الخميس، 17 أكتوبر 2013

رواية «قطة شرودنجر» أنموذجاً: الروايةُ أيديولوجيةُ العِلم؟


 رواية «قطة شرودنجر» أنموذجاًالروايةُ أيديولوجيةُ العِلم؟
حبيب سروري

جليٌّ اليوم أن «الرواية مرآةُ المجتمع»، «العِلم روح المجتمع»، و«التكنولوجيا طوطم المجتمع»، كما يقال دائماً في مجتمعات عصر الحداثة...
حضورُ العِلمِ الحديثِ والتكنولوجيا في مرآة الرواية الغربية، لاسيما الفرنسية، يعكسُ دورهما الرئيس في حياة الناس، ويتّخذُ أشكالاً عديدةً متجدّدة، معظمها غائبٌ أو باهتٌ تماماً في الرواية العربية.

فالعِلم اليوم، منذ عصر الأنوار ثم الحداثة، خلق تحوّلاً جذريّاً كليّاً في حياة المجتمع الغربي، هيمنَ على الاقتصاد والسياسة والتعليم والعلاقات الاجتماعيّة والقيم الجماليّة أيضاً، وعلى رؤيةِ الأغلبيّة الساحقة من الناس للحياة والعالَم
استولى في كلّ ذلك على نفس الموقع الذي احتلّته قبلَه الديانةُ المسيحية، عقب دخولها الامبراطورية الرومانية.

ليس غريباً في مجتمعٍ تتوالى فيه الاكتشافات العلمية؛ يسيطر فيه العِلم على التعليم كليّةً؛ تتواترُ فيه في كلّ المدن المحاضرات الشعبية العامة لِكبار العلماء، والفعاليات العلمية السنوية: أسبوع الدماغ، عيد العِلم... التي تحضرها جميعاً أفواجٌ كبيرة من السكّان؛  ليس غريباً فيه مثلاً أن يكون اختيار الناس لأهمِّ أحداث العام، أثناء الاستفتاء السنويّ الذي تنظّمه الصحف في نهاية العام، مُكرّساً دائماً لأحداث علميّةٍ جوهريّة (تجهل مدلولَها الأغلبيةُ الساحقة في بلداننا العربية).
فقد كانت نتائج الاستفتاءات الشعبيّة في بداية عام ٢٠١٣، عن أهمّ أحداث عام ٢٠١٢، على سبيل المثال: اكتشاف بوززن دو هيجز (الجُسيم الأوليّ الذي كلّف البحث عنه 40 مليار دولار ونصف قرنٍ من التجارب)، ووصول سفينة الفضاء كريوزيتي بمعدّاتها وروباتوتاتها المذهلة إلى المريخ للتأكّد من فرضيّة نشوء الحياة فيه قبل 4,2 مليار سنة!...

طبيعيٌّ أن الإنتاج الأدبي، لاسيما الرواية، لا يمكنه أن يغضّ النظر عن الدور المهيمن للعِلم في حياة الناس اليومية. فمنذ جول فيرن، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والروايةُ تعكس بِطرقٍ شتّى المعارفَ العلميّة واكتشافاتها الصاعقة المتتالية: 
ليس فقط لأنها تحكي روائيّاً قصص الأفكار العلميّة واصطدامها بالأفكار السائدة وتفاعلاتها مع المجتمع، وليس فقط لأنها تسرد روائيّاً حياة الباحث العلمي العامة والخاصة، لكن لأنها تقدّم دوماً، في أنحاء مختلفة من النص الروائي، تأملاتَ الكاتب الكونيّة والفلسفيّة من وحي الأفكار العلمية...
ناهيك عن أن ثمّة نوعاً أدبيّاً قائماً بِحدّ ذاته يستثمرُ العِلم والخيال معاً: روايات الخيال العلمي...

غير أن اكتساح العِلم لرؤية الناس للواقع والحياة دخل اليوم مرحلةً أرقى منذ بدء اكتشافات الميكانيكا الكونتية (علم الجسيمات اللانهائية الصغر)، مروراً بالاكتشافات الفضائيّة والبيولوجيّة الحديثة وآخر تطورات علوم الدماغ، وانتهاءً بالعالَم الرقميّ الجديد الذي صار شِعاره: «وحيثما تولّوا ثمّة وجه التكنولوجيا» لِدرجةٍ لم يعد فيها ممكناً التمييز أحياناً بين الافتراضيّ والواقعيّ في حياتنا اليوميّة... 
تعكسُ الروايةُ الغربيّة الحديثة هذا الاكتساحَ الجديد وتحاول أن ترتفعَ لِمستواه.

اللافتُ للنظر هنا هو أن الرواية الفرنسية الحديثة التي استوعبتْ وصهرتْ الأنماط الأدبيّة التقليدية كالشِّعر، ومارست أحياناً دوراً متعالياً عليها، لم تتوقف عن الانحناء المتواضع الدائم أمام العِلم الحديث، واعتبار نفسِها غالباً مجرّد أصدائه اللغوية لا غير!...
عبَّر عن ذلك جليّاً موقفُ مجموعة مجلة «تِلْ كِلْ» الشهيرة: «العِلمُ يُعيد صياغة الواقع، والأدبُ يُدخِل هذه الصياغة في اللغة، يلعبُ دور أيديولوجيتها»...

لعلّ هذا هو الرأيّ السائد الذي نجده اليوم في رؤية أهم الروائيين الفرنسيين. فعلى سبيل المثال يقول ميشيل أولبيك، أكثر الروائيين الفرنسين انتشاراً خارج فرنسا: «وحدهُ العِلم من يقول الحقيقة، وهذه الحقيقة تفرض نفسها على الأدب».
البطل الرئيس في روايته الثانية، «الجسيمات الأولية»، باحثٌ بيولوجيّ غيّرَ مجرى عصره.
كرّرَ هولبيك في روايتهِ الرابعة، «احتمال جزيرة»، التي تُعتبر امتداداً للثانية، رؤيتَهُ قائلاً في مقابلةٍ معه: «البيولوجيا مستقبل الإنسان» و«كلّ ما يسمح به العِلم سيتحقّق. حتى لو يعني ذلك التغييرَ البيولوجي لِما نسمّيهِ اليوم: الجنس البشري». 
وعندما سُئِل: «لماذا تستمر إذن في كتابة الروايات بدلاً من العمل في مختبر أبحاث؟» ردّ: «أعمل ما تقدر عليه موهبتي. يؤسفني أن أقول إن الفن يُقدِّمُ صيغةً جماليّة للحياة، لا أكثر!».

من يقرأُ روايات جون دورميسون، رئيس الأكاديمية الفرنسية، يجد أنها غالباً إعادةُ صياغةٍ دائمة في قالبٍ شِعريٍّ فلسفيٍّ جميل لِشغفهِ الرئيس الثابت: تأمّلاته في نشوء العالَم منذ الإنفجار الكوني الكبير: «بيج بونج»، مفهومِ الزمن، الإله، التطورات البيولوجية للإنسان، اللانهائي الصغر واللانهائي الكبر...
تأمّلاتٌ فنيّةٌ أخرى حول نفس هذه المواضيع نجدها في معظم روايات فيليب سوليرس، أحد أهم الأدباء الفرنسيين المعاصرين، ولو في شذراتٍ أصغر حجماً من تأمّلات دورميسون، لكن بطريقةِ سوليرس الارستقراطية والخاصّة جداً... 

بيد أن حصيلة روايات عام ٢٠١٢، كمثل، عجّتْ برواياتٍ كثيرة كان العِلم فيها شديدَ الحضور بأشكالٍ جديدة مختلفة. منها، على سبيل المثال فقط، رواية «نظرية المعلومات» (جاليمار، ٢٠١٢، الرواية الأولى لأوريليان بيلانجيه. لَخّصت، في ٤٩٦ صفحة، تاريخ المعلوماتية في الأربعة العقود الأخيرة في قالبٍ روائي مثير، قدَّمها للترشيح لجائزة الجونكور الشهيرة)، و«قطة شرودنجور»، الرواية السادسة للروائي الفرنسي المرموق فيليب فوريست (جاليمار، ٢٠١٣) التي تستحق عرضاً خاصّاً هنا لِموضوعها الفريد وأسلوبها الروائي الخالص في التعامل معه، الذي لا يحتاج من القارئ لأية ثقافةٍ علميّة خاصّة.

يلزم هنا توضيح إشكالية هذه القطة بكلمتين، قبل الحديث عن الرواية (وإن لا يحتاج قارئ الرواية لمعرفة تفاصيل هذه الإشكالية بالضرورة):
 مثل تفاحة نيوتن وحمار جحا، قطةُ شرودنجر «تجربةٌ ذهنية» اخترعها عالِم الفيزياء الكونتيّة النمساوي الشهير إروين شرودنجر، ليجلي بشكلٍ مجازيٍّ بعض المفاهيم الجوهريّة في هذا العِلم الذي يخالف ويصدم غالباً توقّعاتنا الحدسيّة.
فالجسيم الأوليّ، كما اكتشف هذا العِلم، موجودٌ في نفس الوقت في حالاتٍ مختلفة، وباحتمالاتٍ رقميّة خاصّةٍ بكل حالة.
يُخالف ذلك الواقعَ الفيزيائي التقليدي الذي يوجد فيه الجسم في حالةٍ واحدة فقط: إما أن يكون المرءُ مثلاً داخل الغرفة المغلقة أو خارجها، وليس في الوضعين معاً...

تقتضي تجربةُ شرودنجر وضعَ القطّة في قفصٍ مغلقٍ لايمكن رؤية ما بداخله، وبجانِبها كميّةٌ ضئيلةٌ من مادّةٍ مشعّة، بحيث يمكن أن تتحلّل منها ذرّةٌ واحدةٌ خلال فترةٍ محدّدةٍ من الزمن
تَحلُّلُ تلك الذرّة يقود، عبر جهازٍ خاصٍّ داخل الصندوق، إلى سقوط مطرقة على زجاجةٍ تحتوي على مادّةٍ سامة تخرج من الزجاجة وتؤدّي إلى موت القطة مباشرة!...

المهم هنا: القطة، من وجهة نظر الفيزياء الكونتيّة، في حالةٍ مركّبة من الحياة والموت خلال تلك الفترة الزمنية المحدّدة. لا يمكن تحديد مصيرها إلا بعد فتح المراقب للقفص ورؤية القطّة.

مربطُ فرسِ رواية فيليب فوريست: مفارقةُ هذه الحالة المركبّة من الحياة والموت، غير الممكنة في واقعنا الفيزيائي التقليدي...

في هذيانٍ روائيًّ بديعٍ حول هذه التجربة (لا يحتاج إلى أي ثقافة كونتيّة خاصّة)، يدوم ٣٣٠ صفحة، يتأمّل ساردُ الرواية في الحياة الإنسانية من وجهة نظر أن كلّ شيء فيها موجودٌ بأشكال متناقضةٍ ومتوحّدةٍ في نفس الوقت...

يدخل السارد في مغامرةِ بحثٍ روائيّ يُشبِهُ البحثَ عن قطّةٍ سوداء في ليلٍ حالكِ الظلمة. «ليس هناك أصعب من البحث عن قطّةٍ سوداء في ليلٍ بهيم»، كما قالت عبارة شهيرة لكونفوشيوس. «لا سيّما إذا كانت القطة غير موجودةٍ أساساً»، كما أضاف داروين!...

يقدِّمُ السارد أثناء هذيانهِ اللذيذ أشكالاً مختلفة من الثنائيات المتّحدة والمتناقضة معاً في لغتنا وحياتنا اليومية. يخترعُ أيضاً مرادفات بسيكولوجية وحياتيّة عديدة من نفس القبيل. يُعِيدُ رؤيةَ الحياة عبر «المنشور الضوئي» لِمفارقةِ هذه القطة وبالاستناد على مفهوم «الأكوان المتوازية» أيضاً...

يدخل السارد أيضاً في دماغ هذه القطة المسكينة، يتوغّل في «ميتافيزيقيا شوارب القطط»... يسرد أساطير القطط الصينية، يخترع أساطير صينية جديدة!...

لا ينسى أيضاً سردَ بعض جوانب حياة إروين شرودنجر الذي اشتهر بإدمانه العلاقات الغرامية الساخنة، والذي كتب «معادلة الموجة» الشهيرة، الجوهريّة جداً، في عطلة كريسميس عام ١٩٢٥، أثناء أيامٍ غراميّةٍ قضّاها في فندق تيرول بالنمسا...
لم يتوقف مؤرخو العِلم عن الهمز واللمز حول تلك الأيام حتى الآن، لِدرجةِ قولِ الكثيرين منهم إن الميكانيكا الكونتية (التي غزت اليوم جلّ أمتعتنا اليومية، من الهاتف المحمول إلى طابعة الليزر، مروراً بجهاز تنظيف الملابس) خرجَتْ من بين ملايات غرفةِ فندق، بعد علاقةٍ غراميةٍ فاجرة!...

خلاصة القول: حضور العِلم في نسيج الرواية الحديثة الغربية، لا سيّما الفرنسية، واسعٌ ومتعاظمٌ بأشكال مختلفة متجدّدة. في حين أن حضوره في الرواية العربية نادرٌ جدّاً، إن لم يبدُ في منظور الكثيرين جسماً غريباً لا محلّ له من الإعراب في الرواية.
حاولنا هنا عرض تجربةٍ روائيّة تنطلق من التأمّل الأدبي الخالص في تجربةٍ كونتيّة. لِتقودَ الروائي إلى عوالم شتّى تتداخلُ فيها مغامرات وأسرار اللغة اليومية، بأساطير القطط، «بميتافيزيقيا شوارب القطط»، بحياة السارد اليومية، والحياة الغرامية لِمخترع التجربة الكونتيّة: إروين شرودنجر... 
كلّ ذلك في مغامرةٍ روائيةٍ ساحرةٍ (لا تحتاج من القارئ لأية ثقافة علميّة خاصّة) تؤكّدُ أن الروايةَ أيديولوجيا العِلم فعلاً، كونها قبل هذا وذاك: مرآة المجتمع. وأن التخييل الروائي كونٌ بلا حدود، يتّسعُ للعِلم والميتافيزيقيا والأساطير والحيوات اليوميّة في نفس الوقت...

القوانين الجوهريّة للغباء البشري


القوانين الجوهريّة للغباء البشري
حبيب سروري

ثمّة علاقةٌ مثيرةٌ وعميقةٌ جداً بين عبارة الخليل بن أحمد الفراهيدي الشهيرة: «الرجال أربعة: رجلٌ يدري ولا يدري أنه يدري، فذلك غافلٌ فنبّهوه. ورجلٌ لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذلك جاهلٌ فعلّموه. ورجلٌ يدري ويدري أنه يدري، فذلك عاقلٌ فاتبعوه. ورجلٌ لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فذلك أحمق فاحذروه» وكتاب بروفيسورِ تاريخ الاقتصاد في جامعة بيركلي الأمريكية وبيزا الإيطالية، كارلو سيبولا: «القوانين الجوهريّة للغباء البشري».

ظهر هذا الكتاب الصغير الحجم بالإنجليزية في طبعةٍ محدودة في ١٩٧٦. رفض سيبولا ترجمته لأنه اعتقد أنه سيفقد قيمتَهُ بلغةٍ أخرى. قبل موافقته، قبيل سنوات من مماته عام ٢٠٠٠، على ترجمتهِ إلى الإيطالية، لِيُصبِح شديد الرواج فيها. ثم تُرجِم العام الماضي إلى الفرنسية وأصبح فيها اليوم شديد الانتشار أيضاً.

من هو الأحمق، أي: الغبي؟ 
هو من لا يدري أنه لا يدري، حسب رأي الفراهيدي. تعريفٌ دقيقٌ صائب، لكنه معرفيٌّ بحت، صعبُ الفحص والقياس كما أتوقّع.
يحلو الإشارة هنا للعبارة الجميلة العميقة الشهيرة للرجعيّ الكبير الذي ناهض الثورة الفرنسية بضراوة، جوزيف دوميستر: «من لا يفهم، يفهم أفضل ممن يفهم خطأًالتي تُفضِّلُ بجدارة الجاهلَ على الغبي!...

لِسيبولا تعريفٌ آخر أكثر عمليّةً ربما. يلاحظ سيبولا أوّلاً أن الإنسان حيوان اجتماعي، يعيش متفاعلاً مع الآخرين في شبكة علاقات دائمة، يُؤثر عليهم ويتأثر بهم. يُؤدّي ذلك إلى منافع أو خسائر اقتصادية أو نفسية، إلى كسبٍ أو ضياعٍ للطاقة أو الوقت...
مثل الفراهيدي، يضع سيبولا الإنسان في أحد أربع شرائح. فهو غافل أو قرصان أو ذكي أو غبي:
إذا قاد تأثيرك على الآخر إلى منفعتهِ (أو منفعة مجموعةٍ بشريّة تتضمّنُه) وإلى خسارتِكَ في نفس الوقت فأنت غافل. إذا قاد إلى منفعتك وخسارتهم فأنت قرصان. إذا قاد إلى منفعتكم معاً فأنت ذكي. وإذا قاد إلى خسارتكم معاً فأنت غبي.

يستخدمُ سيبولا في كتابه صبغةً أكاديمية: يضعك في محور السينات، ومن تتفاعل معه في محور الصادات الذي يتعامد مع محور السينات على الورقة كصليب، لتحتلّ الشرائح الأربع مواقع المربعات الأربعة التي تتقاسم الورقة.
في ضوء تكرار موقعك في مربعات هذا الرسم البياني، انطلاقاً من شبكة تفاعلاتك مع الآخرين، فأنت إما غافل أو قرصان، ذكيٌّ أو غبي، ذكيٌّ يميل إلى القرصنة إذا اقتربت كثيراً من مربع القراصنة، أو قرصانٌ يميل إلى الغباء، أو قرصانٌ «نظيف»: أي مقدار كسبك من تفاعلك مع الآخر يُساوي تماماً مقدار خسارته (في الحالات غير «النظيفة» يكون الكسب أقلّ أو أكثر من الخسارة)، وهكذا دواليك...

يهتمّ كتاب سيبولا بالشريحة الرابعة أساساً: شريحة الأغبياء. يضع خمسة قوانين جوهريّة يتمحور حولها الكتاب، تُحدِّدُ طبيعة هذه الشريحة وتُجلي خطورتَها، كونها أمّ كلِّ بلاوي البشرية.
يلاحظ سيبولا أوّلاً، في ضوء دراسةٍ ميدانيّةٍ أو من وحي التجارب التاريخيّة، أن نسبة هذه الشريحة كبيرةٌ جدّاً، هائلة...
مثل معظم الباحثين الذين يرون اليوم أن لكلِّ صفات الطبيعة الإنسانية مرجعاً جينيّاً آتٍ من التاريخ التطوريّ الدارويني للإنسان، يؤكّد سيبولا أن الغباء إرثٌ جينيٌّ في الأساس.

قد يصرخ البعض عند سماع ذلك، ويتّهم الدراسةَ بالنزعة النخبويّة أو الفاشيّة أو العُنصريّة. لكن القانون الجوهري الثاني فيها يمنع ذلك تماماً ويدعم وجهة النظر الجينيّة أيضاً، وهو يقول:
نسبة شريحة الأغبياء في كل المجتمعات والطبقات والفئات الاجتماعية ثابتة، أشبه بنسبة فصيلة الدم!... واحتمال أن يكون المرء غبيّاً مستقلٌّ عن بقية خصائص وصفات طبيعتهِ البشرية.

مذهلٌ جداً هذا القانون لأنه ينصّ، كما أشارت دراسة سيبولا، على أن نسبة الأغبياء متساوية في كل الشعوب، وفي كل الفئات الاجتماعية عمّالاً أو فلاحين كانوا أم أساتذة جامعات أو حائزين على جوائز نوبل، كما لاحظَتْ دراسته...

تُنوِّه الدراسة بعد ذلك إلى غموض شريحة الأغبياء وصعوبة سبر اتجاهات سلوكهم: لا يمكن للعقلاء استيعاب حياة الأغبياء والتناغم معها. يُذكّرني ذلك بحكمةٍ صينية تقول: «الأحمق من ينظر لأصبعك عندما تؤشر له بها نحو القمر.
إذ يستطيع العاقل مثلاً استيعابَ وإدراكَ واستشرافَ سلوك القرصان لأنه يخضع لآليّةٍ عقلانية، ولبرنامجٍ معروفٍ مسبقاً يبحث عن الكسب الأنانيّ. لكن لا يمكن التفسير العقلاني لما سيقوم به الغبي وتلافيه مُسبَقاً أو الدفاع عن النفس ضدّه أو الردّ عليه، لأنه لا يخضع غالباً لاحتمالاتٍ منطقيّة أو لبرنامجٍ عقلاني

لعل مقولة آينشتاين: «ثمّة شيئان لا نهائيا الكبر: الكون والغباء الإنساني. لكني لا أمتلك القناعة المطلقة فيما يتعلّق بلانهائية الكون»، ومقولة تشارلز ديكنز: «يستطيع المرء أن يواجه ما يريد، إذا ما تسلّح بالغباء والمقدرة على الهضم»، شديدتا التعبيرية في هذا المضمار.
ولعل لذلك أيضاً، كما لاحظتُ، يلجأ بعض الماهرين من لاعبي الشطرنج عندما يلعبونه مع برنامج كمبيوتر يوشك على هزيمتهم، بإرباكهِ في لحظةٍ ما والانتصار عليه أحياناً بفضل أدائهم لِنقلةٍ «غبيّةٍ» نسبيّاً وغير خطيرة في نفس الآن، لم يتوقّعها البرنامج، العقلانيّ جدّاً، الذي يوجِّهُ نقلات الكمبيوتر!... يُساعد ذلك أحياناً على تغيير مجرى المباراة بالفعل، ويُذكِّر أيضاً بقول تشيلر: «ضد الغباء، حتّى الآلهة تحاربُ عبثاً...

تُلاحظ الدراسة أن العقلاء، بما فيهم الأذكياء والقراصنة، يُقلِّلون دوماً من تقدير دور الأغبياء، يتعاملون معهم براحة بال، ولا يستطيعون الإدراك المسبق للخطورة الناجمة عن سلوكهم
ذلك خطأٌ فاحش لإن القانون الخامس الرئيس في دراسة سيبولا ينصّ على أن الغبيّ أشدّ خطورةً من القرصان. هو (أي الغبي) أخطر الشرائح الأربع دون منازع!...

فإذا كان أفراد المجتمع كلّهم قراصنةً «نظيفين» مثلاً، لما هُدِرت ثرواته، أي: لكان بدون خسائر، لأن نفس خسارة هذا الفرد مكسبٌ لذاك. 
لكن الخسائر الناجمة عن سلوك الأغبياء، لا سيّما إذا كانوا في قيادة الحكم والجيش، لا يمكن تقديرها مسبقاً، ولا حدّ لفداحتها غالباً... 
ناهيك عن أن الأغبياء تمكّنوا دوماً طوال التاريخ من احتلال مواقع قيادية في رأس السلطات والجيوش، مما سبّب كلَّ محنات وكوارث البشرية. 

هم أيضاً دوماً الأكثر ثقةً بِصوابهم وبأنفسهم! تؤكّد ذلك تجربةٌ قام بها باحثان أمريكيان، بعد موت سيبولا، تتلخّص في توجيه قائمةٍ محدّدة من الأسئلة كامتحان في مجالٍ ما، لِشرائح مختلفة من الناس
نتيجة التجربة: «من لا يدرون أنهم لا يدرون»، كما يقول الباحثان بالحرف الواحد، ليسوا فقط أسوأ من يجيب على هذه الأسئلة، لكنهم أيضاً أكثر من يعتقد، قبل رؤية نتائج الامتحان، أن إجاباتهم صائبة. في حين أن تقدير الأذكياء  الذاتي لِصحة إجاباتهم، قبل رؤية النتائج، أقلّ ثقةً بالصواب!...

خلاصة القول: في ضوء القانون الخامس، ليس ثمّة ما هو أهمّ من الحذر من الأغبياء. عرقلةُ وصولِهم إلى السلطة واتخاذ القرار، وتقليص تأثيرِهم على حياة الشعوب قضيّةٌ مصيرية، ذات أهميّةٍ حاسمةٍ مفصليّة...
فما يُميِّزُ الدول المتطوِّرة عن الدول المتخلِّفة ليس قلّة نسبة الأغبياء فيها بالمقارنة بالثانية (النسبة ثابتة واحدةٌ في الاثنتين)، لكن كون نسبتهم  في الدوائر الفاعلة والمؤثِّرة والحاكمة فيها أقل من الثانية بكثير...

ففي الدول المتخلفة والمتدهورة تتزايد نسبتهم في السلطة بشكلٍ ملحوظ، بجانب نسبة فصيلةٍ فتّاكةٍ جدّاً: «القرصانات ذات الميول الغبيّة» التي تتكاثر هناك بشكلٍ خاص كما لاحظت الدراسة أيضاً، حيث تلعب الانقلابات العسكرية والتوريثُ العرقيّ والدين دوراً خاصّاً في تنمية ذلك، كما لعبت نفس الدور في الدول المتقدّمة قبل نهوضها عقب الثورة الصناعية...

تتناغم هذه النتيجة كثيراً مع مقولة الفراهيدي شديدة العمق والروعة، لا سيما كلمته الأخيرة: «فاحذروه!» التي تُكثِّف كلّ دراسة سيبولا (الممتعة جدّاً قبل كونها مفيدةً جدّاً!)...

استدراك: لا يعفي هذا الكتابُ سيبولا من احتمال انتمائه لتلك الشريحة الغبيّة التي لا يعشقها الخليل الفراهيدي كثيراً. ولا يعفيني هذا المقال من نفس تلك البليّة قبل كل شيءٍ بالتأكيد. ولا يعفي ذلك مولانا الفراهيدي قبل هذا وذاك!...