الأحد، 18 نوفمبر، 2012

فن الهزيمة



فن الهزيمة
حبيب عبدالرب سروري

(١)
نظام إسرائيل يمينيٌّ متطرف، عنصريٌّ إجراميٌّ وحشيّ…
لكن قادة حماس العسكريين، الذين يطلقون الصواريخ الإيرانية على مدنيي إسرائيل، مجرمون أيضاً. وجهلة في نفس الوقت. 
هم، بوعي أو بدون وعي، أداة تحقيق سيناريو ناتنياهو ويمينه المتطرف الذي لجأ لِتأجيج شرارة هذه الحرب الجديدة، لينجح في انتخاباته البرلمانية القريبة القادمة.

إطلاق هذه الصواريخ على إسرائيل هي ما تَوقَّعهُ سيناريو إسرائيل، وأرادَهُ قادتُها! 
إذ يسمح لهم ذلك (مثل المرة السابقة، في بداية ٢٠٠٩) باجتياح غزّة (بحجّةٍ بديهية: لا توجد دولة في العالم تقبل أن تسقط على سكّانها صواريخ تنطلق من مدينة مجاورة!)؛ بتدمير بنيتها التحتية واغتيال قادة حماس العسكريين؛ بخنق  المواطن الفلسطيني البريء الذي تتراكم عليه الويلات يومياً؛ وبخلق عثرات جديدة تؤجل من موعد ولادة دولته الفلسطينية… 

(٢)
سؤال جوهري: لماذا خرجت شعوب الغرب للشارع للتضامن مع سود جنوب أفريقيا ضد نظام الأبارتايد (الذي ارتبط بشدة، مثل إسرائيل، بأنظمة الغرب)، فيما لا ينزل أحد في الغرب تقريباً للشارع للتضامن مع فلسطينيّ الأراضي المحتلة؟

لعل جزءاً هاماً من الإجابة على هذا السؤال يكمن في أن مانديلا وحزبه خاضوا حربهم ضد الأبارتايد بعقلية القرن العشرين، فيما تخوضها حماس بعقلية "حرب داحس والغبراء"

ما يعتقدُ قادة حماس أنها شجاعة ومواجهة للعدو ليست أكثر من هرولة انتحارية نحو الهزيمة والموت المجاني للمواطن الفلسطينيّ
ليست أكثر من تحقيق هدف أسرائيل بتأجيل حل القضية الفلسطينية، ليزداد أثناء ذلك الاستيطان الإسرائيلي، وليصبح تغيير خارطة فلسطين أمراً يفرضهُ الواقع، ولِتواصل إسرائيلُ (التي أسست تطورها على البحث العلمي الحديث) خلال ذلك تقدّمها العلمي والتقني والعسكري الذي يضعها في مصاف أرقى دول العالم، فيما يواصل العرب مزيداً من اعتناق الجهل والحياة خارج العصر…

بهذه الصواريخ التي لا تسمن أو تغني من جوع (تلتقفُ المضادات الإسرائيلية أكثر من نصفها. وتطوّرُ إسرائيل، بفضل هذه التجارب المشتركة مع حماس، أبحاثها العلمية لالتقافها كليّةً عما قريب…) يُسيئ عسكريو حماس لعبارة "الله أكبر" وهم يردّدونها عند إطلاق كلِّ صاروخ باتجاهِ مواطنٍ إسرائيلي بريء. 
ناهيك عن أنهم يضعون "الله أكبر!" في موقف حرج وصراعٍ خاسر مع عقليّة "العلم أكبر!" الذي تُحرّك إسرائيل والغرب وتصنع انتصاراتهم المتواصلة…

(٣)
أمس، في أحد حوائط فيسبوك، كتب أحدهم: "لا تنسوا الدعاء لأخواننا في غزّة!"…
سألته: أتعتقد أن نتائج هذه الحرب ستتغيرُ لصالحنا إذا ضاعفنا عدد دعواتنا عشر مراّت، أو مليار مرة؟
لماذا نحن من يضرب الرقم القياسي الدولي في الدعاء والتضرع من ناحية، وفي حصد الهزائم في نفس الوقت من ناحية أخرى؟
مشكلتنا العتيقة: لم نستوعب بعد، رغم كل هزائمنا، أن الشعوب تنتصر عندما تتكئ على العلم وعقلية العصر الحديث، وليس على التهليل والدعوات الخاشعة…

(٤)
من المعروف للجميع أن الفكر الاستراتيجي الغربي في خوض الحروب ما زال، منذ عصر الإغريق، يستند على نموذجي: أشيل وعولس، بطلي الإلياذة.
أشيل: رمز القوة، 
وعولس (صاحب فكرة خديعة "حصان طروادة"، وبطل الأوديسة): رمز الذكاء والعبقرية
أي أن الحرب تُكسب بالقوة والدهاء معاً…

الفكر الإستراتيجي الصيني في الحرب أرقى من ذلك بكثير:
الحرب في الفكر الاستراتيجي الصيني لا يتم كسبها إلا بالذكاء والدهاء فقط:
يلزم كسبها في لحظة مفاجئة، بدون مواجهة، بدون ضياع قطرة دم، بدون أدنى خسارة… 
يلزم كسبها بشكل ناعم مباغت، أو كضربة برق مفاجئ. 
أي: ما إن تعلِنَ الحربَ على العدو إلا وتكون قد كسبتَها مسبقاً!

يُلخِّص هذه الفكرة العبقرية ويُقدِّمها ويشرح كلّ قواعد لعبتها (مدعوماً بقصص مذهلة من تاريخ الصين، في غاية الروعة والذهاء) كتاب "فن الحرب" للعبقري الداهية سان تزو (الذي كُتِبَ في نفس أيام حضارة الإغريق تقريباً، خمسة قرون قبل الميلاد، مُلخِّصا كل تجارب عصور "المملكات المتصارعة" في حضارة الصين).
يعتبر هذا الكتاب حالياً أهم وأعظم كتاب في الاستراتيجية والذكاء… 
تتمحور حوله الوركشوبات والدراسات المكثّفة، يُدرَّس في كليات الإدارة والتخطيط، ولا يوجدُ قائدٌ عسكري أو إقتصادي غربيّ اليوم  لم يقرأه، أو لا يتفاخر في القول إن "فن الحرب" كتاب سرير نومه المفضّل!
أدعو الجميع هنا لِقراءة هذا الكتاب المذهلِ جدّاً…

ترتكز عليه سياسة الصين واستراتيجيتها الحديثة (التي لم يعد هناك شك من أنها تنتصر يوماً بعد يوم في حربها الكونية، وفي إستراتيجيتها لقيادة دفّة القرن الواحد والعشرين)
ذلك موضوع طويلٌ جدّاً، الحديث حوله متشعبٌّ وذو شجون!

مفهوم الحرب ذاته في الفلسفة الصينية أرقى من مفهومه التقليديّ في الفلسفات الأخرى بكثير. 
كل شيء من وجهة النظر الصينية حربٌ تقريباً: الحرب التقليدية، العشق، الجنس، جهاد النفس، الشِّعر…

ما يُهمِّني هنا هو أن استراتيجية العرب الحالية في الحرب (الذي كان صّدام حسين رمزها الأكبر، وربما قبله المذيع المصري الشهير في إذاعة "صوت العرب": أحمد سعيد) عكس ذلك تماماً!
تُلخِّصها عبارة: "الهنجمة نصف القتال!". (الهنجمة تعني: الضجيج في الصراخ قبل العراك).
أي: النقيض الكليّ لاستراتيجيات سان تزو. 
يعني: الفشل المؤكد تماماً!
عقلية "الهنجمة" تشرح فعلاً كم نحن - العرب - ظاهرة صوتية بالفعل!
لأن الانتصار في الحرب، حسب أفكار سان تزو، يتطلب عقليّةً مغايرة تماماً. 

قادني للحديث عن كل ذلك: الصواريخ التي يطلقها عسكريو حماس كرد فعل على إسرائيل، وبمعرفة مسبقة أنها لن تفيد قضية فلسطين في شيء، ودون اكتراث لما ستسبِّبه من خسائر فلسطينية في الأرواح والبناء التحتي…
لعلها صواريخ "فن الهزيمة"، إذا جاز التعبير!

خلاصة القول: أدعو القادة العسكريين لحماس لقراءة سان تزو والتأمل في كتابه طويلاً!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق