الأربعاء، 3 ديسمبر 2014

مقال الأستاذة مايا الحاج عن « إبنة سوسلوف » في مجلة: لها.



عدن... المدينة المنفصمة في ابنة سوسلوف  

مايا الحاج

بين التاريخ المعاصر لليمن وواقعه الراهن، تدور أحداث «ابنة سوسلوف» (دار الساقي)، الرواية الجديدة للكاتب اليمني المقيم في فرنسا، حبيب عبد الرب سروري. وقد اختار الكاتب لبطله عمران أن يختزل بحكاياته وتجاربه وحواراته الحميمة مع «ملاك الموت» تلك الفترة الزمنية بكلّ تناقضاتها ومشاكلها وتعقيداتها. يروي عمران سيرته منذ أن كان في مطلع شبابه، فيعود إلى مرحلة السبعينات حين كان يعيش في اليمن قبل أن يحصل على منحة استكمال دراسته الجامعية في واحدة من أهم دولتين أوروبيتين، فرنسا أو ألمانيا. وكانت قي تلك المرحلة قد تسرّبت المبادئ الإشتراكية إلى ذهنه، فاختار فرنسا لعله يرى عن كثب انهيار الرأسمالية بأم عينه. وهذه واحدة من الروايات القليلة التي تستثمر يوميات « الاشتراكية العلمية» في عدَن، وهي تجربة تستحق أن تُرصد، باعتبار أن نظام يساري تمكن من الوصول الى رأس دولة عربية مسلمة، معظم قيادتها قبليّة نصف أمية. لكنّ أفكاره سرعان ما تتغيّر في فرنسا بعد أن يقع في غرام امرأة تُغيّر له الكثير من مفاهيمه، يتزوجها ويجد السعادة الحقيقية معها، لكنّ الإرهاب يسرقها منه بعد حادثة تفجير في إحدى محطات المترو في فرنسا. يعود عمران إلى اليمن (المتحّد شمالاً وجنوباً)، ليجد أن السنوات التي أمضاها خارجاً قد جعلت وطنه غريباً عنه.
في صنعاء، يلتقي عمران بامرأة تشبه إلى حدّ بعيد فاتن، الفتاة التي أحبّها في مراهقته وهي ابنة «سوسلوف»، الماركسي العتيق. «أمة الرحمن» هو اسمها، أو هاوية كما يُسميها الراوي. إنها داعية سلفية تشبه المدينة في تحولها وفصاميتها. متطرفة في أفكارها إلاّ أنها لا تمانع أن تُمارس مع عمران حبّاً محرّماً. وبعيد اندلاع الثورة اليمنية في فبراير، يتولّد الأمل من جديد في قلب الراوي الذي يعتقد أنّ الخلاص من تلك الأفكار الظلامية المنتشرة في المدن اليمنية لن يتحقّق إلاّ في مثل هذه الثورات الشعبية الكثيفة. هكذا، ينزل عمران إلى الساحات مدفوعاً برغبة في التغيير، حاملاً أحلاماً قديمة وفكراً متنوراً ليجد نفسه بين «سلفيين» يثورون معه على نظام كان دوماً راعيهم.
يُعرّف الناشر «ابنة سوسلوف» بأنها رواية تخوض في المحرّم لتحكي واقع اليمن المعاصر وتاريخ عدن وهي تتحوّل إلى مدينة مقهورة، بعد أن كان لها من اسم الجنة نصيب».
لا يقف التداخل بين الماضي والحاضر أو التاريخ والواقع في الرواية عند حدّ السرد، إنما يستخدم الكاتب لغة وتقنيات وأساليب كتابية تتماهى وجوّ الرواية الممتدّ بين زمنين منفصلين. فهو مرّة يختار السرد الكلاسيكي، ومرّة أخرى يستخدم «الستاتوس» و«البوستات» كما في «الفايسبوك»، مما يمنح الرواية بُعداً واقعياً.  وفي«ابنة سوسلوف»، يحافظ صاحب «أروى» على تلك اللغة النقدية الثائرة التي ميزت أعماله، إضافة إلى حرفيته في المزج بين تاريخ معاصر وواقع يشهد تسلّل الأفكار الظلامية إليه، لكنّ النبرة في هذه الرواية جاءت أكثر صراحة ووضوحاً، كأنها صرخة صادقة في وجه الإرهاب الفكري والعقائدي والإجتماعي.
حبيب عبد الربّ سروري هو كاتب وروائي يمني، بروفيسور في علوم الكومبيوتر في قسم الرياضيات التطبيقية في جامعة روان في فرنسا. من أبرز أعماله الإبداعية: «تقرير الهدهد»، «الملكة المغدورة»، «طائر الخراب»، «أروى» وغيرها...

الاثنين، 1 ديسمبر 2014

مقابلة معي في صحيفة الحياة أجرتها الأستاذة مايا الحاج: اليمن منجم بلا قاع

حبيب عبدالرب سروري: اليمن منجم بلا قاع وأحلم بالتفرغ للكتابة


مقابلة في صحيفة الحياة أجرتها الأستاذة مايا الحاج



لا يتخلّى الكاتب اليمني حبيب عبدالرب سروري في روايته الجديدة «ابنة سوسلوف» (دار الساقي) عن لغته النقدية الثائرة. فهو يمزج بأسلوبه المعتاد، بين تاريخ اليمن المعاصر والواقع الذي يشهد تسلّل الأفكار الظلامية «الداعشية» إليه. هكذا جاءت روايته، كما سابقاتها - صرخةً في وجه الإرهاب الفكري والعقائدي والاجتماعي... وفي هذا الحوار، يتطرّق «أسير المحنتين» (كما يُسمي نفسه) إلى حياته المتأرجحة بين مشروع أدبي يحتوي على أكثر من سبع روايات مثل «طائر الخراب» و «تقرير الهدهد» و «أروى»، وبين مشروع علمي يتمثّل في عمله كبروفسور في علوم الكومبيوتر في قسم هندسة الرياضيات التطبيقية في جامعة روان الفرنسية. إضافة إلى الإحباط الذي خلّفته سيرورة الثورات في نفسه، ورؤيته إلى مستقبل اليمن والدول العربية وغيرها من المواضيع...
> يستحضر قارئ روايتك الجديدة «ابنة سوسلوف» عبارة رامبو «الحرب الروحية لا تقلّ شراسة عن معارك الفرسان». ولكن أين يتعزّز هذا الصراع أكثر، في علاقة بطل الرواية عمران بمعشوقته «السلفية» أم في ذاته التائهة بين وطنٍ معشوق وعدنٍ مفقودة؟
عبارة رامبو تُخيّم بكل ما في الشراسة من معنى على الرواية، من طرفها إلى طرفها. يدور فيها الصراع الروحي المباشر - صراعٌ سرّيٌّ فكريٌّ عاطفيٌّ جنسيٌّ سياسيٌّ كثيف - بين عمران ومعشوقة طفولته التي وجدها بالصدفة، بعدما اختفت عنه سنوات وبعدما فقد زوجته في حادث إرهابي، تعيش في بيئةٍ سلفيَّةٍ متطرِّفةٍ أخطبوطيّةٍ معاكسةٍ تماماً لبيئة طفولتها.
أمّا الصراع اللامباشر فهو ذلك الذي أشرتِ اليه، ببصيرة ثاقبة، بين ذاتٍ مسلوبة ومدينةٍ مفقودةٍ في وطنٍ حزين.
> اعتمدت في روايتك الجديدة على تصوير واقع الحياة اليمنية اليوم مستخدماً تقنية «فايسبوكية» عبر كتابة «منشور حائط صفحتي في الفايسبوك» في مداخل بعض الفصول، وإقحام بعض مفرداته مثل اللايك وغيرها... فهل لجأت إلى هذه الحيلة الفنية لتوثيق علاقة الرواية بالواقع؟
- ترتبط منشورات «الفايسبوك» المدخلية ارتباطاً مباشراً بالواقع، وبعضها سيرة حقيقية. أما نصوص الفصول (متن الرواية)، فهي تخييلية تماماً. تربطها بالطبع علاقةٌ بيولوجية حميمة مع المنشورات التي صُمِّمت لتكون أثاثاً للمسرح الذي ينساب فيه المتن. يسمح ذلك بـ «تطهير» المتن من أي إقحامٍ جغرافي أو تاريخي أو تقريري أو تنظيري، يوهم القارئ بواقعية كل التفاصيل، ويوقعه بمطبّاتٍ ما، تُذكي غرائزه التلصّصية وتُوثق علاقته بالسرد.
في هذا التفاعل بين ضفّتي الواقع والتخييل تختفي «الحقيقة» التي على القارئ أن يكوّنها وحده، بعدسات مزاجه وتقويمه لسيرورة الأحداث، وفي ضوء موقعه من الإعراب في الصراع الروحي المحتدم فيها.
> يقول عمران بطل الرواية «صار «الفايسبوك» ملاذي عند كل عودة من صنعاء إلى باريس». فهل تعتقد أنّ هذا العالم الافتراضي تمكّن من أن يكون وطناً بديلاً لملايين العرب ممّن خسروا أوطانهم أو رحلوا عنها قسراً؟
- نعم. ليس ذلك فحسب، لكنّ العالم الافتراضي في طريقه لأن يكون مصير الإنسان عموماً! به يغادر (كلّ يومٍ جديدٍ أكثر فأكثر) محيطَه الضيق نحو عالم مفتوح الفضاءات. لعله مثل الأصفار على يمين الواحد: كل صفرٍ جديدٍ دائرةٌ توسّع الرقم عشر مرّات. بلا نوافذ هذه الدوائر يعيش المرء وحيداً في قبرٍ مغلقٍ خانق.
> هل تقصدت أن تختم الرواية بانسحاب عمران من حياة حبيبته ومن ثمّ وطنه كإشارة إلى استحالة الحياة في مجتمع تسلّل الداعشيون إلى صميمه؟
- لعلّ ذلك الانسحاب هو اختيار جوهري: على رغم عمق عشقهما ذي الجذور القديمة المتينة، وعلى رغم انسجامهما الجنسي النموذجي، وعلى رغم الحرية والرغد اللذين ينتظران الحبيبة في حال غادرت واقعها الى بلاد معشوقها، تظل المسكينة، حتى مخ العظم أسيرة، «الجورو» الذي غسل دماغها وجعلها «جاريته»، وزوجة ابنه في الوقت نفسه!
نحن هنا أمام قوى أيديولوجية «داعشية» استطاعت تحويل الإنسان إلى عبدٍ سعيدٍ بعبوديته، بفضل تنويمٍ مغناطيسي فعّالٍ جذريّ، عمر خبرتها فيه قرون. يكشف ذلك الصعوبة اللامتناهية التي تنتظر الصراع مع هذه القوى الإرهابية الضارية. ويجلي كل الإخفاقات الحالية للربيع العربي و «الهاوية» التي وصل إليها أحياناً، ليس في اليمن فقط.
لكنّ الكلمات الاخيرة في الرواية لا تخلو من الأمل: ارتباط عمران بالثورة والتغيير في العالم العربي جينيٌّ كما يبدو، لا شفاء منه. لعله على موعدٍ مع جولةٍ ثوريّةٍ ثانية يصلها من نفقٍ جديد...
> انتقدت بشدة الأفكار الظلامية في حياة اليمن المعاصر، وبدوت متشائماً حين ذكرت على لسان بطلك أنّ «الشعب أمسى أكثر إرهاقاً من أن يريد فعلاً شيئاً»... ما هي رؤيتك للمستقبل القريب في اليمن والعالم العربي؟ وأين يكمن الحلّ في ظلّ استلاب حقيقي عكسته روائياً من خلال شخصية فاتن أو «أمَة الرحمن»، كما صار اسمها لاحقاً؟
أقرأ حالياً بتلهف تاريخ الغرب في قرون ظلماته وانحطاطه، من الخامس إلى الثامن. لعلّنا في أسوأ مراحلنا التاريخية، كنا دوماً في حالٍ أفضل. نشبه اليوم كثيراً وضعه المتشظي الدامي في عصور الحروب الدينية قبل أربعة قرون، قبيل انتصار العقل والتنوير.
يرتبط الحلّ في نظري بجرأتنا على خوض الجدل الفكري في صلب القضايا الثقافية الصميمية التي جعلت الفكر الظلامي، ونوم العقل، والطائفية تهيمن على الدماغ العربي. فمن دون «النقد التاريخي» لكل مسلّمات ذلك الفكر وشعاراته، ومن دون الهجوم المضاد (على غرار الحرب الفكرية التي خاضها عمران، أي «قرعاً بالمطرقة» وفق تعبير نيتشه) سنظل كمن يُهامس أصم!
المستقبل العربي القريب مرهونٌ بنجاح مارد العقل والتنوير والحريّة في الخروج جبّاراً من قمقمه، من دون مواربةٍ وعُقدٍ وخجل. ولنا في التراث العقلي العربي مرجعية تاريخية سبقت الغرب بقرون، رمزها الناصع صاحب مقولة «لا إمام سوى العقل»، المعرّي.
> يُمسك بطل «ابنة سوسلوف» طرف السرد ليحكي عن ماضيه في عدن، قبل أن يوفد إلى فرنسا لاستكمال دراسته. وهنا يُمكن أن نلتمس تقاطعاً ما بين شخصيتك الحقيقية وبينه. فهل استمديت شيئاً من تجربتك الذاتية في بناء شخصية بطلك؟
- استمديتُ منها الروحَ فقط، وطريقةً ما في التنفّسِ والضحكِ والنظرِ إلى العالَم أحياناً. لكنّ الجسد: كل تفاصيل الرواية، محضُ تخييلٍ يرقصُ على إيقاعِ الواقع.
> ما سرّ تميّز معظم أعمالك بتقديم سيَر روائية مزدوجة: الذات والمجتمع، إضافة إلى خلط الواقع بالتخييل والحاضر بالتاريخ؟
- لعلّ تظافر هذه الأبعاد المتنوعة، وغيرها كالعلم والميتافيزيقيا، وسيلة تسمح باستيعاب المعادلات العويصة المتداخلة للواقع الإنساني المعاصر، والتناغم مع تعقيدها الجذري. تماماً مثل الإشكاليات العلمية الكبرى التي لم يعد من السهل تفكيكها وحلّها اليوم من دون تظافر علومٍ متعددة في مجالات لا يربطها رابط أحياناً.
> نجد في كثير من رواياتك، ولا سيما «ابنة سوسلوف»، سرداً روائياً سخياً للحظات مهمة من تاريخ اليمن المعاصر، وخصوصاً تاريخ عدن منذ تجربة الاشتراكية العلمية. لماذا؟
- يوميات اليمن منجم بلا قاع، ولم تستثمر روائياً إلا في شذرات. تجربة يوميات «الاشتراكية العلمية» في عدَن فريدة في تاريخ البشرية: كان ثمّة نظام شيوعي في رأس دولة عربية مسلمة، معظم قيادته قبليّة نصف أمية! استمر لمدة عقدين مدهشين، يوميّاتهما مهدّدة بالنسيان. وما يدور في يمن اليوم بحرٌ متلاطمٌ من المواد الخام الروائية، لا تقل عجائب وسوريالية. علماً أنّ ثمة فريقاً من باحثين أنثروبولوجيين غربيين ينتظر هدوء الأوضاع الأمنية للذهاب إلى عدَن لتوثيق يوميات تلك الفترة وطقوسها قبل اختفائها من ذاكرة البشرية!
> في رواياتك السابقة بدت البطلة «أروى» كأنها هيلين في حرب طروادة، وفي «ابنة سوسلوف» تبدو «أمَة الرحمن» كأنها جان دارك الثورة اليمنية، فهل تتقصّد رسم شخصياتك الأنثوية على هيئة بطلات الميثة والتاريخ؟
- لعلّ هذا المنحى الذي يحاول ابتكار صيغات روائية محلية معاصرة لتيماتٍ ونماذج إنسانية تقليدية قد ظهر فعلاً في روايتي «أروى» و «ابنة سوسلوف». لكنني أعترف بأنني لم أستطع أن أكتب روايةً واحدة في حياتي لا يكون دور المرأة فيها استثنائي الحضور، باهر الجوهرية. يربطني بهذا الدافع عشقٌ ميتافيزيقي جارف لا أستطيع تفسيره.
> تبدو معظم شخصياتك الروائية شغوفة بالثورات... فإلى أي مدى أنت ثائر؟ وكيف تعاطيت مع الثورة اليمنية في بدايتك؟ وهل أحبطتك ثورات الربيع العربي أم لا؟
- لم يكن لديّ في النشاط السياسي الثوري أيّ تجربة أو رصيد يستحق الذكر. ولكن، قد تكون هناك فعلاً في عصبيّة ثائرة في الجانب الثقافي التنويري، والذي بدأ بالتمرد على بيئة محافظة، في الرابعة عشرة، وتطوّر صاعداً باستمرار.
عشتُ ثورات الربيع العربي بكل وجداني، وطفحَتْ كل أحلامي منذ أول أيام ثورة تونس. أما اليوم فأشعر بإحباط هائل ... لكنّ الرغبةَ في النضال الفكري ضد الظلمات جامحةٌ. كتابي الذي ظهر قبل أشهر: «لا إمام سوى العقل» تعبيرٌ صارخ عن هذه الرغبة.
> كيف ترى إلى موقع روايتك الأخيرة «ابنة سوسلوف» في مسيرتك الروائية الطويلة؟
- أراها شخصيّاً، وقد أكون مخطئاً، أفضل بوابة لدخول مشروعي الأدبي. أتمنى أن يجدها القارئ ممتعةً غنيّةً آسرة، تلسعُ قناعاته الدائخة وتشعل رغبته في قراءة بقية رواياتي السبع، بالتسلسل الذي يحبّذه.
لكنني أتمنى ألاّ يتوقّف عن سبرها قبل أن يكون قد قرأ روايتي: «تقرير الهدهد» التي تتواشج فيها ثلاث روايات: أولاً، رواية سيرة حياة أبي العلاء المعري، وثانياً رواية رحلة زمكانية تلخص تاريخ الكون والإنسان من وجهة نظر علمية، وقد تنبأ باتجاهاتها أبو العلاء بعبقرية لم تبد قبل هذه الرواية بهذا الجلاء، إذ تدعم كل منعطفات هذه الرحلة الممتعة أبيات له تكشف عبقريته التنبؤية العقلية الخالصة. يكتب «أبو النزول» خلال هذه الرحلة الزمكانية «تقرير الهدهد» الذي نزل مكلفاً من السماء السابعة والسبعين، سماء الأفكار، إلى الأرض لصياغته. وهذا يعيدنا إلى رواية أبي العلاء الخالدة (ضمن «رسالة الغفران») التي سردت رحلة ابن القارح من الأرض إلى السماء، والتي ضخَّ فيها أبو العلاء تأملاته الفلسفية الشهيرة. وثالثاً، رواية تخييلية راويها هو الحفيد الـ 34 لأبي العلاء الذي يعيش تخلّف الواقع العربي وظلماته، ويرتبط بعلاقة ميتافيزيقية بأبي العلاء وبتفاعل يومي روائي مثير...
> أنت تعمل في مجال علمي دقيق يتناقض مع عملك الأدبي ككاتب... فهل أنت قادر على التوازن بين عالمين متباعدين إلى هذا الحدّ؟ وهل تحلم بالتفرّغ الكلّي للكتابة شأن الروائيين العالميين؟
- أن تكون «أسير المحنتين»: الأدب والعلم، ليس سهلاً دائماً، إسمحي لي أن أعترف. أتذكّر دوماً هذه الآية الكريمة: «ما جعل الله لرجلٍ من قلبين في جوفه»، ومدلولها العميق. أقرأه هكذا: عليك أن تُغيّر قلبَك هذا اليوم أو ذاك كما تُغيّر المعطف: تهب كل شغفك في لحظةٍ ما للعلم فقط، أو للأدب فقط.
نعم (أقولها ويعتريني كثير من الخجل): أحلم بالفعل بالتفرُّغ للكتابة، وبتحوّلِ ممارسة شغفي العلمي الحالي إلى هوايةٍ «ارستقراطية» موازية لا غير. أي: أحلم بقلب منظومة حياتي رأساً على عقب!

دراسة الأستاذ محمد برادة عن أروى وابنة سوسلوف في الحياة

حبيب سروري وجُرح الذات اليمنية

محمد برادة

http://www.alhayat.com/Articles/4588680/حبيب-سروري-وجُرح-الذات-اليمنية

منذ أصدر حبيب عبد الرب سروري ثلاثيته الروائية بعنوان «دمْلان» (2005)، واليمن، وطنُه، حاضر بقوة في نصوصه السردية التالية، من خلال شكل أقرب ما يكون إلى ما يسميه الناقد فانسان كولونا «التخييل الذاتي المرآتي». وفي هذا التخييل تغدو ذات الكاتب طيفاً ماثلاً في النص بأوضاع مختلفة، لتعبر عن هواجسه واستيهاماته وتأملاته عبْر مشاهد متخيلة يقذف فيها الكاتب بنفسه ليوسع دائرة التعبير...وحبيب سروري الذي تخصص في علوم الكمبيوتر وأصبح أستاذاً لها في فرنسا، يحمل في سويداء القلب صورة اليمن وذكرياته إبّانَ الطفولة والمراهقة، مُثقلة بمناخ القرون الوسطى وقيم الانطواء والفكر الماضوي. ومن ثم افتتانه بالحداثة ولغة المستقبل وهو يكتشف في فرنسا روعة الانفتاح وتحرير العقل والجسد ... استيحاءً لهذه التجربة الأساس، جاءت ثلاثية «دملان» مجسدة لمواجهة «وجدان» الشاب اليمني، لكابوس اليقظة في رحاب الجامعة الفرنسية، وما يرافق ذلك من أسئلة مُحيّرة، سياسية ووجودية. وأمام شعور وجدان بالمأزق، التجأ إلى الحلم وأمْثَلة المرأة بوصفها جوهر التغيير وعتبة الانتقال إلى أنْسنة السلوك وتحويل قيم المجتمع.
في روايات تالية لـ «دملان»، يتكوّن لدينا انطباع، كأنما حبيب سروري يكتب الرواية نفسها من خلال مُكوناتٍ تتباين في التفاصيل، لكنها تحافظ على النسغ والرؤية. ويمكن أن نلخص جوهر هذه الرؤية من خلال ما ورد على لسان امرأة جميلة قابلها السارد (الكاتب المفترض) في رواية «أروى» (دار الساقي،2013)، تقول له ملخصة شخصيتَه: « ...بُعدُك الرابع، الخراب الذي يدمِّر اليمن! تحمل في أحشائك جُرحاً اسمه اليمن. أنت جرح متنقل اسمه اليمن! بُعدُك الخامس، تحلم بالحرية المطلقة، الضياع، السفر الدائم، بسفينةِ نوحٍ داروينية تكتشف بها العالم، كلّ العالم...» ص 263.
يمكن في هذا التحليل الخُطاطي، أن نقول إن رواية «أروى» استوحت أكثر، الجانبَ المتصل بالحرية واكتشاف الذات المطمورة تحت ثقل التقاليد، بينما «ابنة سوسلوف» (دار الساقي، 2014)، جعلت من الصراع السياسي المتصل بربيع اليمن واستقواء الأصوليين الإطار العام للمشاهد والمحكيات.

«أروى»: عندما تمارس المرأة حريتها
يزعم السارد - الكاتب، في مطلع الرواية، أنه تلقى محكيات النص من الشخصيات الثلاث الأساسية، وأنه لم يقم بأكثر من تنسيقها وترتيبها وفق ما يجعلها مشوقة وكاشفة. لكننا نجد ستة فصول تحمل عنوان «السارد يتحدث»، إلى جانب الفصول التي يرويها باسل، وأوسان، وهما اثنان من أربعة أصدقاء يتنافسون في حب أروى الجميلة، المثقفة والموزعة بين عشرات العشاق. والواقع أن دور السارد لا يقتصر على تنسيق الرسائل والأحداث، بل يتعدى ذلك إلى ملء كثير من الفراغات وإصدار الأحكام، فضلاً عن كتابة الفصل الأخير الذي كتبه ليزج بنفسه في عشق أروى بوصفها حباً مستحيلاً يؤجج خياله ويستولي على حواسه...وعندئذ نلمس التخييل الذاتي المرآتي من خلال انقذاف الكاتب في مواقف وسيرورات تتيح له أن يخرج من جلده ليُعبر عن حالات قصوى: «...الغريب جداً: كلما توحّدتُ بأبطال هذه الرواية ودمجتُ نصوصهم، تخبّطتْ حياتي على أرض الواقع، وتشظتْ وادلهمّتْ واختلطت بحيواتهم لتقترب من الانفجار! صرتُ مثلهم على حافة الانهيار، إن لم يكونوا هم مثلي قبل ذلك!» ص 258. على هذا النحو، يتكشف لنا ذلك التعالق الوثيق بين محكيات الأصدقاء الثلاثة العاشقين لأروى الفاتنة، وانجذاب السارد «مراد» إلى بؤرة العشق المُعدي من خلال قذفه بنفسه في هذا الأتون المُستعِر؛ ما يضفي على النص غلالة من التخييل الذاتي تسترجع المحكيات لتوظفها في مجال أوسع، متصل بالرؤية التي يبلورها حبيب سروري في رواياته.
صحيح أن هناك حبكة توجه دفة السرد وتبرز السياق الصعب المحيط بوضعية المرأة في اليمن، لكنها تظل ثانوية بالقياس إلى ما يرمي إليه الكاتب. وتتلخص الحبكة في أن أربعة أصدقاء تعاهدوا وهم بعد في مرحلة التعليم الثانوي، على أن تكون لهم امرأة واحدة عندما يتزوجون، تعبيراً عن متانة صداقتهم في مرحلة المراهقة. لكن الأيام تسير عكس ما أملوا، إذ تزوج منيف أروى الجميلة من دون أن يحبها، ما جعلها تربط علاقات عشق مع شوقي وَأوسان. ثم يدخل باسل على الخط ليحرّض على القطيعة، مُؤملاً أن يصل إلى قلب أروى. ويأخذ السرد شكل التوازي والتقطيع والتنقل بين فضاءات عدَن وباريس ولندن، وتكتسي اللغة والأسلوب طابعاً رومانسياً وأبعاداً تتراوح بين الصوفية والإروسية. وعندما يدبر باسل جريمة للتخلص من منيف الزوج الكاتم لأنفاس أروى، لا تستطيع هذه الأخيرة أن تعود إلى حبيبها شوقي بعد ثلاثين سنة من الانتظار، ويلجأ أوسان إلى الانتحار لأن المعشوقة لم تختره هو، وتفشل أروى في مغامراتها العاطفية، فتنسحب من الحياة العامة بحثاً عن النسيان...
إن أروى في هذه الرواية تأخذ مكانة الصدارة بوصفها مجسدة للجمال والذكاء والأناقة، ورمزاً للحضور الأنثوي المشع وسط مجتمع تحاصره التقاليد البالية والوصائية الذكورية. وهي بذلك ترتدي أردية رومانسية تؤهلها لدور الحافز على التجديد والتحرر واستعادة المعنى في محيط سديمي. وهي الدلالة التي تتأكد من خلال خطاب - وعواطف - السارد الذي يتخذ من أروى وسيلة لميلاد جديد يرجوه.

«ابنة سوسلوف»: الوعيُ المغلوط
يطالعنا السرد في هذه الرواية على لسان عمران الذي تقترب مسيرته من مسيرة الكاتب الموزع بين اليمن وفرنسا، والذي يستعيد مراحل من طفولته ومُراهقته في عدن، حيث اكتشف الجنس ثم التقى مع فاتن الجميلة التي سيضفي عليها تسميات أخرى مثل: هاوية، وأمَة الرحمان...في تلك الفترة الأولى لم يتبادلا الكلام، لكن علاقتهما توطدت أثناء زيارات عمران لليمن في العطل الدراسية. وستكون فاتن هي من تسعى للقائه من طريق أخته. وعندئذ يكتشف عمران أن فاتن قد هربت من عدن إلى صنعاء، وأصبحت داعية أصولية لها نفوذ واسع بين النساء، بعد أن تزوجت ابن الإمام محمد الهمداني وربطت علاقة جنسية بوالده، وخصصت مواعيد غرامية مع عمران للبروفات العشقية. هبّ الربيع العربي على اليمن، واستمرت علائق الحب والجنس بين المرأة وعمران، واشتعل الصراع في حومة السياسة والثورة، واستقوى الأصوليون ولعبت فاتن دوراً في التأثير في النساء، وأحس عمران المؤمن بالعقلانية والتحرر بالهزيمة وانحراف الثورة، فقرر الرحيل نهائياً إلى أوروبا: «عدتُ إلى باريس أجرجر ذكريات هزيمة، أحمل على كتفي «ماتريوشكا» من الأكذوبات أثقل من كوعي(...) ثم لم أعد أسيرَ الحزن على حياتها ومصيرها: أمَة الرحمن سعيدة هكذا بالتأكيد، من يدري؟ لعلي لم أكن أكثر من تجربة عابرة، فريدة بالنسبة إليها؟ حاجة ماسة لتهدئة ضوضاء تناقضات حياتها؟ (...) من أنا، في الحقيقة، بالمقارنة بمشروع حياتها الكبير: «إعادة بناء دولة الخلافة التي تركها السلف الصالح أمانة في أعناقنا»؟ ص 205
يبدو اليمن في رواية «ابنة سوسلوف» بمثابة استعارة لوضعٍ عربي مقلوب ومختلط، حيث الأصولية تكنس الماركسية وتجاربها الطلائعية الفاقدة التربة الملائمة، وحيث التناقضات الصارخة تؤكد فشل التنوير أمام رسوخ القبلية والوعي الديني المغلوط. على هذا النحو، تنتهي الرواية بانسحاب الراوي العقلاني، العلماني من حومة الصراع لأن قوى الماضي الظلامي منغرسة عُمقياً في صلب المجتمع. وهو ما جعل السارد يعوّض عن فشله باللجوء إلى أسلوب السخرية والأوصاف الكاريكاتورية يصوّبُهما إلى أمَة الرحمن والفكر الأصولي المُتزمت.
وما يسترعي الانتباه عموماً، في روايات حبيب سروري، لجوؤه المتواتر إلى جدلية الحلم والكابوس، أي أن تدهور أوضاع المجتمع لا يجد حلولاً إلاّ في استحضار الحلم المغيّر، البديل من الظلامية والماضوية. وانطلاقاً من المراهنة على الحلم، يمكن أن نقرأ في ذلك أيضاً تعبيراً عن غياب القوى البشرية القادرة على مواجهة الاكتساح الأصولي لفئات المجتمع الواسعة. من هنا يلجأ الكاتب إلى معانقة الحلم والتبشير بالتنوير، في انتظار أن تتخلق قوى التغيير.

ماكينتوش وسط زبالة!


ماكينتوش وسط زبالة!
حبيب سروري

رمقتُ، وأنا أرمي منديلاً في زبالةٍ باريسية وسط شارع، ماكينتوشاً محمولاً صغير الحجم، فضيّ الإطار، أنيقاً جدّاً!
استغربتُ، واصلتُ مسيري، ثم عدتُ القهقرى بلا وعي لآخذهُ وأضعهُ في حقيبة ظهري. ليس لأني احتاجه (جاراج منزلنا عامرٌ بمتحفٍ يجمع موميات كمبيوتراتنا القديمة، منذ منتصف الثمانينات) لكن، ربما، لأنها أوّل مرة أرى كمبيوتراً في زبالة!
وضعتهُ في المساء بجوار المتحف واثقاً أنه قد قضى نحبه. ثمّ قرّرتُ بفضولٍ فاتر ربطَهُ بشبكة كمبيوتراتنا العائلية لِفحصه. أكتشفتُ أنه ما زال يشتغل، وأن صاحبه لم يمسح ملفاته، وأنها غابةٌ عامرة بمئات الجيجابايتات...

تمكّنتُ، بجهدٍ مضنٍ، من الوصول بطريقةٍ ما إلى ملفاته دون الحاجة إلى كلمة السر! راودتني رغبةٌ تلصصية عنيفة في التجوّل في الغابة. كبحتُ رغبتي الآثمة بصعوبة. لكني فضّلتُ (لا أدري لماذا) أن أنسخ مجموع هذه الملفات في جهازٍ خارجي للاحتفاظ بها فيما إذا تعطّل الكمبيوتر كليّة.

ثمّ حامت في رأسي أسئلة مرتعشة: أيحقُّ لي أخلاقياً تصفُّحُ هذه الملفات؟ لمَ لا، وليس لي في ذلك أدنى غرض، غير إسكات حبِّ استطلاعٍ جامح؟
أيختلفُ تصفحي لها عن تجسّس كبار شركات الكمبيوتر على أجهزتنا عند ربطها بالإنترنت؟... إذ لا يوجد تقنيّاً ما يمنعها اليوم عن ذلك. بل أكثر: غرستْ تلك الشركات، في كل كمبيتورٍ صُنِع بعد أحداث ١١ سبتمبر، برمجيات تفهرس محتويات ملفاته، بحيث يمكن عند البحث عن كلمةٍ ما، مثل "أحبك" أو "القاعدة"، (من قبل المستخدِم، أو سرّاً من قبل جاسوسٍ رقمي)، الوصولُ بشكل مباشر لكل الملفات التي تحوي الكلمة.
بل أكثر أيضاً: يحقّ لها الآن وقد دخلنا عصر البيانات العملاقة، Big Data، الشفط اليومي لكل ما نترك من آثار ونصوص وكتابات: تعليقاتنا، منشورات الفيسبوك، تويتر، ما نبحث عنه في غوغل، أغانينا المفضّلة، أصدقاءنا، ما نشتريه بالبطاقة البنكية...) وأرشفته في مستودعات ضخمة من الكمبيوترات، وتقديمه لبرمجيات ذكية لتحليله... وذلك لدراسة شخصيّتنا وميولنا وهوّيتنا (ال D.N.A الرقمية الخاصة بنا)، لرسم جينومنا الرقمي (الذي صار بأهمية الجينوم البيولوجي!). 
كل ذلك بغرض معرفة آلية عمل عصبونات أدمغتنا، وتوجيه رغباتنا الاستهلاكية، والتأثير والسيطرة مستقبلاً على سلوكنا في كل مجالات الحياة...

ثمّ خطرت ببالي أفكار عابثة لتبرير رغبتي التلصصية: من يدري لعلّ من رمى الكمبيوتر في الزبالة انتحر بعد ذلك، أوقُتِل؛ وثمّة ربما ملفات في كمبيوتره ستكشف سر رميه في قارعة الطريق بكلِّ هذا الكم الزاخر من الملفات والإيميلات الشخصية! ألا يلزم على الأقل أن أعرف اسم صاحب هذا الكمبيوتر من قراءة أحد إيميلاته فقط دون فتح ملفاته، لأتابعه بعد ذلك على الإنترنت علِّي أفكّك هذا السر؟

فتحتُ أحد الإيميلات. مفاجأة. أعرف صاحب الكمبيوتر: ف.ج! كان طالباً معي في الماجيستر في جامعة باريس، في ١٩٨٣!
كنّا ٢٥ طالبا، في ماجستير نخبَويٍّ جهّزتُ نفسي عاماً كاملا للوصول إليه. أروع سنوات حياتي الدراسية. كنّا حقل تجارب لِعِلم جديد: علم الكمبيوتر، مُنحنا بفضل ذلك إمكانيات اتصال وشغل استثنائية على شبكات كمبيوترات قومية ودوليّة تجريبية، سبقتْ بعقدٍ إنترنتَ اليوم المفتوحَ للجميع، وهيّأتْ له.

ما أتذكّره: كان ف.ج أكثرنا إدماناً على عشق البرمجة، سريع التذمّر والملل عندما لا ينظر إلى شاشة، لا يميل إلى الاختلاط بالآخرين، ولا يهتم بمظهره كثيرا. عمل أطروحة الماجستير حول لغة كمبيوتر جديدة سهلة اخترعها وبرمجها لتحبيب البرمجة لطلاب المدارس الصغار.
كان له كمبيوتره الشخصي الذي يأتي به إلى الصف مربوطاً على ظهره بحبال! علاوة على الأجهزة الشخصية التي منحنا إياها المختبر (أحتفظ بها في قلب متحف جاراج منزلنا، قُدسِ أقداسِه. اعتبرها تحفاً تنتمي لِعصرٍ حجرِيٍّ عتيق)... لا أنسى منظرَهُ وهو يعبر شوارع باريسية وعلى ظهره دبٌّ قطبيٌّ صغير (كمبيوترات بداية الثمانينات كانت ضخمة وثقيلة).

كنا نمتلك جميعا حسابات شخصيّة على حاسوبٍ عملاقٍ بعيد، في مدينة بوردو الفرنسية، نرتبط به، نكدحُ وننضحُ طوال الليل. كلٌّ يشتغل على حسابه ومشاريعه، ويترك ما شاء منها مفتوحاً للآخرين، للإطّلاع والاستفادة والاقتباس أو النقد. تفاعلٌ وديٌّ وعمليٌّ في فضاءٍ رقميٍّ إنسانيٍّ مشتركٍ حر، لم أعش في حياتي تفاعلاً بثرائهِ وعمقه. حماسٌ عارم وتبادلُ أفكارٍ وأحلام. وسعادةُ من يشعر أنه وُلِدَ في الزمن المناسب ليكون على موعدٍ مع ولادة علمٍ جديدٍ واعد. 
لم يكن لأحلامنا الطوباوية آنذاك حدود: غمرتنا حينها الثقة المطلقة بأن الكمبيوتر سيتجاوز ذكاء الدماغ البشري، بعد بضعة عقود فقط!...

كنت أدخل في حساب ف.ج بانتظام. أتابع تنظيمَه لِشجرة ملفاته و"أتلصّص" على كل أعماله المفتوحة للجميع. أغرقُ في قراءة البرمجيات التي يكتبها: أنيقةٌ بشكلٍ استثنائي، ذات جَمالٍ مطلق. أتناقش معه في منتديات فضائنا الإلكتروني حول بعضها...
لاحظتُ: كان يميل لاستخدام لغات الكمبيوتر الأكثر تعبيرية وارستقراطية، النابعة من علوم الرياضيات والذكاء الاصطناعي. يُطوِّعها لتصميم نصوصِ برمجيات صلصاليةٍ شديدةِ التكثيف والتجريد، قابلةٍ لأن تُكيَّف وتُستخدم في مجالات شتّى لا تربطها رابط أحياناً.
كنت أشعر بسعادةٍ خاصّة وأنا أقرأها: نقيّةٌ، أنيقةٌ، شفّافةٌ رقراقة. كنتُ كمن يقرأ نصّاً أدبيّاً، ملحمةً شعريّة!... صرتُ قادراً على تمييز أسلوبه الجماليّ الفريد في كتابة البرمجيات بين مليون أسلوب.

كان يتركُ أجندتَه اليومية في ملفٍ مكشوف، وقسطاً من مذكراته التي لا يتوقّف عن سردها في ملفاته بالتفصيل يوماً بعد يوم. استغربتُ كثيراً من تركها هكذا في العراء للعامّة من سكّان الحاسوب. وقعَتْ عيناي عليها بالصدفة بين الحين والحين، لكني كنتُ أمنع نفسي بصعوبة من قراءتها، وإن شعرتُ من نكهةِ شذرات بعضِها أن حياة ف.ج ليست عاديّة، غامضةٌ غريبةٌ جدّاً...

أختفى ف.ج عنّي بعد الماجستير، ولم أعرف عنه شيئاً، اللهم إلا ما قاله لي زميل قديم في نهاية التسعينات: يسافر ف.ج من بلدٍ إلى بلد، يعيش وحيداً متنقّلاً بين المقاهي والطرقات والفنادق وقارعات الطرق. يضع مجانا بين الآن والآن برمجيات ترفيهية صغيرة على الإنترنت لتكون بمتناول الجميع، أو أخرى مهنيّة يبيعها لِتسمح له حياةً بوهيمية حرّة يطوف بها العالم، ترافقه حقيبةٌ شخصية وكمبيوتر محمول!...
ندمتُ طوال عقود أني لم أثرثر معه كثيراً في سنة الماجستير. تقتيرهُ في الحديث وميوله الانطوائية (عندما لا يكون أمام الشاشة) كانت، كما أظن، المانع الرئيس. ازداد يقيني أكثر فأكثر أن حياته الخاصّة تخفي قافلة أسرار!

لم يمر أسبوع، منذ أكثر من ٣٠ عاماً، دون أن أستحضر ف.ج.، لاسيّما عندما كنتُ أمرّ قرب محطة مترو باريسية لها اسمٌ شبيهٌ باسمه!
أستحضره أيضاً كل مرّة أسمع فيها كلمة "بوهيمي"، أو كلمة "جِيك" (التي تُطلق اليوم على أعضاء ملّةٍ بشريّة، موهوبةٍ جدّاً، مهووسةٍ بالكمبيوتر والبرمجة والتكنولوجيا الحديثة)؛ كلّما أرى نصَّ برمجيّةٍ بِجمال قصيدة؛ وكلّما أعاشر في روايةٍ أدبية شخصيّةً خارج السرب، تتلوّى في طيّاتِها ألغازٌ وعجائب!

اجتاحتني في منتصف الليل رغبةٌ شيطانية زرقاء داكنة في الغوص في ملفاته الشخصية التي نسختُها من الماكينتوش المرمي وسط زبالة. ألسنا جميعاً "مِلكٌ لمختبرِ التجربةِ والمعرفةِ الإنسانية، نحيا لِنعزفَ معاً سيمفونيةَ الوجود، ونُصغي إليها في نفس الوقت"، كما قالت عبارة في روايتي "أروى"؟

أوّل ما أثارني وأنا أتصفّح خارطة قارّات ملفاته هو حرصه على أرشفة كلِّ يوميات حياته، كلِّ تفاصيلها، منذ بدء الثمانينات من القرن المنصرم على الأقل. وجدتُ شذراتٍ من يوميّاته في الثمانيات التي وقعَتْ عليها عيناي بالصدفة، في حاسوب بوردو العملاق أثناء سنة الماجستير!
كلُّ إيميلاته منذ تلك الفترة (بما فيها إيميلات نقاشاتنا الصغيرة حول هذه البرمجيّة العتيقة أو تلك)، كلُّ ملفاته، كلُّ حركاته وسكناته وخواطره مؤرشفة بشكلٍ مذهلِ التنظيم. كلُّ أسرارِ حياته، صغيرها وكبيرها أيضاً!...
غصتُ بلا وعي في هذه الغابة اللانهائية، غرقتُ فيها كما لو كنتُ أقرأ رواية. لم أتوقف عن عبورها طولاً وعرضاً، عن التسكُّعِ في بعضها طويلاً، قبل أن أكتشف في أحد مراحلها تفسيراً لسرٍّ جوهريٍّ حميم في صميم حياتي الخاصّة، أهمِّ أسرارها إطلاقاً.
زلزالٌ حقيقي!...


الخميس، 11 سبتمبر 2014

مقال الأستاذ يوسف ربابعة عن « ابنة سوسلوف » في القدس العربي


«ابنة سوسلوف» لليمني حبيب سروري: التحولات في زمن الصخب 

يوسف ربابعة
SEPTEMBER 10, 2014

يقدم حبيب السروري في روايته الصادرة عن دار الساقي رؤية نقدية جريئة لواقع المجتمع اليمني وتحولاته الصارخة خلال أربعين عاما، ابتداء من الايدولوجيا اليسارية الثورية ضد الرجعية والامبريالية، وانتهاء بأيدولوجيا الدين والمد السلفي العارم، وذلك عبر خلق شخصيات تبدو قريبة من الواقع حتى تجعلك غير قادر على التمييز بين كونها حقيقية أو متخيلة، وكذلك الأحداث بكل تفاصيلها، فالرواية إلى حد ما تبدو تسجيلية واقعية، تؤرخ لحالة اليمن عبر تحولات لا منطقية أحيانا، وربما فانتازية أحيانا أخرى.
تبدأ الرواية من حيث بدأ الربيع العربي في اليمن، مستذكرا بطلها نشيد الصوفي الذي كان يقود الناس ليرشدهم إلى طريق الخلاص الروحي، لكن هذا النشيد يتحول مرة واحدة إلى نشيد عنيف، يضج بالقوة والسخط، ليقول: «عادت الأرض بالقوّة وبالانتفاضات… عنف بالعنف لولا العنف الإقطاع ما مات… ولولا العنف ما تفجّر العالم بثورات… ولولا العنف ما سقطت جميع الحثالات!»، إنه التأسيس للعنف بكل تفاصيله وتحولاته، وهذا التناقض بين النشيدين يجعل بطل الرواية في حالة تيه فكري، ويتساءل: «لماذا لم تبتكر “الجماهير الشعبيّة الكادحة” لحناً آخر ينسجم مع هذه الكلمات الناريّة، بدلاً من ذلك اللحن الصوفي الرقيق الذي كنّا نغنّيه في طفولتنا خلف الحساني؟ ما أتفه الحسّ الفني للجماهير الشعبية الكادحة! ما أتعس الكسل! ما أقبح وألعن سوء الذوق!…».
وحتى لا نغرق في أحداث الرواية دون السباحة برفق على الشاطئ فإننا نشير إلى أن (سوسلوف) هو أحد القادة الشيوعيين اليمنيين، الذي كان يقود الجماهير الثورية ضد النظام الرجعي، وقد تحول فيما بعد إلى متدين سلفي، وابنته هي بطلة الرواية، التي كانت تقود الجموع في ميدان التحرير أثناء ثورة الربيع العربي، وهي من قادة السلفية الجهادية في اليمن، وسوسلوف وابنته وغيرهم هم رموز التحول من اليسار الثائر إلى اليمين الحائر، فـ»صاروا جميعاً حينها “مناضلين طليعيين”، ماركسين لينينيين من الطراز الرفيع، لمدة عقدين، قبل أن يتحوّل بعضهم إلى ظلاميين من الطراز الرفيع أيضاً، في هذا الزمن الجديد؛ زمن انتصار الخراب والظلمات!».
ترصد الرواية تحولات ابنة سوسلوف (فاتن) أو (هاوية)- كما كان يحب أن يسميها- من يسار علماني منفتح، إلى سلفية ظلامية– كما يسميها فيما بعد- فقد كان بطل الرواية (عمران) يحبها عندما كانت صغيرة، تأتي إلى الدكان مع أمها، وتنتمي للطبقة الغنية، لأن أباها سوسلوف من المسؤولين في الحكم، ويلتقي بها بعد طول غياب، ليعود إلى عشقها مرة أخرى، ولكن بطريقة درامية سرية، كما كانت تدير نشاطاتها بتلك السرية المفرطة.
ولا ننسى أيضا هنا في الحديث عن هندسة الأحداث أن نشير إلى أن حبيب سروري قد أدخل النمط الحديث في الرواية، حين كان يعتمد في بث أفكاره على حائطه في (فيس بوك)، مستخدما ذلك رمزا لتحولات الأدوات التي يمارسها السلفيون في اعتمادهم على الأدوات الحداثية في تسريب أفكارهم والتواصل فيما بينهم والرد على خصومهم، فكثير من الفقرات تبدأ بعبارة (منشور من حائطي في الفيس بوك)، كما أن السرد يقوم على مبدأ الاعتراف، وهو اعتراف ما بعد الموت أمام ملك الموت وهادم الملذات، ليعترف بكامل إرادته، ويقول: «لو طلب مني هادم الملذّات ومفرِّق الجماعات أن أقول كلمتين تلخّصان مشاعري حال رؤيته، فسأقول: ما حصل لحياتي يتجاوزني تماماً لم أستوعب منه شيئاً، سأكون محظوظاً وممتنّاً لوساعدتني، عزيزي قابض الأرواح، على توضيح ذلك وفهمه، أنت الذي كشف لك البارئ بالتأكيد أسرار البدايات وعرجنات المصائر».
لا يمكن للبطل ولا للراوي استيعاب ماحصل، كيف ينقلب الفكر إلى نقيضه مرة واحدة؟ وعند أول اختبار «حرب أهليّة انشطر فيها الجيش والحزب الحاكم على أساسٍ مناطقيٍّ قبلي، كاشفاً أن الأفكار الاشتراكية والبروليتارية كانت مجرد أقنعة يضعها ماركسيون أميّون ليسوا في العمق أكثر من قبائل همجيّة متخلفة!، وكيف يعيش سوسلوف بمغامراته الجنسية والسرية مع النساء، وانشطار عائلته وتفتتها، كما هو انشطار اليمن بين الجيش والحزب الحاكم»، وربما يصل ذلك التحول حد السخرية، فلا منطق ولا معقول، ويبدو أن السخرية قد دخلت في بناء الرواية، حين يتحدث عمران عن تاريخه في الحزب الشيوعي، وذات اجتماع مهم كان سيتقرر فيه تاريخ العالم، فيقول: «اتَّفقنا على كلِّ شيء تقريباً، إلا على تفصيلٍ لغويٍّ شكليٍّ جدّاً لا غير، في مشروع توصيةٍ من سطرين أو ثلاثة بالغة الأهمية، جوهريّةٍ جدّاً، ستُغيِّر موازين القوى في الكرة الأرضية والكواكب المجاورة، حول “دعم شبيبة أحياء الشيخ عثمان وضواحيها للثورة في موزمبيق!”. ولا يمكن فهم ما حصل عبر أربعة عقود من الزمن، فعندما تصادف وتلاقى عمران مع مدير المدرسة العليا الماركسية في الشارع العام، بدا الأمر أشبه بطلاسم لا يستوعبها العقل، إنه الموت الغامض الذي يلفنا ولا نعرف كيف وأين نغيب، التقيا .. ويقول: «عرَّفته بزوجتي التي مدّت يدها بشكلٍ طبيعيٍّ لمصافحته. اعتذر عن مصافحتها قائلاً إنه “متوضئ”! اعترتني، عزيزي قابض الأرواح، شحنةٌ كهربائية. غيضٌ، إهانة. كفرٌ بهذا التقلّب من أقصى الإلحاد الماركسي اللينيني المدويّ إلى أقصى التظاهر الشكلي والتشدّق الصارخ وغير المهذّب بالدين: رئيس المدرسة العليا لعلوم الماركسية اللينينية في عدن يرفض مصافحة زوجتي حتّى لا ينقض وضوءه…»
ابنة سوسلوف هي اليمن بكل ما فيها من تناقضات، عملٌ سرّيٌ منظّم. أسماء تنكّرية في كلِّ مكان. جيوشُ ظلام. جهادٌ سلفيٌّ بأحدث التقنيّات وبعبارات من عصور الأولّين. القرون السحيقة تنفجر من الضحك! بقينا زواحف كما كنّا، فيما زاحف الغرب، الذي كان أضعف منّا بالفعل، اكتسب زعانف وأجنحة مارد، وسيطر على الكون. زعانفه وأجنحته: التحرّر من وصاية وسلطة المسلّمات غير العلميّة. ولذا كانت ثورتها مزيجا من الظلم والظلام، لم يتغير شيء، إنها تريد أن تخرج من ظلمة لتدخل في أخرى «يبدو، مع ذلك، للعين المجرّدة أن ثمّة شيئاً ما يشبه الثورة، صور الطاغية ممزَّقةٌ على الجدران، شعاراتٌ جديدة تنبت هنا وهناك، نداءاتٌ وأحاديثُ متمرِّدة ألتقطها في المطار وأثناء عبور صنعاء المشطورة بين قوّتين: من الأفضل الإصابة بـ (سرطان الدم) النظام الحالي أم (سرطان المخ) نظام السلفيّين، الطاعون أم الكوليرا؟.
يرى كاتب الرواية على لسان بطله أن الثورة في اليمن ليست إلا فوضى جديدة، لا تحمل مشروعا حضاريا ولا رؤيا للمستقبل، هي فقط نوع من النفاق الشعبي والهستيريا الوطنية، فلا تصدِّق إطلاقاً أن هذا الشعب (الجمهوكي) أي: الجمهوري ملَكي يريد التغيير. هو أكبر منافقٍ في الكون، ابناً عن أبٍ عن جد. لا تصدِّقه إطلاقاً!»، إنه فوضى من الأهداف والأفكار والمشاعر والأحاسيس المتناقضة، مثل ابنة سوسلوف التي تمارس العفة والطهر علنا أمام الجماهير، وتمارس كل أنواع الغرائز الفاضحة في الخفاء، هي اليمن بكل ما فيها، «مدينة صغيرة، بداخلها جيش، شرطة، مواطنون، جامعة، أسواق، محاكم، مدارس، شوارع، محطات وقود، مطاعم شعبية، عشاق صغار، شعراء مغمورون، متصوفون زاهدون، تجمعات لسائقي البيجو في المساء، كهول حكّاؤون، أطفال حفاة وأمهات مصابات بالربو، عمال يؤوبون من مصانع الإسمنت عند الغسق، مدرّس للقرآن ذو مظهر كنعاني قديم، وبائع جرائد يفقد كل يوم نسخة من جريدة أو عشر نسخ»، وبكل هذه الفوضى العارمة يكون التدين وتنبت الأفكار، فلا ثورة تنجح في مجتمع لا يعرف ماذا يريد، ويسعى خلف السراب، فلا خاسر ولا كاسب «لم يخسر الأوّل إلا نصف سلطته ولم يكسب الآخر إلا نصفها. الخاسر هو العصفور الصغير الجميل، حلم الثورة اليمنية، الذي سقط على منقاره كعصفورٍ طار قبل موعده. سقط عموديّاً حيّا به، حيّا به! في مثلث برمودا ذو الرؤوس الثلاثة: شدق الملك، شدق الجنرال، وشدق الإمام». 
وتنتهي أحلام عمران بانتهاء حلم في حبه ووطنه، حين ماتت زوجته منذ البدء بحادث تفجير الأنفاق في فرنسا، ليفقد كل ما كان يحدوه من أمل، «وإن أمسى الشعب أكثر إرهاقاً من أن يريد فعلاً شيئاً ما. يكفيه أن يكون على قيد الحياة فقط. أما أن يكون فوق جناح الحياة، فذلك حلمٌ ناعمٌ لا يدغدغ اليوم إلا الشعراء وأنصاف المجانين…
كاتب أردني

يوسف ربابعة