الأحد، 5 يونيو، 2011

علي عبدالله صالح أو استراتيجية الخراب


علي عبدالله صالح أو استراتيجية الخراب
حبيب عبدالرب سروري (*)، وفرانك ميرمييه (**)

في يناير 2011 قال القياديُّ في حزب الإصلاح اليمني حميدُ الأحمر، أخُ شيخ مشايخ قبائل حاشد صادقِ الأحمر: «إذا أراد صالح حكم اليمن بالصميل (العصا)، فسيُخرِجُ كلٌّ منّا صميله»... لحسن الحظ أن الثورة الشعبية اليمنية اخذت طابعاً سلميّاً ثابتاً مخالفاً لهذا المنحى، رغم ما عاناه الشعب من قمعٍ إجراميٍّ قدّم بسببه مئات الموتى وآلاف الجرحى.
التحقت بهذه الثورة، في وقتٍ متأخر، أحزابُ اللقاء المشترك المعارضة التي تشمل حزبَ الإصلاح والحزب الإشتراكي اليمني، بالإضافة إلى تياراتٍ ناصريّةٍ وزيدية... بعد مجزرةِ 18 مارس التي أَطلق فيها قنّاصةٌ النار على شباب ساحة التغيير وأبادوا فيها أكثر من خمسين قتيل، انضمّ اللواء على محسن الأحمر، الأخ غير الشقيق لصالح وأحد كبار منافسيه، لتحالف الثورة، بِمعيّةِ الفرقة أولى مدرّع، للحيولةِ دون أي هجومٍ جديدٍ على ساحة التغيير.

عندما رفض صالح، في 22 مايو، التوقيعَ على اتفاقية انتقال السلطة المقدّمة من مجلس التعاون الخليجي، فتح البابَ لحلقةٍ جديدة من العنف: قصفٌ عنيفٌ على منزل الشيخ صادق الأحمر بصنعاء، اشتباكاتٌ دمويّةٌ بين قوّته القبلية ووحداتٍ عسكرية تابعةٍ للنظام، مجزرةٌ قامت بها وحداتٌ عسكريّةٌ في ساحة الحرية بتعز، الاستيلاءُ على مدينة زنجبار من جماعات تدعى بالجهادية، مواجهاتٌ بين الحرس الجمهوري ومجاميع قبليّة في مناطق شتّى من البلد...
وفي 29 مايو ألقى مجلسٌ عسكريٌّ من ضبّاطٍ كبار بياناً طلب فيه من الجيش عدم الانسياق لحربٍ أهليةٍ مدمّرة، في الوقت الذي تعاني فيه قواة على محسن الأحمر من تحرشاتٍ منتظمة تهدفُ لجرِّها للردّ المسلح.

لعلّها المرة الأولى، خلال 33 عاماً، التي يجد صالح فيها نفسه بدون حلفاءٍ سياسيين، غير قادرٍ على الاعتماد إلا على بؤرٍ ممن يثق بهم في ثنايا جهازٍ تبعيٍّ أمنيٍّ يسيطر على موارد الدولة، وعلى قوّةٍ عسكريةٍ يهيمنُ عليها بشكلٍ رئيس أقرباؤه الحميمون. فولدُه الأكبر أحمد، وليُّ عهدهِ المفترض، يقودُ الحرسَ الجمهوري. وإبنُه الآخر خالد يقودُ فرقة المشاة الجبلية في صنعاء، وأولادُ أخوته: عمار، يحيى وطارق يقودون، بالترتيب، الأمن القومي، الأمن المركزي، والحرس الرئاسي (القوات الخاصة)، فيما يقود أخوه غير الشقيق القوات الجويّة.

عندما شنّ صالح حربه في 1994 على جنوب اليمن سابقاً كان اللجوء للحرب يبدو محفوفاً بالمخاطر. لكن صالح استطاع حينها الاعتماد على تحالفه مع التجمع اليمني للإصلاح برئاسة الشيخ عبدالله الأحمر بكل جحافله القبلية القوية الموالية، وعلى الكتائب المتمرسة التابعة لعلي ناصر محمد الذي لجأ لشمال اليمن منذ 1986. أجاد صالح حينها أيضاً اللعب المتوازي على أوتار العنف والمفاوضات: أضعفَ خصمَه الرئيس حينذاك، الحزب الإشتراكي اليمني، بسلسلة اغتيالات لعشراتٍ من كوادره، فيما وقّع في نفس الوقت معه «وثيقة العهد والاتفاق» في عمان، في فبراير 1994، لإنهاء الأزمة السياسية، قبل أن يَشُنَّ حربَ 1994 بشهرين... وفي 2006 أعلن أنه لا ينوي ترشيحَ نفسه للانتخابات الرئاسية، ثمّ تراجع تحت «ضغط» المظاهرات «التلقائية» المساندة لترشيحه، «تضحيةً» جديدةً منه لأجل الوطن، واستجابةً لـ«نداء الشعب».

سمح هذا الخليطُ من النفاق والمراوغة التكتيكية لصالح أن «يرقص فوق رؤوس الثعابين» كما صرّح يوماً وهو يصفُ ما يعني حكمُ اليمن من وجهة نظره. فبُعيد استيلائه على السلطة واجه صالح محاولةَ انقلابٍ كانت على وشك النجاح، ثمّ خاض حرباً فاشلةً ضد جنوب اليمن. لكن مقدرتَهُ على تسخير منافسيه، من القبليين إلى العسكريين مروراً بقادة المعارضة، للإنضواءِ في متون الشبكات التابعة له، هي أحد أسباب بقائه السياسي.
قليلون هم اليمنيون الذين كانوا يتصورون أن يستطيع هذا الشاويش الشاب، محدودُ التعليم والثقافة، كثيرُ الأخطاء اللغوية الأوليّة، أن يحكمهم ثلاثة عقود، ناهيك عن أن يتحقق في عهده حلم الوحدة اليمنية. فلقد امتلك منذ بداياته سمعةً مريبة: كان محل شكّ، عندما كان حاكماً عسكريّاً لتعز، بأنه منغمسٌ بعمليات التهريب عبر البحر الأحمر. الأخطر: اتُّهِمَ بلعب دورٍ جوهريٍّ في اغتيال الرئيس الذي يتمتع بشعبية كبيرة: ابراهيم الحمدي، في عام 1977.
أفرز نمطُ الحكم التبعيّ الذي يهيمن عليه صالح منظومةً سياسيّةً تمزج بين المركزيةِ الحادّة في الحكم والتوزيعِ المحليّ لِمهام الرقابة السياسية والقمعية على مجاميع أخطبوطية متناثرة. فلقد جثم لذلك على القوة العسكرية والأمنية عبر بثِّ لفيفٍ من زعماءٍ صغار تكاثر أتباعُها وأتباعُ أتباعها... وسمحت له معرفته الدقيقة بالخارطة القبلية ويده القابضة على موارد الدولة والمساعدات الأجنبية بتوزيع الدخل بطريقةٍ تورِّطُ جزءاً هاماً من جهازه السياسي في الاختلاس المنظّمِ للثروة الوطنية، وفي تقاسم الأراضي المنهوبة من جنوب اليمن سابقاً كغنائم اقتصادية لتجارةِ الاستيراد والتصدير... الجدير بالذكر أن منافسيه الحاليّين: آل الأحمر وعلي محسن كانوا من أكبر المستفيدين من إدارة نظامه، لذلك لا يمل اليوم من التذكير بذلك متهماً بأنهم «فاسدون، مخربون، وحلفاء للقاعدة»...

استرتيجية الفوضى، التي يبدو أنه اختارها لتهشيم تحالف معارضيه من أحزاب اللقاء المشترك أو الحركة الشعبية التي يقودها الشباب والحراك الجنوبي والتمرّد الزيدي الحوثيّ، تنبع أيضاً من طبيعة صالح المتهورة الانتقامية التي ترى الاختلافَ السياسيّ معه طعناً شخصيّاً فيه... لذلك، ما إن توسّعت حركة الرفض الشعبي مهدِّدةً قلبَ نظامه، حتّى جنّ جنونُ ماكنتهِ القمعية. ضاعفَ جرائمَهُ الجمعيّةَ وهاجم عسكرياً، في نهاية المطاف، حلفاءه القدامى من قبائل حاشد وتجمع الإصلاح. لعل هذا الخيار الإنتحاري يبدو محاولةً يائسةً لإنقاذ النظام الساقط الذي يخوضُ حربَهُ الأخيرة، كاشفاً أمام الملأ وجهَه المجرم...

دعمت فرنسا بثبات نظامَ الرئيس صالح، وحصلت بالمقابل على تعاقداتٍ اقتصادية مغرية (بترول، غاز، معدات أمنية وعسكرية...). عندما منحت فرنسا في 2010 ميدالية فارس الشرف لعمّار، ابن أخ الرئيس صالح وأحد أبرز القامعين للمعارضين بهمجيّة، لم يكن ذلك بالتأكيد لمساهمته في تطوير الفرانكفونية أو العلاقات الثقافية بين فرنسا واليمن. لعلّ على فرنسا أن تستعيد اليوم مجدها التليد من خلال تقديم عونٍ حاسم للحركة الديمقراطية اليمنية.

(عن صحيفة اللوموند الفرنسية)
(*) كاتب يمني، بروفيسور في علوم الكمبيوتر، فرنسا.
(**) أستاذ أبحاث في المركز القومي للأبحاث العلمية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق