الثلاثاء، 28 يناير 2014

هروبٌ إلى فلورانسا




هروبٌ إلى فلورانسا
حبيب سروري






من شرفةٍ في علياء «متحف القصر القديم» تبدو سقوفُ المنازل المحيطة موبؤةً بغابةٍ من صحون القنوات التلفزيونية الفضائية، قطيعِ أميبيا...
ما أتعس بؤس الذوق: لا موقع لهذه الطفيليات هنا، لا محلّ لِلموجاتِ اللاسلكية في هذه المدينة (التي لجأتُ إليها هارباً من كلِّ ما يُذكِّرني بالتكنولوجيا وجنونِ العصر الحديث!).

أغلقتُ في الحقيقة تلفوني والآيباد قبل أن أصلَها. عاهدتُ نفسي أن لا أفتحهما وأنا أسكنُها. هربتُ من الإيميلات وإنترنت والشبكات الخانقة والعمل والمنزل والعالَم كلّه إليها، لأعيشَ داخل لوحةٍ فنيّةٍ بحجم مدينةٍ عاش فيها دانتي، ميشيل انجيلو، جاليلو، ميكيافل: فلورانسا
أي: بحجمِ مهدِ عصر النهضة، وسِفْرِ تكوين الأدب والفن والسياسة والعِلم الحديث.

الشمسُ  تطحنُ فلورانسا. وثالوثُ مركزِها: الكاتدرائيةُ وبرجُ الكامبانيل والمعموديّة، يخترقُ السماء. عشقٌ عموديٌّ عنيفٌ في الاتجاهِ والاتجاهِ المعاكس.
في عناقِ الاتجاهين تشكّلتْ لوحةُ «ولادة فينوس» لِبوتيشيلي (المنتصّةُ في «متحف المكاتب»).
ثمّة أكثر من «ولادة فينوس» في هذه المدينة، لاسيّما لوحة فازادي في متحف القصر القديم.

أتجوّلُ الآن في المدينة بدون موعدٍ أو برنامجٍ أو هدف. لا أمِلُّ التسكّعَ فيها. في رجليّ جناحان صغيران كجناحي الإله الإغريقي هيرمس الذي أرى تماثيلَهُ في كل مكان.
تتزاحمُ في قصور ومتاحف وكنائس وأرصفة هذه المدينة تماثيلُ كلِّ آلهة الإغريق والرومان وكبار الأدباء والكتّاب والفنانين. لا ينافسُها إلا زخم اللوحات التشكيلية التي تزخر بها الجدران والأسقف والأعمدة...
أتخيّلُ نشوةَ من حطّموا تماثيل بوذا في أفغانستان إذا ما غزوا هذه المدينة ذات يوم. تلزمُهم سنينٌ  من التدمير لِسفكِ دماء تماثيلها، وإحراقِ كلِّ لوحاتها ومآثرِها...

تصعدُ هكذا في فلورانسا حسراتي القديمة: لو كان أبو العلاء (الذي بُقِر بطنُ تمثالِهِ الوحيد، في عقرِ داره بالمعرّة) من أبناءِ هذه المدينة لكان له فيها ألف تمثال. أين تماثيل الجاحظ في مدننا العربية؟ الخوارزمي؟ عمر الخيّام؟...

أعبرُ المدينةَ حاملاً كتاب «الكوميديا الإلهية» لِدانتي الذي استلهمَ بُنيَتَهُ، كما يبدو، من «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعرّي. أبحث عن ابن فلورانسا: تماثيلُه وأبياتُه، في كل مكان. من ملحمتهِ «الكوميديا الإلهية» انطلقت فنون عصر النهضة وآدابها (« قبل دانتي: الإغريق، وبعدهُ: العصر الحديث»).

أبحثُ أيضاً عن ابنِها الآخر الذي قال: «الكون كتابٌ لغتُهُ الرياضيات»، جاليلو. لِقراءة الكون يلزم، كما علّمنا، اعتماد التجربة الفيزيائية والبرهان الرياضي، لا غير.
لذلك صمّمَ ناظورَه ذات يوم وصوّبَهُ باتّجاه السماء. رأى عالَماً لا علاقة له بعالَم الأساطير والخرافة. سقطت بعد ذلك قرونٌ من الأكاذيب. بدأ العِلم والعصرُ الحديث...

أبحثُ فيها عن فنّاني عصر النهضة: ميشيل انجيلو، دوناتيلو، رافيائيل، دافنشي، بوتيشيلي... قضّى بشرُ هذه المدينة قرون العصور الوسطى والنهضة يبنون الكاتدرائيات والمآثر الفنيّة الكبرى. كان نصفُهم يموت من المرض والحروب، ونصفُهم الآخر من سكرة الفن...

 أُلاحظ: بين الكاتدرائيات وإنترنت الذي هربتُ منه تشابهٌ عميقٌ وخلافٌ جذريٌّ في نفس الوقت.
تشابهٌ عميقٌ أوّلاً: كانت الكاتدرائيات ملتقى الناس الدائم وبؤرة صلواتهم الجماعية. لم يعد الناس يتوجّهون إليها للصلاة اليوم، لكن طبيعتهم الإنسانية، ذات الحاجة الدائمة للعلاقات والتفاعلات والكُتل الاجتماعية، لم تتغيّر. لِذلك استبدلوها بكاتدرائياتٍ رقميّة يمارسون فيها صلوات جماعيّة افتراضية: شبكاتُ تواصلٍ اجتماعي، إيميلاتٌ جماعية، منتدياتٌ متنوِّعة...
وخلافٌ جذريٌّ أيضاً: إيميلات الكاتدرائيات الرقميّة تطاردك حيثما تكون، لا قيمة لها إذا لم تفتحها. فيما حجارة الكاتدرائيات التاريخية تحيا بدونك، لا تلتفت إليك إذا لم تحدّق بها طويلاً، إذا لم تخاطبها بلغة التوحّد الغرامي البطيء.

لماذا أتذكّر إنترنت من جديد؟ ألا أستطيع التحرّر منه؟...
أذهبُ للتوحّد البطيء مع الحجارة، في نهاية الظهيرة. أسندُ ظهري للمعموديّة. أمامي الكاتدرائية، على يمينها برج كومبانيل. ثالوثٌ هائل فريد، من رخامٍ كليٍّ خالصٍ  مهيب، ثلاثيِّ الألوان: أبيض، أخضر، ورديّ.
أتركُ الزمن للزمن... ساعاتٌ طوال من التحديق السادر، قبل أن أسمع أخيراً همس الحجارة.
أنتظرُ الغد لِدخول الكاتدرائية بعد أن تحدّثتُ طوال المساء مع حجارتها بغرامٍ خالص.
أدخلُ الكاتدرائيةَ اليوم التالي: فسيفسائياتُ كِبار فناني النهضة، فضاءٌ روحانيٌّ قرونُ وسطيّ، شهقةٌ من الذهول تخونني أمام الجميع، تتردّد أصداؤها في مسمعي حتّى الآن...

أتوجّهُ لموقعي الأثير: ساحةُ القصر القديم. تماثيل ميثولوجية مدهشة عديدة تحيطُ الساحة. يتجاور في تخومها متحفُ القصر القديم؛ متحفُ المكاتب؛ كنيسة قبور عائلات الميديسيس التي حكمتْ فلورانسا، والتي صمّم لوحات سقوفها البديعة: ميكايل إنجيلو نفسه؛ ومتحفُ جاليلو... كلّ ذلك على ضفاف نهر الارنو الذي يخترق المدينة...

أقرفص على أرض الساحة أمام تمثال إله البحر: بوسيدون. تُخدِّرني نسمةٌ ساخنة، تُشبِهُ نسمات عدَن
أضطجعُ على أرض الساحة تماماً... أسترخي بِعذوبةٍ ساحرة، أتوغّلُ في هذا العالَم الأسطوري الذي أضفتُ حولَهُ، في مخيّلتي، الصحراءَ والبحر. تحرسُني الإلهة أثينا!...
كلّا!... توقظني شرطيّةٌ ظنّت أني مريضٌ، أو فقدتُ الوعي. تسألني عن صحّتي. كل شيءٍ على ما يرام هنا، وأكثر. تُنبِّهني: «لستَ هنا على شاطئ!». 
لم أوافقها كثيراً: أنا على شاطئٍ تقتربُ منه سفينةٌ عليها عَولس. بوسيدون يوافقني على ذلك!...

كنيسةُ سانتا كورسيه (الصليب المقدّس): لم أتوقّف عن الدوران حولها كخذروف، وعن زيارتها طويلاً عدّة مرات. قال ستاندال: «كدتُ أفقد الوعي وأنا أرى أشياء بهذا الجمال، في هذه الكنيسة». لم يبالغ قط...
بها أضرحة العظماء معلّقةٌ على الجدران، تحيطُها تماثيلهم التي نحتها أروع الفنّانين. ضريحا أنجيلو وجاليلو يتقابلان في طرفِها. أتردّد بينهما كبندول الساعة... 

نحتَ تمثالَ أنجيلو صديقُه دوناتيلو. ولم يدخل ضريحُ جاليلو الكنيسةَ إلا بعد أكثر من قرنٍ من وفاتِه. نُفِيَ مؤسسُ العِلم الحديث، وعُذِّب في نهاية حياته حتّى أصابه العمى، لكنهُ انتصر على الظلمات بأثرٍ رجعّي.
على تمثال المفكّر السياسي العبقري ماكيافل هذه العبارة: «لا مديح يستطيع أن يرتفع لمقامِ هذا الرَّجل»، بما في ذلك مديح نيتشه له: «يجعلنا ماكيافل نتنفّس نسمات فلورانسا الجافّة العليلة». «الماكيافيلية النقيّة فوق إنسانيّة، إلهية، سامية»...

«معموديّة القديس يوحنا»، أو «يوحنا الجميل» كما كان يُسمّيها دانتي، كعبةٌ من رخام بثمانية أوجه، تعلوها منارةٌ صليبيّة. أدخُلُها من أحد أبوابِها الثلاثة: «باب الجنّة»، كما سمّاهُ أنجيلو.
بُنِيَت المعموديّة على أنقاض هيكلٍ وثنيّ. أرضُها صرحٌ بزخرفاتِ قطائف إسلاميّة. في جدرانها فسيفسائيات بيزنطيّة. مزيجٌ بديعٌ متعدِّدُ الثقافات.
جداريّةُ سقفِها مقاماتٌ موزَّعةٌ على دوائر ثمان. أهمُّها: «اليوم الثامن»، يومٌ بلا غسق. يوم البعثِ والنشور...

في مركز الجداريّة شمسٌ تحيطُها عبارةٌ دائريّة، بالاندروميّة (أي: متناظرة، سيّان أن تُقرأ من اليسار إلى اليمين، أو العكس):
EN GIRO TORTE SOL SISLOS ET ROTOR IGNE
عبارةٌ لاتينيّة غامضة، لم أعرف كيف أقرأها. أثارتني بشدّة وأنا أعبرها من إتّجاهٍ لآخر
أصبتُ بالدوار: ربع ساعة من التحديق الهوَسي بهذه الجملة المنقوشة في المركزِ الجغرافيِّ لِمركزِ كلّ فلورانسا، قبل أن أخون العهد: فتحتُ الآيفون (أو «خاتم سليمان»، كما أسمِّيه) كطالبٍ يغشُّ في امتحان!...
لاحظتُ بسعادة أن شبكة الواي فاي (اللاسلكيّة) تَصل إلى قلب المعموديّة: داخل الكاتدرائيّةِ كاتدرائيّةٌ كونيّةٌ رقميّة! أستطيع إذن أن أتنفّس! المجد للإنسان، المجد للحياة!...

يقول الموقع الذي ترجمها لي: «أنا الشمس، عجلةٌ يحرِّكها النار، حشرجتُها تطرد الكُرات».
يُضيف الموقع: منها استلهمَ دانتي عبارته الأخيرة في فصل «جنّات» من ملحمته الخالدة: «الحبّ الذي يُحرِّكُ الشمسَ وبقيّة النجوم».

أتصالحُ من جديد مع الكاتدرائيات الرقميّة ومع كلِّ من هجرته، بفضل هذا الحب الذي يطفح من قلب مركز هذه المدينة الفريدة!...

السبت، 14 ديسمبر 2013

رسالة إلى رائد “جمهورية الكوكب الأزرق”

رسالة إلى رائدجمهورية الكوكب الأزرق
حبيب سروري

عزيزي نيلسون مانديلا،
أكتب لك هذه الرسالة من مقهىً في مدينة هوشي منه (سايجون سابقاً)، أسمع فيه أغنيةً بموسيقى الراب بالفيتنامية، وأنا في طريقي لمؤتمرٍ علميٍّ في استراليا، قادماً من أسبانيا وبولندا.
حيثما أطبّ في هذا العالم أرى أمامي شباباً واعداً يحيى بنفس الوتيرة والإيقاع، يضع سمّاعات الآيبود في الأذن ويصغي لِنفس الموسيقى، يلبس بنطلوناته بنفس الطريقة، يقبع في نفس مقاعد المقاهي ويتناجى بنفس الكلمات، يفكِّر ويحلم بنفس المنوال، ويتعانق في أركان الشوارع بقُبلٍ عميقةٍ حميمية بنفس الطقوس والمنهجيّة...

أتساءل وأنا أرى هذه الوحدة الوجدانية لشباب الكوكب إن لن يأتي ذلك اليوم الذي سوف يعيشون فيه في جمهوريةٍ واحدة، متعددة الثقافات والأعراق اسمها: جمهورية الكوكب الأزرق، ينتهي فيها وإلى الأبد أسخف اختراعٍ بشريٍّ حديثٍ جدّاً ومقيتٍ جدّاً: الحدود الجغرافية، جوازات وتأشيرات السفر، وتفاهات بليدة كثيرة من نفس الطراز!...

لم تداهمني، في الحقيقة، يوماً رغبةٌ في كتابة رسالة لإنسانٍ لم تجمعني به علاقةٌ مباشرة إلا اليوم وأنا أقرأ على الآيفون، من داخل هذا المقهى، خبرَ خروجك المحمود من المستشفى بصحّةٍ أفضل، قبيل أسابيع فقط من استعداد شاشات سينما العالَم لِعرض فيلمٍ، في ٢٨ نوفمبر، يُصوِّر أحداث كتابِ سيرتك الذاتية الشاسعة مسيرةٌ طويلةٌ نحو الحريّة التي تسرد فيه حياة أهمِّ وأعظمِ عمالقةِ العصر الحديث، مؤسسِأمّة قوس قزح، نواةِجمهورية الكوكب الأزرق التي أحلم بها: ماديبا، قِبلتي في دِين الإنسانية، أنت!...

أعترف أني في لحظاتٍ سعيدة كهذه (نادرةٍ جدّاً، في الحقيقة) أتصوّرُ العالَم بعد ستّة قرون: وطناً واحداً يسكنه الإنسان الأعلى، إنسان نيتشه، في جمهوريةٍ واحدة أسمّيها جمهورية الكوكب الأزرق”.
تتعايش في هذه الجمهورية كل شعوب العالَم وتجمّعاته البشرية بتناغمٍ وتعاضدٍ ومساواة، تُنظّمها مؤسساتٌ دولية تستجيب لحاجات كل شعب بصدقٍ وعدلٍ خالص، حسب عباراتك، عزيزي نيلسون.

أمام باب مركزِ مراكز هذه المؤسسات يقبع تمثالٌ واحد، شامخٌ جدّاً: تمثالك...
لن يكون لك تمثالٌ آخر غيره، لكن لن يكون لأحدٍ في جمهورية الكوكب الأرزق تمثالٌ عداك، أو بحجم تمثالك على الأقل، في نفس ذلك الموقع...

لست أدري لماذا أعطي لرمزية هذا التمثال الشامخ الأوحد كلّ هذا الإهتمام الخاص. ربما لأني عندما طفت وعائلتي جنوب أفريقيا ، في صيف ٢٠٠٤، أثارتني هذه الرمزية وأعجبتُ بِحِذقها النادر: 
الحق أني بحثت طوال تلك الرحلة عن صورةٍ لك على جدران مدن جنوب أفريقيا ومؤسساتها، أو عن تمثالٍ صغير واحد. لكني لم أجد...
ثمّ في آخر يومٍ من الرحلة، إتّجهنا إلى حيّ كبار الأغنياء البيض وتجار الألماس، الذي كان ممنوعاً على السود بالطبع مجرّد الاقتراب منه، في منطقة محصّنة في جواهنسبورج.
 في المركز العصبي لذلك الحي ساحةٌ فيها أفخر المطاعم ومعارض السيّارات الأرستقراطية.
 في قلب هذه الساحة التي لم تطؤها قبل سقوط نظام التفرقة العنصرية (الأبارتايد) رِجلُ مواطنٍ أسود، يشرئب تمثالك الوحيد. كان شامخاً كما لم أر تمثالاً مثله، كان على مقاسك...
يكفي في عبقرية بلاغة صنّاع سقوط الأبارتايد تمثالٌ واحدٌ في كل جنوب أفريقيا يرمز لذلك السقوط النهائي، شريطة أن يكون شامخاً هائلاً، وفي قدس أقداس كعبة الأبارتايد!... بلاغةٌ فذّةٌ من طرازٍ جديد!...

يلزمني أن أقول، عزيزي ماديبا، إن تلك الرحلة إليك وإلى جنوب أفريقيا غيّرت طريقة رؤيتي للحياة، ولك الفضل في ذلك...
عندما أتذكّرها يعود لذهني حواران (نقلاني من القطب الشمالي للطبيعة الإنسانية، إلى القطب الجنوبي منها)
الأول مع صاحب فندق من بِيض جنوب أفريقيا (أفريكانير)، قبيل مغادرتنا الفندق... كان عنصريّاً بدرجةٍ لم أتخيلها. تحدّثَ معنا مُنبِّهاً من مخاطر السود، ناعتاً إيّاهم بعبارات تحت حيوانية، فريدةٍ في لاإنسانيّتها ونتانتها... 
كان حيواناً معتوهاً مريضاً في الجوهر. غادرناهُ والفندقَ غاضبِين متنرفزِين تماماً.

ثم كان الحوار الثاني بعد ذلك بيومٍ أو بيومين، مع شابّة سوداء تدخّن سيجارة في استراحةٍ قرب باب مدرسة.
سألتنا عن إنطباعاتنا عن بلدها، جنوب أفريقيا الساحرة. حكينا لها تفاصيل ذلك الحوار مع صاحب الفندق، ثم سألتُها ببراءة: “كيف تقبلون بقاء هؤلاء في بلدكم؟”.
نظرَتْ لي بشزر كما لو ارتكبتُ جرماً خطيراً لا يقلُّ عن جرم صاحب الفندق، قائلةً: هي بلدهم أيضاً!، مستطردةً بالحرف الواحد
نحن أسمى منهم أخلاقيّاً... أقصدُ من العنصريين بيضاً كانوا أو سوداً... إنتصرنا عليهم لأننا أرقى منهم أخلاقيّاً، لا غير!”...

لم تفارقني هذه العبارة التي أنت، عزيزي ماديبا، ملهمُها:كي تنتصر على خصمك يلزم أن تنتصر عليه أخلاقيّاً!”...

٢٧ عاماً من التأمل والتفكير في السجن قادتك لهذه الفلسفة الأخلاقية النبيلة الراقية، أنت الذي كنتَ يوماً إشتراكيّاً علميّاًمن هواة الكفاح المسلح!... اكتشفتَ خلال سنوات السجن الطويل، وأنت تراقب جلّاديك العنصريين بأعين ثاقبة، أنهم يرتجفون بصمت، وأن ما يحرّكهم  هو الخوف من الانتقام والسقوط المريع، لا غير. وأدركت أن هناك أملاً في أن تنهض الروح النبيلة كعنقاء، في أي إنسانٍ كان، شريطة أن تعزف أمامه موسيقى فاضلة تحوِّله إلى ثعبانٍ راقص
موسيقى المقاومة السلميّة والنضال الأرقى أخلاقيّاً!

٢٧ عاماً قادتك لأن تدرس تاريخ الأفريكانير ولغتهم كي تعلّمهم بها بعد ذلك دروساً في الديموقراطية والأخلاق والإنسانية؛ ولأن تقول للسود والبيض معاً في خطابٍ تاريخيٍّ شهير: “إرموا بأسلحتكم في البحر!”؛ ولأن تتوجّه يوماً إلى أرملة مؤسس القوانين العنصرية، لمصافحتها في مدينتها، معقل الأبارتايد والعنصريين التي لا يقطنها أسود واحد؛ ولِلبس فانيلا الفريق الوطني للروجبي (الذي يمقته كل السود في جنوب أفريقيا لأنه ممنوعٌ عليهم)، أمام مئات آلاف من جماهير البيض، مشجعيي ذلك الفريق، لتدوّي هذه الجماهير من البيض بلا وعي: “نيلسون، نيلسون...، ولِتنفجر فرحةُ السود بعد ذلك، في كل غيتو في جنوب أفريقيا، بفوز فريقٍ عنصريٍّ طالما كرهوه وحقدوا عليه؛ ولتبدأ هكذا صفحة جديدة من تاريخ بلدك!...

دروسٌ في الإنسانية لا تُنسى، شيّدتَ بفضلها مداميك أمّة قوس قزح، ومداميك حلمي الكبير: جمهورية الكوكب الأزرق!... 
ما أحوجنا، نحن العرب، للتأمّل في كلِّ ذلك!...

دروسٌ حضاريّةٌ في نبذ العنف غيّرتْ مجرى تفكيري أنا الذي ولدتُ في عدَن، وشاهدتُ فيها في صباي جموع الثائرينترقص محمومةً على إيقاع الثورة الثقافية الماوية، في ما كانت تسمّى الأيام السبع المجيدة في عام ١٩٧٢، وهي تغني مُحتفلةً بالعنف، لا شيء غير العنف
عادت الأرض بالقوة وبالانتفاضاتْ
عنف بالعنف لولا العنف الاقطاع ما ماتْ
ولولا بالعنف ما ماتت جميع الحثالاتْ
ولولا بالعنف ما العالم تفجّر بثورات!”...

مدينتي عدَن، عزيزي ماديبا، دفعت الثمن: نضبت دماؤها في حرب ١٣ يناير ١٩٨٦، ثم غزاها الظلاميون والقبائل الناهبة في حرب ١٩٩٤ ليلتهموا شرايينها القاحلة بحقدٍ ظلاميٍّ دفين، ليطيحوا بما بقى فيها من مدنيّة، وها هي اليوم تحتضر مثل اليمن عموماً.
أكتب لك هذه الكلمات وأنا أصغي في هذا المقهى في سايجون لأصداء نداءات المساجد اليمنية، تصلني من خلف البحار، تُحرِّضُ الناس على الحروب الطائفية المجنونة التي تدور الآن (وأنا أكتب هذه الرسالة!) بين الحوثيين والسلفيين في دمّاج...

 أتعرف، عزيزي ماديبا، أني تمنّيت قبل قليل وأنا أقرأ خبر خروجك من المستشفى أن تزور بلدي اليمن التي دمّرها العنف والظلامية! من يدري، لعل بركات روحك الإنسانية ومدد فكرك السامي ستخرجها من سكرة العنف والطائفية والجهل وحروب داحس والغبراء التي لا تنتهي فيها!...

كي تنتصر على خصمك يلزم أن تنتصر عليه بالثقافة والفن هي أيضاً من أهم دروس تجربة حياتك النضالية التي غيّرت مجرى رؤيتي للحياة.
تعلّمتُ ذلك الدّرس العظيم في يوليو ١٩٨٨، عندما توجّه كبار فناني العالم إلى ميدان ملعب ويملبي بلندن، ومعهم مئات الآلاف من الشباب الذين أتو من كل فجٍّ عميقٍ في أوربا للاحتفال غناءً خلال ١٢ ساعة متواصلة، بِعيد ميلادك السبعين وأنت في السجن، يُرافقهم أمام الشاشات مئات الملايين من البشر، في نفس اللحظة، من أقصى الأرض إلى أقصاها...
صلاةٌ جماعيّة واحدة اشترك فيها كل بشر الكوكب الأزرق، امتزج فيها الأمل بالفن بالحرية خلال ساعاتٍ إنسانيّةٍ لا مثيل لها، ردّدت فيها البشريّة بنفس الصوت أغنية: Free Nilson Mandela...
لعلّ الأبارتايد سقط في تلك الليلة إلى الأبد!

كنتُ منهم أعيش سكرة تلك الليلة الإنسانية الخالدة حتّى الفجر، أمام الشاشة. عشقتُ أوريثميكس وستينج منذ ذلك اليوم، وصارا قبلتين من قبلات وجداني الفنيّ، بنفس مقام من أعشقهم من الفنّانين العرب والفرنسيين!...

لعل حلم جمهورية الكوكب الأزرق راودني في تلك الليلة بالضبط، ليلة عيد ميلادك السبعين. ترعرع بعدها وترسّخ...

 لذلك أكتب لك اليوم ممتنّاً شاكراً، متمنيّاً لك بمفعولٍ رجعيٍّ مئة عيد ميلادٍ سعيدٍ آخر!...