عندما تمسّ من يفخر أنه ابن هذه الأرض منذ أكثر من ألفين عام، «قبل أن يصلها المسلمون»)، «خواجة»، ذكّرتْهُ بقدَرِهِ المقصيّ بين طرَفي معادلةٍ خانقة: «مصريٌّ في فرنسا وخواجة في مصر!»...

ثمّ تبدأ، بعد الخروج من المطار ورؤيته لِلقاهرة، تنقّلاتٌ زجزاجية مثيرة لا تتوقّف، بين مصر اليوم التي اكتسحها الخراب، وذكرياتٍ رائعةٍ سعيدة لِفاتنة، مفتوحةٍ على الدّنيا، تتعايشُ فيها الفئات العرقيّة بصفاءٍ وسلامٍ اجتماعيٍّ حميد، لاسيّما وأنها وجدَت الصيغة التي توحِّدها وتُمكِّنُ نسيجَها الاجتماعي من التكيّف الدارويني الأمثل مع شروط حياتها المشتركة: مفهوم «القومية العربية» الذي رفعته جميعها بحماس قوي.

ما إن يقترب التاكسي من وسط البلد حتّى ينغلق طريقه جراء الزحام التقليدي، المضاعف جدّاً هذا اليوم، بسبب المليونية التي تكتظّ في ميدان التحرير والفراغ الأمني الكامل... يختلطُ الحابلُ بالنابل، يتوقّف كلّ شيء... قبل أن يَختطِفَ إرهابيّون كريم، ينقلونه إلى شقّة خفيّة، بعيداً عن التاكسي الذي يحمل أمتعته.

ثمّ يجري حوارٌ طويل بين كريم وأحدهم، يسمح للأخير بتفنيد وتبرير اختياراته السيّاسيّة المتطرّفة، التي تتستّر بالدّين. وللأوّل بمواجهتها (عبثاً) بنموذجي مانديلا وغاندي الذين كسبت شعوبهم النصر، بلا عنف.
تعود لكريم في طيّات الحوار ذكريات مضايقات المخابرات المصريّة لعائلته قبل مغادرتها إلى فرنسا... ثمّ تحين المفاجأة في الساعة الواحدة فجراً: يكتشف الشيخُ رئيسُ الفرقة الإرهابية (الذي اشتغل في ريعان شبابهِ طباخاً في سفينة «قاصد خير»، ويشعر بالعرفان الدائم لمالِكها القديم) أن كريمَ ابنُ صاحب السفينة، فيُطلِقُ سراحَه!...

تكشف نهايةُ حوار الشيخ مع كريم لماذا صار الأوّل إرهابيّاً ينتمي لمنظمة القاعدة: إعجابُهُ اللامحدود الذي لم يتوقّف بالشابّة الفلسطينيّة ليلى خالد، بطلة الاختطاف الأسطوري للطائرة الإسرائلية TWA 840، التي أجبرت السلطات الأسرائلية على تسميتها: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين 840!... 
(لا ينسجمُ ذلك كثيراً، في رأيي، مع الأيديولوجية الظلاميّة لِمختطفي القاعدة: ليلى خالد، السافرة الفاعلة المتحرّرة، ليست نموذجهم النسائي المفضّل!).

يغادر كريم مخبأ مختطفيه، مشياً في منتصف الليل، باتجاه شقّة الزمالك. يعبر قلبَ القاهرة محاذياً بؤرة الثورة: ميدان التحرير. يواصل تنقّلاته الزجزاجيّة بين حاضر المكان كما يراه، وذكريات ماضيه... ثمّ يفاجأ، قبيل محطّته الأخيرة، برؤية صديقٍ قديم: جورج فهمي الذي يصطحبه للعشاء في ذلك الوقت المتأخر.
حديثٌ طويلٌ ممتع، بمعيّة نيفين، زوجة جورج، في بيتهما. تسأله نيفين: «من تحب أكثر مصر أم فرنسا؟»؛ هذا السؤال الشرقي الأثيرمن تحب أكثر؟») الذي يبدو في الثقافة الغربية تلصُّصيّاً جدّاً، غير نقي أو مرغوب. يردّ: «أمّي مصر وزوجتي فرنسا»!

ثمّ يكتشف جورج ونيفين سرّ مجيء كريم: مريم!... تسأله نيفين كيف رأى القاهرة منذ وصوله. «بائسةٌ جدّاً. التهم ماضيها الخراب، يجيب. تطلب منه أن يستخلص العبرة من ذلك، لأنه قد لا يرى مريم اليوم بنفس أعين الماضي، مضيفةً هذه العبارة العميقة: «عشتَ في ذكريات السعادة، كريم. لا شيء يمنع أن تُعاشَ السعادةُ كمجرّدِ ذكرياتِ سعادة»!...

يغادرهما كريم، يصل عمارة مريم. يهرعُ نحو دورها الثالث. يقرع الباب... (أتركُ للقارئ وحدِه اكتشافَ ما سيحصل بعد ذلك!)...

سؤال بريءٌ، لا يخلو من الندم، داهمني بعد قراءة الرواية: «كانت مصر قبل عدّة عقود، رغم كل مآسيها، أكثر إنسانية وتعاضداً وحضارة من اليوم. لماذا لم يسعفها التاريخ الحديث بثورةٍ سلميّةٍ عقلانيّةٍ ناضجة، وبنهجٍ منفتحٍ على العلم والمستقبل، كان له أن يخرجها من السيء إلى الأفضل، بدلاً من التوغّل في الأسوأ؟»...

وآخر أيضاً: أيلزمُ، للبحثِ عن عشقٍ قديم، تجاهلُ ما فعله جبروت الدّهر، والنطُّ إلى الخلف فوق هوّةٍ عرضها عدّة عقود (أو عدّة قرون، بالنسبة للشعوب التي تحنُّ لِعصرٍ ذهبيٍّ سحيق)، أم يكفي النظرُ إلى الأمام و«تركُ الزمنِ للزمن»، حسب عبارة فرانسوا ميتران الشهيرة!...



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق