الاثنين، 2 فبراير 2015

رواية "خضوع" لهولبيك: تخييلٌ سياسيٌّ خارج النص

رواية "خضوع" لهولبيك: تخييلٌ سياسيٌّ خارج النص
حبيب عبدالرب سروري
ميشيل هولبيك أشهر روائيي فرنسا المعاصرين وأكثرهم استحواذاً للقارئ الفرنسي والعالمي، وإثارةً للآراء المتناقضة والجدل. كل رواية يصدرها حدثٌ أدبي يثير سيلاً من التفاعلات
يتصدَّرُ الحدثَ الثقافي منذ أشهر: قام هو نفسه بلعب دور هولبيك في فيلمٍ عن هولبيك. أُخرِجتْ روايته الثانية "الجسيمات الأوليّة" في مسرحية ناجحة في مهرجان أفينيون ٢٠١٤. وتثير اليوم روايته السادسة: "خضوع" زوبعةً من الجدل، منذ قبل أسبوعين من صدورها في ٧ يناير ٢٠١٥.

مشروعهُ الروائي: سرد تحوّلات العالم، آلامِه وجراحِه، احتضاراته وقبحه وانكسارته، بكلماتٍ تصل كأسهم، وبتحضيرٍ وثائقيٍّ انسكلوبيدي دقيق، وباستخلاصات ورؤىً فلسفية ترفدها لغة الشاعر الملهم الذي أصدر أكثر من ديوان، لاقى آخرهم: "هيئة الشاطئ الأخير" استقبالاً ونجاحاً واسعاً كعادة معظم أعماله.
رجعيٌّ وحدانيٌّ سوداويٌّ وعدميّ، دخل مع والدته في تبادل شتمٍ إعلامي شديد القساوة، ومع عدوّهِ الحميم المحارب الغشّاش هنري برنار ليفي في تبادل مراسلات هجائية دعائيّة نشراها في كتاب مشترك: "عدوّان عموميان".
تحضر في كل أعماله بإبداعٍ مرموق كآباتُ الحياة، مآسي غياب الحب، وتنبؤات الانقلاب الميتافيزيقي الذي ستقود له، حسب اعتقاده، تطورات العِلم المعاصر في غربٍ يلهث مرهقاً، ينحدر ويحتضر، بدون مشروع إنساني لمستقبل الحضارة البشرية... 

روايته الخامسة: "الخارطة والأرض" التي نالت جائزة الغونكور قبل ٤ أعوام انتزعت شديد الإعجاب. موضوعها: الفن المعاصر في عالمٍ استهلاكيٍّ مأزوم. (أثار جدلاً جانبيّاً فيها شتمُهُ الهجائي الكليّ لفن بيكاسو، رمز الحداثة.) يرسم فيها الكاتب سيرورة فناء شخوصها، وخراب العالم بشكلٍ عام، بإبداعٍ مثير. يتوسّط هذه السيرورة سردٌ طويلٌ لِمقتل الكاتب هولبيك وكلبه، في مذبحةٍ شنيعة، قبل أن تلتهم جسدَه الدودُ والذباب
يصوّر هذه التراجيديا باستعارات بودليرية يجيد استلهامها، هو المهووس بالإنتاج الأدبي والفكري للقرن التاسع عشر، والخبير المرموق الذي تستضيفهُ لِدراساتها المجلاتُ المتخصصة بذلك القرن.

لعلّ روايته "الجسيمات الأوليّة" (فلاماريون، ١٩٩٨)، التي كانت على وشك نيل جائزة الغونكور حينها، أكثر أعماله إجلاءً لكلِّ مشروعه الأدبي، بمختلف أبعاده. بطلاها أخوان يفرّقهما كلّ شيء، وإن كانا وجهين لنفس التراجيديا التي يسببها خلو حضارة اليوم من عمودٍ فقريٍّ ميتافيزيقي، في رأي الكاتب. أو ما يمكن ترجمته بغياب "ليفة الدين" في ذهنية الغربي المعاصر، حسب تعبيره
ثمّة ضجرٌ جذري في حياة إنسان اليوم قاد له انتصار العلم (شديد الحضور في أعمال هولبيك الذي بدأ حياته المهنيّة مبرمج كمبيوتر!)، واحتلاله موقع الدين السابق في حياة الناس في الغرب.

 يراهن هولبيك في روايته الجديدة "خضوع" على أن الإنسان، ليكون سعيداً، يحتاج في جوهرهِ إلى "الإيمان المطلق والخضوع المطلق". وأن بحثه عن الانعتاق والحريّة وهمٌ طوباويٌّ في العمق
لعلّنا أمام فكرةٍ رجعيّة تقليدية قديمة، يجسِّدها هولبيك في روايته باللجوء إلى الإسلام كدين الإيمان المطلق والخضوع المطلق. "أسخف الأديان"، كما قال يوماً في حديثٍ شفويّ لا يخلو من التحرّش الرخيص، وإن التزم بحياديّة ذكيّة إزاء الإسلام في روايته الأخيرة هذه، لا تسمح للقارئ بتصنيفه كمعادٍ للإسلام، أو مستثمرٍ روائي لِجوانبه المحافظة لا غير!...

تستغرق الرواية في سرد حياة الراوي، فرانسوا، الذي يُدرِّسُ في جامعة السوربون في سنوات تعاظمت فيها شعبية حزب "الإخاء الإسلامي" الذي أسسه محمد بن عباس، كحزب إسلام سياسي معتدلٍ مناورٍ ذكي ذي علاقة طيبة بالمؤسسات اليهودية، بعد شهرٍ من انتخابات ٢٠١٧ الذي حقّق فيها اليمين المتطرف أرقاماً انتخابية مرتفعة استثنائية.

أعدّ فرانسوا، قبل ذلك، أطروحةَ الدكتوراه خلال سبع سنوات عن المفكّر والناقد الفنيّ هيومانس (١٨٤٨ ـ ١٩٠٧)، صاحب عبارة: "إغرقْ إذن أيّها المجتمع، متْ إذن يا هذا العالم القديم!"، مؤلف رواية "على العكس" الذي قدم فيها دليل عمل للخروج من قرنٍ منهار، وأحد أبرز من يُسمَّوْنَ: "كتّاب نهاية قرن". تتماهى حياة الراوي بحياة نموذجه الفكري بشكلٍ مدهش.

يسلِّطُ الراوي الضوءَ على علاقاته الجنسية السطحيّة المتقلّبة، في بلدٍ تحكمه "اشتراكية ديموقراطية تحتضر"، يواصل انطفاءَه وانكفاءه وانحداره طوال الفترتين الرئاسيتين للرئيس الحالي فرانسوا هولاند. 
"كانت لديّ رغبةٌ صغيرةٌ في مناكحتها، ورغبةٌ صغيرةٌ في الموت في نفس الوقت"، يقول الراوي في أحد لقاءاته مع طالبةٍ في بيته.

يصل بن عبّاس، الذي كان من أصغر وأبرع خريجي كليات نخبة النخبة في فرنسا: المدرسة البوليتكنيكية والمدرسة الوطنية لِلإدارة، في الدور الثاني من انتخابات عام ٢٠٢٢ إلى رأس السلطة في فرنسا، بعد تأييد أهم حزبين يساري ويميني في فرنسا لِحملته الإنتخابية، تلافياً لِوصول مرشّحة اليمين المتطرف الشهيرة مارين لوبين للرئاسة، بعد أن حصلت على ٣٤٫١٪ في الدور الأول، تلاها عباس ٢٢٫٣٪، ثمّ الاشتراكي فالس ٢١٫٩٪.

يبدأ هكذا عهدٌ إسلاميٌّ جديد في تاريخ فرنسا الذي يترأسها "نابليون مسلم" ذكيٌّ جداً ذو رؤية أوربية متوسطيّة راسخة، تنتهي خلاله العلمانية ومدرستُها بسيطرة الإسلاميين على وزارة التربية والتعليم، بعد مفاوضات صعبة مع الحزب الاشتراكي، ترك الإسلاميون له مقابلها معظم الوزارات الهامة الأخرى: تلك أوليتهم الدائمة: "من يسيطر على الأطفال، يسيطر على المستقبل!".

ينتهي بعد ذلك عصر التعليم المختلط، ويتمّ طرد المدرِّسين غير المؤمنين من العمل (كما حصل لفرانسوا)، وإن ظلّوا يستلمون نفس رواتبهم كمتقاعدين، بفضل دعم المملكات البترولية للحكومة الإسلامية الفرنسية.
تُمنع الملابس عارية الكتفين والميني جوب، غير أن الحياة الجنسيّة لا تذبل في الجمهورية الإسلامية الجديدة: الزواج من صبيّة جميلة، أو من أكثر من زوجة في نفس الوقت (كما صار مسموحاً في القانون الفرنسي) ممكنٌ جدّاً، لا سيّما لِلفئات الغنيّة...
تنتهي البطالة في فرنسا بفضل عودة المرأة تدريجيّاً للمنزل، تنخفض الضرائب والإضرابات عن العمل والجرائم واضطرابات صراعات الهويّات، ويزدهر السلام الإجتماعي...

يعتنق فرانسوا الإسلام بعد حوار طويل، دام ظهيرةً ومساء، مع رئيس جامعة السوربون، روبير ريديجر، الذي اعتنق الإسلام قبل وصول "الإخوة الإسلامية" للسلطة بسنين. (رمق فرانسوا في بيت روبير الفاره إحدى زوجاته، عمرها خمسة عشر سنة بالكاد، علمَ منه أنها ندمت على رؤيته دون حجاب!).
يوفّر إسلامُهُ لفرانسوا وظيفةً جامعيّة عالية الدخل، ويفتح له باب الزواج من طالبات صغيرات لم يحتج بذل أدنى مجهودٍ لمغازلتهن.

يصعب، في نظري، تبريرُ اختيار الرواية لجملة من التفاصيل الرمزية التي تقود لأراضٍ مُلغَّمة:
عنوان الرواية هو نفس عنوان فيلم عن أوضاع المرأة في الدول الإسلامية الذي صدم بعض المشاهدين السلفيين. مخرجهُ حفيد الفنان فان جوج، الذي أغتاله إرهابيُّ إسلامي في عام ٢٠٠٤، بعد ظهور فيلمه.
لِروبير ريديجراسم شبيه جدّاً باسم روبير ريديكر الذي اشتهر بكراهيته للإسلام، والذي يعيش حاليّاً بحماية بوليسية من تهديدات القتل الإرهابي جراء تصريحات عدائية للقرآن والنبي محمد.
استحضار هذه الرموز للتذكير بعداء الإرهابيين لِحريّة التعبير، كما لو كانت مرادفةً لِدين الإسلام، اختيارٌ غير موفق، وخطير أيضاً، لا يعادله إلا مماهاة الدين المسيحي بمحاكم التفتيش وصكوك الغفران!
الانطلاق كذلك من عبارة الإمام الخميني: "إذا لم يكن الإسلام سياسةً فهو لا شيء" يرفض الاعتراف بتجارب إسلامية معاكسة، تفصل الدين عن السياسة، كما هو حال حزب النهضة في تونس الحديثة.

ثمّ إن اللجوء لسرد تنبؤات مستقبلية روائية باجتياح الإسلام السياسي والشريعة للنظام العلماني الفرنسي (في تطوّر انتخابيٍّ ناعم، "أشبه بحلمٍ سيء") يميل للتخويف أكثر من الاستشراف والحدس، لا سيّما في واقعٍ معاصر فشل فيه الإسلام السياسي في عقر داره، وعلى كل الأصعدة؛ وارتبط اسمه غالباً بالعنف والمشاريع الرجعية التي تجاوزتها الحضارة الحديثة. فكيف له أن ينجح في دولةٍ التنوير والعلمانية الراسخة؟

تخويفٌ يضرّ كثيرا الفئات المسلمة في المجتمع الفرنسي، التي تبدو هكذا ضمنيّاً (على عكس ما هي غالباً جدّاً، في الحقيقة) في صدامٍ ثقافي وعداء حضاري مع قيم الجمهورية الفرنسية العلمانية، مما يسهِّلُ لليمين المتطرف العنصري وخطابه المعادي لها مزيداً من النيل والتجريح...

عبقرية هولبيك الروائية تظلُّ مع ذلك مثيرةً للإعجاب، لإبداع تركيباته الروائية وتبحُّرِها المعرفي وفنيّتها العالية، حتّى وإن كان جوهرُ تنبؤات خيالها السياسي بخيساً جداً بُخسَ تنبؤاتٍ بفرنسا يحكمها بريجنيف سوفيتي، أو يعود فيها للحكم ملكٌ كلويس ١٦، أو تتنقّلُ فيها بريجيت باردو بنقابٍ إسلامي...

لعله يشترك بشكلٍ أو بآخر مع الأصوليين الإسلاميين أنفسهم في رفض نتائج حركة الزمن، وفي إرادة أن يستحمّ المرء في نفس النهر مرّتين!

الأحد، 1 فبراير 2015

من كتبَ غلبَ، ومن رقمنَ هيمنَ

من كتبَ غلبَ، ومن رقمنَ هيمنَ
حبيب سروري

الزمان: القرن الخامس عشر. على يساري قارة أوربا التي أباد أكثرَ من نصفِ سكّانِها الطاعونُ الأسود. تلتهمها حروبٌ دينيةٌ وأهليةٌ لا تتوقف. جهلٌ عميم وظلاميّة داكنة تطمُّ كل أصقاعها الكئيبة الجائعة.

الحضارة في الجهة اليمنى منها، حيث الإمبراطورية العثمانية التي تتوسّع من القوقاز شرقاً حتّى الجزائر غرباً.
تتكيء هذه الحضارة على تراث علمي مشعّ بدأ من "بيت الحكمة" في بغداد في القرن التاسع حيث تُرجِمَ تراثُ الإغريق وفلسفتُهم للعربية، وقُدِّمَ مشروحاً للعالَم أجمع في صيغةٍ واحدةٍ إحدى
"عرفنا الفلسفة بفضل الإسلام!"، سيقول لاحقاً روجيه باكون.

اخترع الخوارزمي منذ فجر هذا القرن الذهبي علمَ الجبر (يستخدم العالم أجمع هذه التسمية العربية من وحي كتابه: الجبر والمقابلة). وارتبط اسمهُ أيضاً بأهمّ وأنبل كلمة في علم الكمبيوتر اليوم: Algorithme، الخوارزمية. (أي طريقة حلّ الإشكاليات بمنهجٍ دقيقٍ ولغةٍ محدّدةٍ يمكن أن تستوعبها الآلة). 
تلاه ابن الهيثم الذي ألغى مسلمات خاطئة قديمة في علوم البصريات واستبدلها بنظريّاتٍ حديثة تستند على تجارب مختبرية عبقرية جعلته رائد علمهِ حتّى أمدٍ قريب
تواصَلَ الازدهارُ الحضاري بفضل عدد آخر من الأسماء العظيمة اللامعة في كل مجالات العلم والأدب...

كانت حضارتنا هذه في القمّة عسكريّاً أيضاً: وصلت إلى جنوب أوربا منذ بداية القرن الثامن، وإلى تخوم الصين شرقاً. حاصرت عاصمةَ النمسا، فيينا، في ١٦٨٣، وكادت تسقطها لولا خطأ في توقيت موعد الهجوم!... 

السؤال الذي يسكنني: كيف ولماذا فقدت هذه الحضارة زمام التفوق، قبل أن تتمزّق وتنهار، حيث لم يخرج عالَمُها العربي من غيبوبةِ لكمةٍ قاضية حتّى اليوم؛ في حين صعدت الحضارة الأوربية من الحضيض، وأمسكت أذرعها الأخطبوطية اليوم بكل مقاليد الكوكب الأزرق؟ متى بدأ ذلك تحديداً؟...
تُهمُّني هذه اللحظة المفصلية، تستعمرني، تستحوذُ على كل عصبونات دماغي!

لنحاول، برفقة كتاب نيال فريجسون: "حضارات"، أن نستحضر على تلفازين افتراضيين متجاورين سيرورة تطوّر الحضارة الأوربية (في التلفاز الغربي)، والحضارة العثمانية (في التلفاز الشرقي)، منذ تلك اللحظة القدريّة الحاسمة!...

سنرى في التلفاز الغربي: عرف الغرب في نهاية ذلك القرن الخامس عشر مطبعة جوتمبرج (الذي طوّر عبرها المطبعة الصينية). تعمّمت خلال عقود قليلة هذه المطبعة على أهم مدن الغرب. طُبِعت عشرات آلاف الكتب الدينية أوّلاً، ثم كتباً معرفية مختلفة، لاسيّما كتاب "العناصر" لأقليدس... ارتفع حينها بشكلٍ ملحوظ مستوى التنمية البشرية في المدن التي انتشرت فيها المطابع...
ماذا نرى في التلفاز الشرقي؟
مُنِعت الطباعة بقرار عثماني رسمي في عام ١٥١٥! لم تصل المطبعة بيروت مثلاً إلا في القرن الثامن عشر.

رفض النظام العثماني مواكبة حركة الزمن تحت شعار رجعيٍّ غريب يقشعرّ من هول ظلاميته جلدي: "حبر العالِم أقدس من دم الشهيد"! (يقدِّسون دم الشهيد حدّ التأليه عادةً، لكنهم يبيعونه في سوق النخاسة من أجل تبرير منع الطباعة!).

لعلّ لحظةَ نشوء المطبعة في أوربا، ومنعَها بالمقابل في الإمبراطورية العثمانية، هي اللحظة المفصلية التي بدأ فيها سقوط إحدى الحضارتين، وصعود الأخرى. لأن العالَمَ تغيّر تماماً إثر ذاك: لم تعد البشرية تعيش في عصر "من ضرب غلب"، ولكن "من كتب غلب"، قبل أن تنتقل اليوم إلى عصر "من رقمن هيمن"!

تعود إلى التلفاز الغربي لترى تطوّراً حضاريّاً كليّاً مع إطلالة القرن السابع عشر وحتّى موعد الثورة الفرنسية، تُلخِّصه كلمتان قلبتا الكرّة الأرضية رأساً على عقب: الثورة العلمية!
تتابع أكثر من ٣٠ اكتشافاً جوهرياً خلال تلك الفترة ظهرت في غرب القارة الأوربية لا غير، وقّعها: جاليلو، نيوتن، فيرما، باسكال، لافوازيييه، وغيرهم. تُرافِقها أكاديمياتٌ علميةٌ تتأسس. تنافسٌ في الاختراع. تحفيزٌ يوميٌّ على تطوير البحثِ العلمي...

 أحد تلك الاكتشافات الثلاثين له تطبيق مباشر في المجال العسكري: مُنحنى حركة قذيفة المدفع ليس خطيّاً، ولكن قوسيٌّ يمكن حسابهُ رياضيّاً، وتوجيههُ في ضوء درجة مقاومة الهواء، بحيث تصل القذائف إلى غرفة نوم قائد القلعة التي تحمي عساكرَ الدفاع عن مدينة، وتدمِّرها كليّة!

لإدراك مقام العلم في الحضارة الجديدة، يكفي استدعاء لحظة موت نيوتن: عُرِض جسدُه خلال ٤ أيام في دير ويست مينيستر قبل أن يَحمِل جثمانَهُ على أكتافهم إلى القبر دوقان (ملِكا منطقتين)، ٣ نبلاء، واللورد رئيس الوزراء!
بعد عودته لفرنسا، كتب فولتير الذي حضر حفل التأبين:
"رأيت بروفيسور رياضيات، لمجرد كونه جيدا في مجاله، يواري جثمانه الثرى كملك، ينحني له شعبه وفاء وإجلالا".

تنتقل إلى تلفاز الشرق. ماذا ترى؟
خلال كل تلك الفترة لم تترجم الإمبراطورية العثمانية من كتب العلوم الغربية غير كتاب واحد! لم تشيّد صرحاً علميّاً واحداً غير مرصد العالم السوري تقي الدين في أسطنبول، لكنها هدّمته بعد سنةٍ من بنائه، حسب توجيهات فتوى دينية، بحجّة "التدخل في أسرار الله"!
وقف الفقهاء هكذا عائقاً في وجه التطوّر والدخول في عصر الحداثة. ظلّ الحاكمُ العثمانيُّ أسيرَ عقلية الجواري ومؤامرات التصفيات السيّاسية بين الورثة سعياً للحكم. تدهورت الإدارة المدنيّة وإرشيف إحصائيات السكّان...

وفي الغرب؟... الحاكم، كفريديريك الثاني في بوستدام، يمثِّلُ العكسَ النموذجيَّ للسلطان التركي: تنظيم، عمل، توسّع، ثقافة، نشرٌ علميٌّ واسع، استخدام للاكتشافات العلمية في اختراع سلاح مدفعية متحرّك فعّال جديد...
 ثمّ بدأ قرن التنوير وفصل الدين عن التعليم. تحرّر إثره البحث العلمي والفكر. خطى الغرب بعد ذلك خطوات عملاقة نحو الديمقراطية والحداثة. ثمّ الثورة الصناعية...

ماذا ترى في تلفاز الشرق؟
تحجّرٌ وتعليمٌ متخلِّفٌ يعلم الطالب كيف لا يفكر. انهارت الإمبراطورية العثمانية تدريجيّاً بعد هزيمة فيينا. وظلّ العالم العربي حتّى الآن خارج الحضارة، أسير ثقافة الظلاميين واستبداد الطغاة!

واليوم، في عصر الرقمنة؟
يكفي إغلاق التلفازين وفتح شاشة الإنترنت: اتساع الهوّة بين الحضارتين أكثر تراجيديّةً بكثير، لأن الرقمنة أضافت لمارد الغرب جناحين، فيما أُصِيبتْ زعانف سلحفة حضارتنا بالشلل، ولم يتمكّن رأسها بعد من الخروج من الصدفة!
فبوّابات المعارف بِلُغات الغرب تكتظّ اليوم بمليارات المواد العلمية والمعرفية. فيما العربية تفتقر إلى أهمِّ كلمات المعارف الحديثة، ولم تعد تُستخدم أصلاً لِكتابة العلوم.
لو بحثتَ مثلاً عن هذه الكلمة الجوهرية Entropy، ستجد لها أكثر من خمسين استخداماً في علوم الطاقة الحرارية، الرياضيات، المعلوماتية والكمبيوتر، الاقتصاد، العلوم الاجتماعية، الموسيقى... أحدها في غاية الجوهرية، يتأسس عليه القانون الثاني للديناميكا الحرارية.
تمدّك موسوعة ويكيبيديا مثلاً بفروع شجرة المعارف المرتبطة بهذا المفهومِ ــ الموسوعة، فيما لا تجد مقابلاً أو أثراً له بالعربية، ولا حتّى ترجمة بلغة الضاد لصفحات ويكيبيدايا الخاصّة به (باستثناء واحدة)!
حالهُ حالُ "المتعرِّف الضوئي على الأحرف" (OCR) الذي يُحوِّل صورة السكانير لأي كتاب إلى نص رقمي، والذي  تمتلكه كل لغة (عدا العربية حتّى الآن!)؛ وهلمَّ تأخّراً وغياباً!...

وبشكلٍ عام فإن توقّعات كل مكاتب الدراسات الجيوسياسية لدور بلدان العرب في المستقبل الحضاري للكرة الأرضية خلال العقود القادمة تراه يكمن في:
١) بيع البترول.
٢) حماية حدود أوربا وإسرائيل من هجرة فقراء العالم وجياعه.
أي أننا لن نكون أكثر من بائعين لثروة طبيعية مصيرها الزوال، وكلاب حراسة لا غير.

في حين سيكون لتركيا موقعٌ ما من الإعراب في سباق الحضارات بفضل تطويرها للصناعات الاستهلاكية، وسيكون لإيران أيضاً موقعٌ ما بفضل تطوّر البحث العلمي فيها في مجالات محدّدة كالطب.

لا يوجد في منطقتنا بلدٌ واحدٌ استوعب بعمق أن من كتب وغلب، ومن رقمن هيمن؛ بنى جبرّوته بفضل عشق التعليم والبحث العلمي ليصير في مقدّمة العالم في عددٍ من المجالات الاستراتيجية رغم عدد سكّانه الضئيل، ولينال باحثوه جوائز نوبل في الفيزياء والكيمياء والطب والاقتصاد؛ أطلق سفنهُ الفضائية الخاصّة لمراقبة غرف نوم قادة الشرق الأوسط... إلا: إسرائيل!