السبت، 1 يونيو 2013

«لوحات نساءِ» فيليب سوليرس



«لوحات نساءِ» فيليب سوليرس
حبيب سروري

«ها أنت موسيقارُ ورسّامُ لوحات نساء حياتك. يُصبحن الشخصيّات الجوهرية لرواياتك. بامكانهن أن يأخدن أشكالاً وأوجه مختلفة، أن تنضمّ لهن نساء يصعب البوح باسمائهن.
فريدةٌ اللحظةُ التي تخرج فيها إحداهن أو الأخرى من الموجة، فريدٌ النقابُ الذي تكتسي فيه، الضحكةُ المجنونة أيضاً. هنّ مالكات مسحوق الزمن

لعلّ هذه العبارة في كتابه الأخير («لوحات نساء»، دار فلاماريون، ٢٠١٣) تُلخِّصُ منهجيّةَ فيليب سوليرس في خلق نساء رواياته، الزاخراتِ دوماً بحضورهن الكثيف.
هو الذي لم ينفك عن تجسيدِ الاحتفال الديونيزوسي بالحياة؛ وعن الانحناء لِجاهبذة من اعتنقوا ذلك المذهب مثل «كازانوفا الرائع» (عنوان روايةٍ سابقة لِسوليرس)؛ وعن النقد اللاذع لِضمورِ روح «إرادة القوّة» النيتشاوية (أي: تجاوز الذات الدائم لِنفسها خلقاً وابداعاً) في روايات كبار الكتاب الفرنسيين المعاصرين واختفاءِ تدفُّق الجسد فيها، واستغراقِهم بدلاً عن ذلك في دوّامات الحنين إلى الماضي و«صدمات الطفولة»... 
هو الذي افتتح روايته الشهيرة الضخمة «نساء» (جاليمار، ١٩٨٣) بهذه الآية العميقة: «الحياة ملكٌ للنساء، أي ملكٌ للموت».

لعلّ سوليرس (٧٧ عاماً) آخر عمالقة الأدباء الفرنسيين، وإن كان دوماً مثار جدَلٍ دائم. كان رئيس تحرير مجلة «تِلْ كِلْ» في فجر شبابه. رئيس تحرير مجلة «المالانهاية» اليوم. عدد رواياته وكتبه النقدية باهر. ثقافته الأدبية استثنائيةٌ جدّاً، قبل هذا وذاك. لغته الموسيقية الخاصّة ترقص في تقاطع الشِّعر والفلسفة. دون الحديث عن كونه، منذ عقود، المسئول الأدبي الأوّل لِدار جاليمار، «البنك المركزي للأدب».

في كتابه الأخير ينقش سوليرس لوحاتٍ نابضة مُمَوسقة لِنساء حياته، ويكشف علاقاتهن بنساء رواياته.
معشوقاته مثقفات جدّاً، مما حدى بِعضو أكاديمية الجونكور، الناقدِ برنار بيفو الذي أدار خلال عقود أهم البرامج الأدبية التلفزيونية الفرنسية، صاحبِ الكتاب السردي المهووس بالتساؤلات: «نعم، لكن ما هو السؤال؟» (٢٠١٢، نيل)، إلى سؤال سوليرس يوماً:
«سوليرس: أبإمكان امرأةٍ لم تقرأ ستاندال، شاتوبريان، بودلير، بروست... أن تكون مشروع معشوقة؟»

بعد قراءة كتاب سوليرس الأخير يحلو ربما إعادة صياغة السؤال قليلاً: أبإمكان امرأةٍ، ليس لها أنف كليوباترا، أن تكون مشروع معشوقة؟...
إذ يقول في كتابه: «فأنف كليوبترا فجّر أحلام الكثيرين. لو كان أصغر مما كان عليه لَتغيّر وجه التاريخ، كما يعتقد باسكال (لأنه ما كان لِيُغري أنطوان إلى ذلك الحد
لم يتعلّق سوليرس بكليوباترا («الإغواء المُطلق»، كما يُسميها) بسبب إليزابث تايلور وهي تمثِّل دورَها.
يقول: «لا، لا. شكسبير وحده السبب. منذ أن قرأتُ في الصغر "أنطوان وكليوباترا" (١٦٦١) وأنا أبحث عن كليوباترا في كل مكان». و«في كل امرأةٍ تنام كليوباترا طاغية. يكفي إيقاضها».

يبدأ سلسلة كليوباتراته بالأم. جميلة، متنوِّرة، برجوارية، تعتبر الرجل ثقيلاً مُضجِراً، وضرورياً مع ذلك. تُقضّي وقتها بالقراءة، «في حين أن زوجها منهمكٌ بالشغل». يتساءل: «أكانت تتذكَّر ما تقرأه؟ هذه قضيّةٌ أخرى»... 
قضّى الطفل سوليرس وقتاً طويلاً يُحدِّق في عينيها ذوي اللونين المختلفين. طالما تساءل في صغَرِه، وهو يحدِّق بهما، إن لم تكن أمُّه مأوىً لامرأتين...
لعلّه لم يدر حينها أنه سيكون هو نفسه، طوال حياته تقريباً، ذلك المأوى!...

أوجينيا: أسبانية، مناضلةٌ في العمل السرّي، لاسلطوية (anarchiste)، وجدت عملاً متواضعاً في ممتلكات والدهِ الغني في بوردو، أقصى جنوب غرب فرنسا، بعد هروبها من أسبانيا بسبب الملاحقة البوليسية. شديدة الجمال، في الثلاثين من العمر.
سقط بعشقها بضراوة «من أوّل نظرة»، وهو في الخامسة عشر من العمر: «جسدها المتمرد تناغم مع جسدي»، «عشقنا بعضنا البعض في كل مكان، بِسريّةٍ كاملة»...
استثمر شخصيّتها لتكون بطلة روايته الأولى: «عزلة مثيرة» التي نُشِرَت في ١٩٥٨. كتبها وهو في العشرين من العمر، ونالت إعجاب أدباء كبار كأراجون
يستحضر سوليرس عشقَه المجنونَ الأول خلال أكثر من ستّين سنة. «تطاردني حتى الآن طيبتها، ابتسامتها السموحة»...

تأهّل بفضلها كما يبدو لِيصِلَ إلى أوّل عِشقَيه الخالدين (هو في الثانية والعشرين وهي في الخامسة والأربعين): الكاتبة والروائية المتميّزة دومينيك رولان. عشقٌ سرّيٌّ عميقٌ جدّاً استمرّ حتّى وفاتها العام الماضي ٢٠١٢، في لحظةٍ تراجيديّة ممزَّقة، وهي تردّد قربه: «إلى اللقاء حبيبي الصغير!». 
عشقٌ مطلق!... تنساب أصداءُ لوعة هذه الكلمات في الكتاب وتهيمن عليه من الطرف إلى الطرف
جمعتْهما الكتابة، الحريّة، وفينيزيا التي كان يسافر نحوها سوليرس في الربيع والخريف كل عام، لأكثر من ثلاثة عقود، ليعيش فيها مع معشوقته بعيداً عن الأضواء.
هي أفضل منه في الفن التشكيلي («تجيد قراءة اللوحات أفضل مني») وهو في الموسيقى. تُسمِّيه في رواياتها: جيم (من وحي اسم الروائي جيمس جويس). كتَبَتْ عدّة روايات (مثل: ثلاثون عاماً من عشقٍ مجنون) مهداةٍ إليه. ولجأ لاستحضارها كثيراً هو أيضاً في أكثر من رواية، لاسيما «عشق ثابت»، وكرّسَ لها إهداءَ أكثر من روايةٍ وكتاب.
لعلها هي أيضاً منبعُ شخصيّة مينا في روايته «كنز العشق» (المتمحورة حول حياة ستاندال): «نحيا متواريين في فينيزيا، مينا وأنا. لا نخرج، لا نرى أحداً، الماء، الكتب، العصافير، الأشجار، الأجراس، الموسيقى، الصمت، متفقون حول كل ذلك. في آخر الليل مشيٌّ طويل باتجاه محطة القطار البحريّة. ثمّ عودةٌ والكل ينام. نصمت كثيرا، دليل على اتفاقنا. العشّاق وحيدون في العالم، لأن الكون خُلِق لهم ومنهم. العشق شبكةٌ خليويّة تقاوم أعاصير الزمن».

طقوس حياتهما ومغامراتهما، في مدينتهما الميثولوجية فينيزيا، كثيرة: «نكتب، نمشي، ننام، ثم نكتب ونمشي أيضاً».
حياته الأزلية الأبديّة معها: «أعيش تحت حمايتها لي كملاكٍ حارس. أذا طلبتُ منها إشارةً ما، تردّ بسهولة: "اكتبْ وسأصلْ"، ثم تصل»

ثم هناك جوليا كريستيفا التي جاءت من بلغاريا إلى فرنسا لعمل أطروحتها حول «الرواية الحديثة». (هي في الخامسة والعشرين وهو في الثلاثين من العمر). كان حينها واجهةَ الرعيل الجديد من الأدباء الطليعيين، يقود فريق مجلة «تِلْ كِلْ» الشهيرة، وصديقاً لِكبار كتّاب ومفكري فرنسا المتقدمين عليه في السن، من لاكان إلى أراجون.
جاءت لمكتب مجلّته لتُوَجِّهَ أسئلتها حول السيريالية. أدهشته بثقافتها الواسعة، اكتسحته...
لم يفترقا من يومها وإن صارت هي اليوم أيضاً من مشاهير علماء النفس المرموقين دوليّاً. تتنقّل بين جامعاتٍ من نيويورك إلى طوكيو. كاتبةٌ وروائية مرموقة أيضاً. نالت جائزة هولبيرج (المماثلة لِنوبل، في العلوم الاجتماعية). صُدِر لها قبيل أيام فقط كتاب دراسات: «نبضات الزمن»، ومجلّدٌ فنيٌّ أنيق: «رؤىً جوهرية: فنون وطقوس قطع الرأس».

تزوّجا بِصمت في ١٩٦٧ (كان أراجون وإلزا «بِصدفةٍ سيريالية» في نفس مطعم احتفالهما الثنائي، ليلة الزواج). انجبا طفلاً يُعاني من معضلاتٍ صحيّةٍ معيقة.
اعتقد أراجون دوماً أن جوليا هي إلزا الخاصّة بسوليرس. أخطأ، لا شك: لِسوليرس حيوات متوازية، «شبكةٌ خليويّة» من العشق على غرار بيكاسو وسارتر. عشقٌ تعدّدي بِلونَي عيني أمّه. أو هو باختصار: «حياةٌ أخرى، روايةٌ أخرى».

خلاصة القول: كتاب سوليرس الأخير مثيرٌ ممتعٌ مفيد.
مثيرٌ في جنونِ بحثِ الكاتب فيه عن الحريّة والعشق والإبداع كثالوثٍ لا ينفصم
ممتعٌ في تخديرهِ السوليرسي، بكلِّ تفرُّدِ روعةِ أسلوبِهِ وتعدُّدِ وعمقِ شخصيّته وثقافته الأدبية، وعيوبهِ التقليدية كالإعجاب المفرط بالذات...
مفيدٌ في تنقّله الزجزاجي بين الحياة الخاصّة والحياة الروائية، التي تبدو الأولى فيه مجرّد وسيلة، والثانية غاية الغايات.
وفي سردِهِ أيضاً لِيوميّات العشق، تعقيداته وتوتراته وآلامه وسعاداته، وضرورة خوضهِ ك«فن حرب»، بالمعنى العبقري المناور لهذا الفن الصيني (عند إسقاطه في مجال علاقة الرجل بالمرأة):
فنُّ حربٍ توحّدية بين اليين واليونج، المرأة والرجل. 
وفنُّ حربٍ جبهويّة ضدّ الموت أيضاً: «في العشق، مهما حدث، حتّى وإن اقتربنا من تخوم الفاجعة والجنون، فإننا نلامسُ بطرف الأصبع هزيمةَ الموت»
وفي ذلك فليتأمّلِ المتأمّلون!...

السبت، 20 أبريل 2013

"بلكونة" جون جينيه تكشفُ حاضر اليمن ومستقبله


"بلكونة" جون جينيه تكشفُ حاضر اليمن ومستقبله
حبيب عبدالرب سروري

جون جينيه أحد أكبر أسماء أدباء القرن العشرين
"البلكونة" إحدى أهم مسرحيّاته. درسها، فيمن درسها، الفيلسوفُ المعروف آلان باديو في كتابه "بورنوجرافيا الحاضر"، وقبلَهُ عالمُ النفس الكبير لاكان في دراسة طويلة في كتابه "تشكّلات اللاوعي".
"مثل فرويد الذي استمدّ جزءاً من نظريّته من مسرحيات سوفوكل الإغريقية، اشتغل لاكان على المسرحية"، كما يقول آلان باديو...

بُنيةُ ونتائج مسرحية "البلكونة" تُلخِّصُ، بشكلٍ مثيرٍ مذهل، كما سأشرح لاحقاً، واقعَ اليمن الحالي وسيرورته القادمة. أي
الثورةُ التي "عطّفَتْ"، مؤتمرُ الحوار الوطني في فندق الموفمبيك، الشعبُ المقهور خارج الفندق، إعادةُ ترتيب موازين قوى السلطة بعد الثورة... 

لِأُلخِّص مسرحيّة جينيه بِكلمتيتن أوّلاً:
ثمّة أربع قوى تتقاسم المسرحيّة، كما يلاحظ الفيلسوف آلان باديو:
١) ثورة شعبيّة تلفظُ أنفاسها الأخيرة.
 ٢) قائدُ الشرطة، الشخصيّة الجوهريّة في المسرحية.
٣) بيت دعارةٍ أرستقراطية: يلتقي فيه الجنرال، القاضي، أسقف الكنيسة، الملِكَة، قائدُ الشرطة، ولاحقاً واجهة الثورة الشعبية: روجيه
بيتُ الدعارة هنا رمزٌ مجازيٌّ لِموقعٍ تُمَارَسُ فيه لُعبة مرايا وكاميرات تُثيرُ الرغبة، تصنعُ اللذّةَ والوهم. مبنيٌّ على الدعاية والتحريض التجاري. يُصلِّي فيه الأسقف "أمام الله وعدسة الكاميرا". 
تقودُ بيت الدعارة الشخصيّةُ الجوهريّة الثانيّة في المسرحية، إرما.
٤) "السلطة العارية" التي تُحرِّكُ كلَّ شيء في الخفاء ولا تبدو في السطح.

إشكاليةُ المسرحية هي العلاقة العميقة والمعقّدة بين السلطة، الديمقراطية، الصور الإعلامية وصناعة الوهم  في واقعٍ مُنكسر، بلا بوصلة، خرج للتوّ من انتفاضةٍ ثورية!...
خلاصةُ المسرحيّة: ما إن تقع الثورةُ الشعبية في فخِّ لُعبةِ بيت الدعارة إلا "وتكتبُ نهايتَها، تصلبُ نفسَها"، "تسيرُ نحو مقبرةِ الحلم"، كما يقول آلان باديو.
قائدُ عمليّة صلبِ الثورة في المسرحيّة هو قائدُ الشرطة، جورج
هو وإرما، رئيسة بيت الدعارة، يمثّلان واجهة "السلطة العارية".
ينتصران في نهاية المطاف.

البعدُ الهام، الرائعُ المبدعُ الفريد، في المسرحيّة هو
رغم أن قائد الشرطة هو من يمتلك زمام النصر إلا أن صورته الشعبية لا تثيرُ إعجاب أحد، بعكس بقيّة رموزِ بيتِ الدعارة!
يُقرِّرُ قائد الشرطة حينها أن يُخرِج هيئتَهُ الجديدة على شكلِ قضيبِ ذَكرٍ هائل، يستحوذُ الجميع!
هنا تبدأ اللعبة الكبرى: 
في حوارٍ له مع بعضِ رموزِ بيت الدعارة يقول قائد الشرطة:

ــ بعد كلّ هذا، أريد الآن أن أخوض معركة الأفكار الجريئة. ثمّة من نصحني أن أبدو على شكلِ قضيبِ ذَكَرٍ هائل!
الملكة: جورج!... كيف تتجرأُ قولَ ذلك؟...
قائدُ الشرطة: عليَّ أن أعمل ذلك إذا أردتُ أن أكون رمزَ الأمة، رمزَ جبرّوتكِ!...
يخاطب أحدُ رموزِ بيت الدعارة الملِكةَ حينها
ــ أتركيه سيّدتي. هذه لغة الزمن المعاصر!...

أختتمُ هذا العرض السريع لمسرحية جينيه بهذا الحوار شديد التعبيرية، حول النفوذ والسلطة:

يخاطبُ قائدُ الشرطة القاضي
ــ فوقك، أعظم منك، ثمّة الملكة. منها تستمدُّ سلطتَك وحقوقَك حاليّاً. أعلى من الملِكة، مرجعُها: العلَم الوطني الذي وضعتُ عليه صورةَ شهيدة الثورة: شانتال، قدّيستنا!
الأسقف: أعلى من ملِكتِنا (التي نُقدِّسها)، وأعلى من العلَم، هناك الله الذي يتحدّثُ بصوتي!...
قائد الشرطة: ومن أعلى من الله؟... إنه أنتم أيّها السادة لأنه بدونكم لا وجود له. وأعلى منكم: أنا الذي بدوني...
القاضي: والشعب؟ ورجال الإعلام؟...
قائد الشرطة (ساخراً): 
ــ لِنركع أمام الشعب، الذي يركع أمام الله!... ذلك يعني:... (ينفجر الجميع ضحكاً!)

*****
لن يجد القارئ صعوبةً في ملاحظة أن التطابق بين واقع اليمن اليوم والمسرحية يفقعُ النظر:
على سبيل المثال: كَثَمنٍ للانتفاضة الثورية لم يعد، في نهاية المسرحية، للملِكة وجودٌ ذو أهميّة، شأن ما حصل لِعلي عبدالله صالح وذويه. 
تأخذ إرما موقعها رويداً رويداً...
مثل اليمن، صارت السلطةُ الحقيقية بيد قائدِ الشرطة ورئيسةِ بيت الدعارة، أهمِّ القوى الحيّة التي لعبت دوراً رئيساً قبل الثورة، بالتحالف مع الملكة.

السؤالُ المفصلي الكبير الذي انفتح بعد انتهاء الثورة هو
كيف يُخرِجُ قائدُ الشرطة نفسَه الآن بِهيئةٍ جديدةٍ قويّةٍ جذّابة تناسب المرحلة القادمة؟ 
أي: كيف تظهرُ صورتُهُ الجديدة بِ" لغة الزمن المعاصر"، كما يقول الحوار أعلاه؟...

لعلّ "مؤتمر الحوار الوطني" الذي ينعقدُ اليوم في اليمن، يحضره حوالي ستمائة عضو، وسط لُعبةٍ إعلاميّةٍ ذات سيناريو دعائيٍّ رهيب، هو هذا الإطار الجديدُ الذي يُخرِجُ فيه قائدُ الشرطة نفسَه بـ"لغة الزمن المعاصر".
رسمَت "السلطةُ العارية" في اليمن تفاصيلَ هذا الحوار الوطني بِشكلٍ يتجاوزُ كل التوقّعات
يُهِمُّها أوّلاً أن يستمرَّ مؤتمرُ الحوار الوطني فترةً طويلةً خياليّة: ستة أشهر، بأيّ ثمن. وأن يمتلئ بالآليات الطويلة المتداخلة المعقّدة: اجتماعات فنية، نظام داخلي، نقاشات لوائح تنفيذية وتفاصيل لا حدَّ لها، ضجيجٌ وشدٌّ وجذب ومظاهر إعلامية استعراضية لا نهاية لها!...

يُهمُّها أن يفقد الواقعُ والناسُ كل أملٍ أثناءه، أن يتركّز نظرُهم حوله لا غير ك" حلٍّ أوحد"، أن لا يثيرَهم أيّ إعجابٍ إلا بِشكلِهِ المبالغِ به، (الموازي لِقضيب الذّكر المبالغِ بِتضخيمهِ في المسرحية)، أن يستحوِذَ رغباتهم ونزواتهم، أن يتمنّونه ويحلمون به، ويندمون إذا لم يشاركوا به، وكأنّه قد "فاتهم القطار" إذا لم يكونوا ضمن أعضاء ذلك المؤتمر...

ليس غريباً إذن، كما يبدو من مسرحية جون جينيه، أن يكون قائد الشرطة حريصاً بشكلٍ لا حدَّ له على أن يكون الإخراجُ الجديد لموقعهِ في السلطة بعد الثورة مركزَ استقطابِ اليمنيّين ورغباتهم وآمالهم
لا حلّ لِلمستقبلِ الشرعيّ الجذّاب لِقائد الشرطة إلا في هذا المؤتمر المبالغ بِطولِه، بضجيجه، بقيمتِه، بأهميّتِه، بِالدعاية الإعلاميّة له، وبخلطِهِ الكيمائيّ للضحيّة والجلّاد معاً، للمجرمِ والبريئ معاً... في أوبرا يُجيد قائد الشرطة عزفها كما يشتهي.

لِضمانِ ذلك، لِضمان نجاح المؤتمر وحضورِ أعضائه كلَّ الجلسات خلال ستة أشهر، لم تبخل "السلطة العارية" بشيء!
ثمّة، على سبيل المثال، آليّةٌ لم تُمارَس في أيِّ مؤتمرٍ في العالَم
ضرورةُ "توقيع حضور" عضو المؤتمر يوميّاً، واستلامه مقابل ذلك مبلغاً هامّاً يثيرُ لعابَ الشعبِ المقهورِ الجائع الذي لا يفهمُ ما هي معايير دفع ذلك المبلغ، لا سيّما في وطنٍ يستلمُ فيه المواطنُ راتباً شهريّاً لا يتجاوزُ غالباً مبلغَ حضورِ نصفِ يومٍ واحد لِعضو المؤتمر!
ناهيك عن أن ما يتقاضاه الموظّفون في العالم الخارجي، اثناء حضورهم أي مؤتمر، هو صرفيات مواصلاتِهم وغذائِهم وسكنِهم أثناء المؤتمر، وليس ثمناً يوميّاً لحضور الجلسات!...

كلُّ شيءٍ مُبالغٌ به في هذا المؤتمر، بِشكلٍ مرسومٍ بِعناية، لِيكونَ موقعُهُ في الحياة اليمنيّة مثل قضيب ذَكَر قائدِ الشرطة في مسرحيّة جون جينيه.

لا أستطيعُ أن أصف كم تتفِقُ، بشكلٍ بديعٍ مذهل، تفاصيلُ مسرحية جون جينيه مع واقع اليمن اليوم!...
لعلّ نتائجَ المسرحية أيضاً تستشرفُ ما سيحصل في اليمن قريباً
سينجحُ مؤتمرُ الحوار الوطني بالتأكيد، بعد هذا الثمن الباهض الذي تدفعه "السلطة العارية" لِنجاحه
أي: سيتجذّرُ تحالفُ قائدِ الشرطة ورئيسةِ بيت الدعارة وستنتصرُ شرعيّتهما المطلقة في اليمن القادم
(أي: ستنهزم الثورة وأحلامها بالإطاحة بهما وبناء يمنٍ جديدٍ على أنقاضهما!)...

خلاصة القول: ليس لنا، إذا ما أردنا التشبُّثَ بالثورة وأحلامِها، إلا النهج الذي مارستهُ كل شعوب العالم التي دخلت العصر الحديث
النقدُ الحيّ الدائم لِلُعبة تحالف قائد الشرطة ورئيسةِ بيت الدعارة، والرفض الإيجابيُّ البنّاءُ لِكلِّ سيناريو يحافظُ على بقائهما.
لا سبيل لنا إلا بفكرٍ قويٍّ منظّمٍ شعبي، ورفضٍ عمليٍّ ثائرٍ فعّال، كما يقول آلان باديو.
ما لم سنظلُّ خدَم رئيسة بيت الدعارة وقائد الشرطة و"السلطة العارية"!...